رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 5 يوليو، 2022 0 تعليق

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية  – بعض الأحكام المستفادة من قصة لوط عليه السلام  – حكم الهجرة

قال -سبحانه وتعالى-: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (سورة العنكبوت:26) من المسائل المستفادة من الآية الكريمة (حكم الهجرة)، قال الشنقيطي: «وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُشِيرُ إِلَى هِجْرَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمَعَهُ لُوطٌ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ فِرَارًا بِدِينِهِمَا»، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ -تَعَالَى-: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي الْهِجْرَةِ وَالْعُزْلَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ».

أولاً: تعريف الهجرة

- الهجرة في اللغة: هي الِانْتِقَال مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضِع.

- وفي الاصطلاح: هي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام.

ثانيا: أنواع الهجرة

- يتبادر إلى الذهن ويغلب على التصور أن الهجرة حقيقة واحدة، وقد ذكر ابن القيم أن الهجرة هجرتان:

- الأولى: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد.

- والثانية: الهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره إلى خوفه.

      ويوضح الشيخ ابن سعدي تفصيل الحكم بقوله: «وفسر - صلى الله عليه وسلم - الهجرة التي هي فرض عين على كل مسلم بأنها هجرة الذنوب والمعاصي يعني حديث: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، وهذا الفرض لا يسقط عن كل مكلف في كل حال من أحواله؛ فإن الله حرم على عباده انتهاك المحرمات، والإقدام على المعاصي.

والهجرة الخاصة التي هي الانتقال من بلد الكفر أو البدع إلى بلد الإسلام والسنة جزء من هذه الهجرة وليست واجبة على كل أحد، وإنما تجب بوجود أسبابها المعروفة.

ثالثاً: حكم الهجرة

      ذهب عامة العلماء إلى أن حكم الهجرة باق إلى يوم القيامة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها «رواه أحمد، وأبو داود، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو» أخرجه النسائي وصححه الألباني.

      ووجه الدلالة من الحديثين ظاهر؛ حيث قرر - صلى الله عليه وسلم - بقاء حكم الهجرة ما بقيت التوبة وبقي الجهاد، وكلاهما محكم غير منسوخ، مما يدل على أن حكم الهجرة أيضا غير منسوخ.

حكم هجرة المسلم من دار الكفر

وفي المسألة تفصيل ذكره العلماء في حكم هجرة المسلم من دار الكفر مراعين بذلك وضع المسلم وقدرته، على النحو الآتي:

الأول: من تجب عليه الهجرة

      وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة لقوله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء:97)، وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أنا بريء من مسلم بين مشركين، لا تراءى ناراهما «أخرجه أبو داود وصححه الألباني، ومعناه: لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من يقدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

الثاني: من لا تجب الهجرة عليه

      وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف من النساء والولدان وشبههم، فهذا لا هجرة عليه، لقوله -تعالى-: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (سورة النساء:98)، قال ابن عباس: «كنت أنا وأمي من المستضعفين ممن عذر الله، هي من النساء وأنا من الولدان». أخرجه البخاري.

الثالث: من تستحب له ولا تجب عليه

      وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر، فتستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه دون الهجرة، وقد كان العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - مقيما بمكة مع إسلامه.

ومما يستدل به أيضا:

1- عن أبي سعيد الخدري أن أعرابيا أتى النبي فسأله عن الهجرة فقال: «ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «فتعطي صدقتها؟» قال: نعم قال: «فهل تمنح منها؟» قال: نعم قال: «فتحلبها يوم ورودها؟» قال: نعم قال: «فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا». متفق عليه، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر؛ حيث لو كانت الهجرة واجبة عليه لما صرفه النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها.

2- أخرج مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله» إلى أن قال: «ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين» الحديث أخرجه مسلم.

      قال النووي: «معنى هذا الحديث أنهم إذا أسلموا استحب لهم أن يهاجروا إلى المدينة، فإن فعلوا ذلك كانوا كالمهاجرين قبلهم في استحقاق الفيء والغنيمة وغير ذلك، وإلا فهم أعراب كسائر أعراب المسلمين الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو».

الهجرة في أول الإسلام

      ومما يزيد الأمر وضوحا أن الهجرة كانت في أول الإسلام واجبة لنصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعد فتح مكة سقط الوجوب فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا هجرة بعد الفتح» متفق عليه، قال ابن قدامة: «أراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح»، وقال النووي: «معناه: لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضلها قبل الفتح، كما قال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا}. وأخرج البخاري عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير الليثي، فسألناها عن الهجرة فقالت: «لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله -تعالى- وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - مخافة أن يفتن عليه، أما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية».

     قال ابن حجر: «أشارت عائشة -رضي الله عنها- إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع لم تجب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت، ومن ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها، لما يرتجي من دخول غيره في الإسلام».

      وقال الخطابي: «كانت الهجرة أي: إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في آيات عدة حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}، فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك