رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 4 يوليو، 2022 0 تعليق

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية – بعض المسائل المستفادة من وصايا لقمان –  الإحسان للوالدين

قال الله -عز وجل-: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير} (سورة لقمان:13-14)، وصايا لقمان من حكم القرآن العظيمة، جاءت في سياق نصيحة أبوية حانية، تناولت ثوابت الدين الراسخة في العقيدة والعبادة والأخلاق مع الخالق والمخلوق، وبينت الآداب العامة والخاصة، فهي منهج حياة سوية، وخطة مجتمع رباني مستقيم، ومن المسائل المستفادة من الآيات الكريمة مسألة (الإحسان للوالدين).

      والإحسان إلى الوالدين كلمة جامعة، تعني إيصال كل خير مستطاع إليهما، ومنع كل ما يمكن منعه من أذى عنهما، واقتران ذلك بالشفقة والعطف والتودد، ويوضح ابن عباس كيفية الإحسان إلى الوالدين بأنه البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحدّ النظر إليهما، ولا يرفع الصوت عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللاً لهما.

      ويضاد الإحسان إلى الوالدين (العقوق)، وضبطه ابن حجر بأنه كل ما يصدر من الولد مما يتأذى به أحد الوالدين من قول أو فعل إلا ما كان في ترك طاعتهما في شرك أو معصية.

حكم بر الوالدين

      وأما حكم بر الوالدين فقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة على تأكيد هذا الحق العظيم، وبيان أنه من أعظم الواجبات على العباد بعد القيام بواجب العبودية لله -تعالى-، ومن ذلك: قوله -تعالى-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (سورة الإسراء:23).

       قال الشيخ ابن سعدي: «لما نهى -تعالى- عن الشرك به أمر بالتوحيد، ثم ذكر بعد حقه القيام بحق الوالدين فقال: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والفعلي؛ لأنهما سبب وجود العبد، ولهما من المحبة للولد والإحسان إليه والقرب ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر».

قال القرطبي: أمر الله -تعالى- بعبادته وتوحيده وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره فقال: {أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير}.

      وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قال القرطبي: «فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام».

      وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رغم أنفه» ثلاثا، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة».

عقوق الوالدين من أكبر الكبائر

      وأما عقوق الوالدين فهو من أكبر الكبائر باتفاق الفقهاء، فقد أخرج الشيخان عن أبي بكر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين»، وكان متكئا فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور» فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.

المسألة الثانية: ما حدود طاعة الوالدين؟

      طاعة الوالدين ليست مطلقة كطاعة الله -تعالى- وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإنما هي مقيدة بحدود، فذكر ابن حجر أنه يجب على الولد طاعة والديه فيما أمرا به من المباحات فعلا أو تركا، ما لم يترتب على طاعتهما ضرر بالغ أو هلاك محقق.

      فإن أمرا بمعصية بترك واجب أو فعل محرم فلا طاعة لهما، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما الطاعة في المعروف» وقوله: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

إذا أمراه بترك مندوب

      فإن أمرا بترك مندوب وفي ذلك مصلحة لهما، كأن يطلبا من الولد مصاحبتهما وفي ذلك تركه لقيام الليل أو قراءة القرآن، فإنه تجب طاعتهما، ودليل ذلك استجابة الله -تعالى- دعاء أم جريج في ابنها الصالح حيث عاقبه الله لعدم تلبيته لندائها، قال النووي في فقه الحديث: «فيه قصة جريج وأنه آثر الصلاة على إجابتها فدعت عليه فاستجاب الله لها، قال العلماء : هذا دليل على أنه كان الصواب في حقه أن إجابتها لأنه كان في صلاة نفل والاستمرار فيها تطوع لا واجب، وإجابة الأم وبرها واجب، وعقوقها حرام، وكان يمكنه أن يخفف الصلاة ويجيبها ثم يعود لصلاته».

إذا أمراه بترك واجب كفائي

      وإذا أمراه بترك واجب كفائي كترك غسل الميت أو ترك الجهاد ونحو ذلك، فإن تعين عليه القيام بذلك العمل لعدم وجود غيره أو لأن القائمين به لا يكفي جهدهم لإقامته فلا يطاعان في ذلك، أما إذا وجد من يكفي فإنه يجب برهما وطاعتهما.

إذا وجب الجهاد على الولد

      وإذا وجب الجهاد على الولد وتعين لم يعتبر إذن الوالدين؛ لأنه صار فرض عين وتركه معصية، وكذلك كل ما وجب مثل الحج وصلاة الجماعة والسفر للعلم الواجب، قال الأوزاعي: لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض والجمع والحج والقتال؛ لأنها عبادة تعينت عليه.

      أما إن كان الجهاد فرض كفاية فجمهور الفقهاء يرون وجوب استئذان الوالدين قبل الخروج وعليه ترك الخروج إذا منعاه من ذلك، ودليلهم ما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه في الجهاد فقال: «أحي والداك؟» قال نعم قال: «ففيهما فجاهد».

      قال ابن حجر: «أي: إن كان لك أبوان فابلغ جهدك في برهما والإحسان إليهما، فإن ذلك يقوم مقام قتال العدو»، وفي رواية لأبي داود: جاء رجل فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان، قال - صلى الله عليه وسلم -: «فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما»، وعن أبي سعيد: أن رجلا من أهل اليمن هاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: «هل لك أحد باليمن؟» قال: أبوي، قال: «أذنا لك» قال: لا، قال: «فارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما» أخرجه أبو داود.

قال ابن قدامة: «لأن بر الوالدين فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية».

المسألة الثالثة: كيف يبر الولد الوالدين إذا تعارض أمراهما؟

      ظاهر الآية يدل على التسوية بين الأبوين في البر والقيام بحقوقهما على حد سواء، ولكن ثبت في البخاري عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «أمك «قال: ثم من؟ قال: «أمك «قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك».

      قال القرطبي: فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب، لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط، وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب، فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب.

وبناء على هذا إذا تعارض أمراهما وأمكن الجمع بين الحقين فذاك، فإن تعذر الجمع بينهما ينظر:

فإن كان أحدهما يأمر بطاعة والآخر يأمر بمعصية، فيقدم طاعة من أمر بالطاعة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وإن كانا يأمران بطاعة أو مباح فحق الأم مقدم على الأب، ومن ذلك لو وجبت النفقة على الولد لأبويه ولم يقدر إلا على نفقة أحدهما، فتقدم الأم على الأب عند الجمهور؛ لما لها من عظيم الحق، ولأنها أضعف وأعجز.

 

 

تغريدات مختارة

د. عبدالله مطير الشريكة

@DrAlshoreka

لأن يعيش الإنسان بلا شهادة ثانوية أو جامعية خيرٌ له مليون مرة من الحصول على شهادة بالغش.

مُبارك فهد الدوسري

@mbrkwtdusari

       قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: الكلمة الطيبة تنقسم إلى قسمين: طيبة بذاتها، وطيبة بغاياتها، الطيبة بذاتها: كالذكر وقراءة القرآن، والكلمة الطيبة في غايتها: الكلمة المباحة، ومنها قصد إدخال السرور على الناس، وهو مما يقربك إلى الله -عز وجل.

أحمد خليل خيرالله

@A_khaleel_kh

مهما كانت الظروف أو الأحداث أو الأحوال في الحياة صمم على الأمر الأهم الأعظم وهو (التمسك بحبل الله) وقل لنفسك: يا نفسي ما القيمة في أي شيء يتحقق طالما لم يكن بالله التعلق؟ #دفتر_وعي.

سالم الخريف الناشي

@salemnashi

تلاوة القرآن أريج فواح، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مثلُ المؤمنِ الذي يقرأُ القرآنَ مثَلُ الأُترُجَّةِ، ريحُها طيِّبٌ، وطعمُها طيِّبٌ ...».

د. خالد سلطان السلطان

@AlsultanDr

      نصيحتي لأبنائي في الإجازة الصيفية: استغلوا الوقت والفراغ بالنافع، ومن أعظم النفع التحاقكم بالمراكز الصيفية التي يدرس فيها القرآن وعلوم السنة النبوية، مع صحبة طيبة في بيوت الله المساجد، أو في جمعية إحياء التراث؛ ففيها متعة التحصيل الشرعي والتربوي والترفيهي. إجازة سعيدة عليكم!.

د. صالح عبدالرحيم السعيد

@alsaeedsaleh

      الغش في الاختبارات حرام ولو أطلق عليه المجتمع اسم فزعة، وتسهيل الغش خيانة حتى وإن تبناه تربوي، وأنت يا أب والله وتالله وبالله لن تفلح أنت وابنك حتى وإن أتى بأجمل نسبة عن طريق الغش مهما طال الزمن.

رجب أبو بسيسة

@RagabFadl

      الواقع يحتاج نفسية نوح -عليه السلام-: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} اصنع فلكك وانتظر الفرج، ولنا أمل.

د . محمدالحمود النجدي.

@alnajdi1

      إثمُ مَنْ تركَ الحجّ مع القُدرة: قال عُمر - صلى الله عليه وسلم -:: «مَنْ ماتَ وهو مُوسِـر؛ لمْ يَحـج، فليَمتْ على أيّ حالٍ شاءَ: يهودياً أو نَصرانياً» أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٦٧١) وغيره.

د.محمد ضاوي العصيمي

@dr_alosimi

      اليوم حينما رأى الإنسان منع الحج بسبب الوباء لسنتين، وتقليص الأعداد، وارتفاع قيمة الحج جدا، يتذكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له»

#الحج.

د. فرحان بن عبيد

@Dr_Farhan_Obaid

بشرى للصابرين على البلاء

     قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ثم صبّره على ذلك حتى يُبلغه المنزلة التي سبقت له من الله -تعالى.

(1) كتب الله له مِن قبل خلقه درجة في الجنة لم يبلغها بعمله

(2) فلا يسخط.

إيمان الطويل

@Eman_altaweel

كتاب قواعد في أعمال القلوب، مداد للقراءة، أعمال القلب لاتنتهي طول العمر، سقاية القلب بغية السلامة:

- أولاً كتاب الله القرآن فيه الصبر الإخلاص التوكل المحبة وكل المعاني فيها تجريد التوحيد

- ثانياً الحديث الشريف التأسي بسيرته

- آثار التابعين كتاب الزهد للإمام أحمد

خالد قزار الجاسم

@khaledaljasem67

      من بركات نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -: هذا الحديث، قيل لأنس - رضي الله عنه -: أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمّون به؟ أم سمّاكم الله؟ قال: بل سمّانا الله، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حب الأنصار علامة الإيمان، وبغضهم علامة النفاق؛ فالاسم من رب العالمين، والعلامة من سيد المرسلين.

د. عبدالكريم الخضير

@ShKhudheir

      لا شك أن لصلاح الأب أثرًا عظيما في صلاح الولد، وجاء عن بعض السلف أنه يزيد في كل يوم ركعتين من أجل صلاح ولده، ولصلاح الأب أثر في صلاح ابنه؛ لأنه قدوة صالحة، والقدوة لها من الأثر في سلوك الولد أكثر من أثر القول.

د.سالم مهنا

@SalemMohanna

      المعلم ليس مجرد مدخل من مدخلات العملية التربوية، وليس مجرد قطعة إنتاجية أو خدمة مؤداة، وأن التعليم لن يكتب له الفوز والنجاح إن لم يكن المعلم هو دعامته الأصلية، وعلى المجتمع بعناصره ومؤسساته معرفة مكانة المعلم ودوره العظيم في إعداد الأجيال.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك