رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أيمن الشعبان 22 سبتمبر، 2021 0 تعليق

فقه العبودية في الأرض المباركة


ما زال حديثنا مستمرا عن فقه العبودية في الأرض المباركة، وكنا قد ذكرنا أنه يَنبغي أن تتحقق العبودية لرب البرية، في أنحاءِ المعمورة، وبقدر وجودها بين الناس يكون الاستحقاق بخلافة الأرض، كما ذكرنا أن الأرض المقدسة كانت وجهة كثير من أنبياء الله، في إشارة واضحة لأهمية تلك الأرض ومكانتها لديهم في تحقيق أعلى درجات العبودية متمثلة بالهجرة الخالصة ابتغاء مرضاة الله.

العبوديةُ ورِحلةُ الإسراءِ والمعراج

     رحلة من أروع الرحلات عبر التاريخ، ومعجزة من أعظم الإعجاز لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وحدثت في وسط الزمان، وهي امتداد للصلة الوثيقة بين تلك الأرض المقدسة ورسالة السماء، فقد اختار الله فيها أعظم الخلق وأعظم البقاع وأعظم الملائكة، وفرض فيها أعظم ركن بعد التوحيد.

- وتحقيق العبودية هو: الكمال ولقد كان للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- النصيب الأوفر من ذلك، وكلما كان الإنسان أكثر تحقيقًا للعبودية لله -تعالى- كان أكثر رقيا في سلم الكمال الإنساني، وكلما ابتعد عن تحقيق العبودية هبط وانحدر، والرسل حازوا قصب السبق في هذا الميدان، فقد كانت حياتهم انطلاقة جادة في تحقيق هذه العبودية.

نبينا - صلى الله عليه وسلم - وصف العبودية لرب البرية

     حادثة بهذه المعطيات ناسب أن يُذكر فيها نبينا - صلى الله عليه وسلم - بأعظم الأوصاف والمسميات، وأعلى المقامات وأرفعها، ألا هي صفة العبودية لرب البرية، التي اختارها - صلى الله عليه وسلم - على الملك، ووصفه الخالق العظيم بها في أشرف مقاماته كمقام التنزيل؛ إذ قال -سبحانه-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا}، ومقام الدعوة في قوله -سبحانه-: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا}، وفي مقام التحدي كما في قول ربنا -عز وجل-: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، ومقامات أخرى عظيمة اقترنت فيها صفة العبودية بنبينا - صلى الله عليه وسلم - خير البرية.

أسمى المراتب

     ولما كانت العبودية من أسمى المراتب التي يصل إليها الإنسان، وأعلى وسام ينعم به على الفرد والمجتمع، ناسب أن تقترن في تلك المعجزة، التي وقعت أحداثها العظام في أرض الرباط والجهاد في بيت المقدس، في إشارةٍ عظيمةٍ أن تلك البقاع تكون في حياض المسلمين وتحت سيطرتهم، ينتفعون من بركتها وخيرها وثمرتها الدينية والدنيوية، إذا حققوا العبودية التي أمرهم الله بها.

     قال ابن عجيبة -رحمه الله تعالى-: العبودية أشرف الحالات وأرفع المقامات، بها شَرُفَ من شَرُفً، وارتَفَعَ من ارتفع، عند الله، وما خاطب الله أحباءه إلا بالعبودية، فقال -تعالى-: {سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً}، وقال: {وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ}، {وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ}، {وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ}، {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}... إلى غير ذلك.

     هنالك اختصاص آخر للنبي - صلى الله عليه وسلم - وما ارتبط بتلك البقعة المباركة، بإضافة العبودية إلى الذات العلية بهاء الضمير المتصل بدل المنفصل في هذه الرحلة العجيبة، قال -سبحانه-: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}، ولم تأتِّ هذه الإضافة إلا في موضع الإسراء والنجم المتعلقة بهذه المعجزة، وثلاثة مواضع أخرى (الكهف والفرقان والحديد) متعلقة بإنزال القرآن فتأمل!

أرطبون الروم وفقه العبودية

     بعد أن حاصر الجيش الإسلامي بقيادة الصحابي الجليل أبو عبيدة عامر بن الجراح - رضي الله عنه -، الروم داخل أسوار بيت المقدس واستسلموا للأمر الواقع، وافق (أرطبون) الروم على تسليم المدينة لكن لأمير المؤمنين وليس لقائد الجيش، في إشارةٍ منه لفهم عميق لأصل الصراع وحقيقة البعد العقدي فيه، وإدراكه أن خليفة المسلمين آنذاك عمر - رضي الله عنه - المخول الأول بذلك، هكذا يكون الأعداء إذا حققنا العبودية بجوانبها.

     تلقى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين - رضي الله عنه - خطابًا من أبي عبيدة عامر بن الجراح - رضي الله عنه - قائد الجيش رسالة قال فيها : يا أمير المؤمنين إنَّ أهل بيت المقدس قد طلبوا الصلح مشترطين أن يتولى خليفة المسلمين ذلك بنفسه، وإنا يا أمير المؤمنين حاصرناهم بجيشنا فأطل علينا من فوق أسوار المدينة المقدسة البطريرك (صفرو ينوس)، وقال: إنا نريد أن نسلم لكم المدينة لكن بشرط أن يكون التسليم لأميركم، فتقدمت منه وقلت أنا أمير الجيش؛ فقال إنما نريد أمير المؤمنين.

     عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ اسْتَقْبَلَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ نَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَنَزَعَ خُفَّيْهِ وَخَاضَ الْمَاءَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَرَاكَ عُظَمَاءُ أَهْلِ الشَّامِ مِنَ الأَعَاجِمِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هَذَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلامِ فَمَنْ يَلْتَمِسِ الْعِزَّ بِغَيْرِهِ يُذِلَّهُ اللَّهُ.  فعندما نُحقق العبودية في أنفسنا ومجتمعاتنا، تَصل رسالتنا إلى الأعداء بطرائق عمليةٍ دون جهود أو إعلام، عندها تُفتح المقدسات وينشر في ربوعها الإسلام والسلام، وتحفظ الحقوق للجميع.

     ولما اقترب النصارى من عمر - رضي الله عنه -، ورأوه يقود الراحلة وغلامه يركب، زادت مهابة عمر وزاد إجلاله، فخروا لعمر ساجدين، فأشاح عليهم الغلام بالعصا وقال: ويحكم ارفعوا رؤوسكم فإنه لا يجوز السجود إلا للهِ، سبحان الله! عبوديةٌ خالصةٌ للواحد الأحد، وأقبل البطريرك (صفرو ينوس) على عمر يبكي ويقول: أيقنتُ أن دولتكم على مرِّ الدهر والزمان باقية لا تزول.

لا نصر إلا مع تحقيق العبودية

يقول - صلى الله عليه وسلم - فيما يُخبر به عن آخر الزمان: «تُقاتِلونَ اليهودَ، حتى يَختَبِئَ أحدُهم وَراءَ الحجَرِ، فيقولُ: يا عبدَ اللهِ، هذا يهودِيٌّ وَرائي فاقتُلْه» وفي رواية: «حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله».

     مَن الذي أنطق الحجر؟! ومن الذي ألهمه تلك المقولة العجيبة، التي تحمل في طياتها قواعد وأصول عقدية عميقة؟! كما تحمل هذه العبارة فقها دقيقا وترسم لنا الطريق، لاستعادة مقدساتنا وأرضنا المغتصبة، فلله در هذا الحجر فمن أنطقه إلا الذي أنطق كل شيء؟!

     في هذا الحديث دلالةٌ قويةٌ على أن الأمة لن تُنصر على عدوها وتتمكن في الأرض، حتى تُحقق معاني العبودية التي حققها الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- عندما فتحوا قلوب الأنام قبل المدن والبلدان، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة: «تُقاتلون اليَّهود» مع أنه - صلى الله عليه وسلم - يُخبر عن زمان آخر يقينًا غير موجودين فيه، أي سيأتي قومٌ في آخر الزمان يقاتلون اليهود، لكن لن ينتصروا عليهم حتى يحققوا العبودية كما حققها الصحابة في شؤون حياتهم فتأمل!

يُستعاد المسجد الأقصى بتحقيق العبودية

     كلما تعددت الرايات، واختلفت الولاءات، وتنوعت الوجهات، وظهرت التعصبات، انعكس ذلك سلبًا على وحدة الأمة الإسلامية وتماسكها، ومن ثم يضعف تحقيق العبودية الشاملة في المجتمع، ثم نبتعد شيئًا فشيئًا عن استعادة المسجد الأقصى. لقد حرص الأعداء على نشر ثقافة الفرقة وتجزئة الولاءات، وتعدد الراياتِ في مجتمعاتنا، والتدرج في إقصاء العديد من الفئات؛ إذ كانت في البداية قضية فلسطين قضية إسلامية، ومن يتحدث بثقافةٍ مغايرةٍ يعد خَائنا وعميلا ومُنافقا! من هنا فلن يُستعاد المسجد الأقصى في ظِلِّ الرايات العمية ذات العصبيات الجاهلية، ولكن بتحقيق العبودية في ربوع المجتمعات الإسلامية، قال -تعالى-: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}.

وينبغي أن ندرك، أن تحقيق العبودية لله في أرضه، هي الغاية التي مِنْ أَجلها خُلِقنا، وأَقصر طَريقٍ لتحرير المقدساتِ واسترجاعِ أَرضنا المسلوبة وأقصانا المغتَصَب.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك