المؤتمر الفقهي الثالث للمؤسسات المالية الإسلامية
اختتم المؤتمر الفقهي الثالث للمؤسسات المالية الإسلامية الجلسة الثالثة بعنوان: «أحكام إعسار المؤسسات المالية وإفلاسها»؛ حيث قدم د. يوسف الشبيلي بحثا تناول فيه إفلاس الشركات وإعسارها في الفقه والنظام، فعرف في مبحثه الأول الإفلاس بأن يكون الدين الحالّ الذي على المدين أكثر من أمواله، وقيّد الفقهاء معنى الدين بكونه حالا؛ لأنه الذي يطالب به المدين، أما إذا كان مؤجلا فلا يعد ذلك إفلاسا، ولو كان أكثر من ماله الموجود فإنه غير مطالب به، واستثنى المالكية من ذلك ما إذا كان مال المدين يزيد على دينه الحال، ولكن تلك الزيادة لا تفي بدين المؤجل فيفلس، ولو أتى بضامن، إلا إن كان يرجى من تنميته بتلك الزيادة وفاء الدين المؤجل.
وعن علاقة الإفلاس بالتفليس قال الشبيلي: إن الإفلاس يكون بفعل المدين نفسه بأن يتحمل من الديون ما يزيد عن أمواله، وأما التفليس فهو حكم القاضي عليه أنه مفلس؛ فالأول سبب للثاني، أما عن علاقة الإفلاس بالتصفية فقال: إن العلاقة بينهما فقهيا علاقة عموم وخصوص مطلق، فإفلاس الشركة من المنظور الفقهي ينتهي حتما بتصفيتها لتسديد ديونها، مشيرا إلى أنه ليس كل تصفية يكون سببها الإفلاس؛ فقد تكون التصفية اختيارية بإرادة الشركاء، وقد تكون إجبارية كما في الإفلاس، والعلاقة بينهما في النظام علاقة عموم وخصوص إذ لا تلازم بينهما؛ فالتصفية قد تكون بسبب الإفلاس وقد تكون طوعية، وكذلك الإفلاس قد ينتهي بالتصفية، وقد تبقى الشركة تزاول نشاطها مع الحكم عليها قانونا بالإفلاس.
وأفاد الشبيلي بأنه يجوز إشهار الإفلاس في الحالات الآتية: إذا تعثرت الشركة عن دفع ديونها لاضطراب أوضاعها المالية، وإذا طلب أحد الدائنين إشهار إفلاسها، ولا بد لحالة الإفلاس أن تنشأ بحكم قضائي، وإشهار إفلاس الشركة يحتم إفلاس جميع الشركاء المتضامنين فيها، ويجوز للمحكمة أن تؤجل حالة الإفلاس إذا ارتأت أنه من المحتمل تحسن مركزها المالي. وتطرق إلى الحديث عن كيفية إدارة الشركة المفلسة، قائلا: إنه بمجرد صدور حكم إشهار الإفلاس تقيد يد الشركة عن التصرف في أموالها باستثناء الأموال التي لا يجوز الحجر عليها قانونا، ويعين قاضي التفليس مديرا لإدارة التفليس، يكون له مهام عدة تتعلق بأمور إدارية مؤقتة.
الأزمة المالية
وفي السياق نفسه قال د. محمد سميران في بحثه المتعلق بأحكام إعسار المؤسسات الإسلامية وإفلاسها: إن الأزمة المالية العالمية كشفت عن فشل النظام الرأسمالي، وأثبتت نجاح توجهات النظام الاقتصادي الإسلامي البعيد عن الربا؛ حيث النقود خلاله لا تلد النقود.
وفرق سميران في حديثه عن الإفلاس بين الدين الحال والمؤجل؛ حيث عرّف الدين الحال بأنه ما يجب أداؤه عند طلب الدائن، أما المؤجل فإنه ما لا يجب أداؤه إلا بحلول وقتي، مستشهدا على عدم مطالبة المدين بالدين المؤجل بقوله سبحانه وتعالى: {يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}.
وتحدث في بحثه عن حكم التعامل مع المدين المعسر؛ حيث قسمه إلى حكم الدين في ذاته، وحكم الدين في حق المدين، وإنذار المدين لقاء زيادة مبلغ الدين، مشيرا إلى أن إسقاط بعض الدين عن المدين من النظرة الإسلامية يجب في حال العثرة.
وعن الأحكام الفقهية التي تطبق على إعسار المؤسسات المالية، أشار سميران إلى أنه من المفترض ألا تتأثر الأسواق بانهيار فرد أو عدد من الأفراد لا وزن لهم بالسوق، ولكن الواقع المعاصر أفرز هذه الظاهرة، بدليل أن الأزمة المالية العالمية الحالية تسببت في انهيار كبريات الشركات العالمية العملاقة، ما دعا النظام الغربي إلى وضع أسس بديلة لحماية شركاته، ولم تكن المؤسسات الإسلامية والعربية بمنأى عن ذلك، بل الحقيقة أن بعضها تأثر بشكل كبير، وتكبد خسائر مليارية، وأصيب بعضها بالإفلاس.
وأشار إلى أن معالجة إعسار المؤسسات العربية والإسلامية وإفلاسها تحتم إيجاد حلول سريعة وقابلة للتطبيق في العصر الحالي، لافتا إلى أن الإسلام لم يغفل تلك الأخطار المفاجئة ووضع لها الحلول المناسبة، وهو ما ظهر جليا في تعرضه لحال الجوائح، معرفا الجائحة في اللغة بأنها تأتي من الاستئصال والاجتياح، وهي الشدة العظيمة التي تجتاح المال.
واقترح سميران في بحثه عدة أسس تنظيمية لسداد الديون حال إعسار أو إفلاس المؤسسات المالية، منها إنشاء وتأسيس صندوق لتقاصّ الديون، يكفل أعماله صندوق الزكاة باعتبار أن الديون المفقودة تدخل في باب الغارمين المستحقين للزكاة، وتحول الديون المستحقة إلى صندوق التقاصّ وتدفع أول بأول إلى الدائنين حسب حاجاتهم، مشيرا إلى أن أهمية هذا الصندوق تكمن في عدة أشياء منها:
- تقليل مدة النظر بالنسبة للدائن.
- تنظيم إجراءات النظِرة.
- السيطرة على الدائن جراء عدم حصوله على الدين.
أما الاقتراح الثاني فتمثل في إنشاء صندوق تعاوني يمول جزئيا من مستخدمي الأموال ومن صندوق الزكاة.
وبيّن أن الاقتراح الثالث هو مبادرة تقوم بها البنوك الإسلامية لشراء الديون، وينص الاقتراح الرابع على أن تقوم الدول المصدرة للنفط والغاز باقتطاع نسبة ناتجها المحلي لإنشاء صندوق لسداد الديون المتعثرة، انطلاقا من أحقية الدائنين في أموال الزكاة.
وشرح في بحثه بعض التنظيمات التجارية المعاصرة والحلول الملائمة من الوجهة الشرعية في حالات الإفلاس ومنها أحكام الإفلاس التجارية، مبينا أن نظام الإفلاس في القانون التجاري خاص بالتجار، ويهدف لتنظيم التنفيذ الجماعي على أموال المدين؛ بغرض حماية الدائنين من المدين المفلس وحماية الدائنين من بعضهم، لكن هناك بعض الملاحظات على الإفلاس في ظل القانون التجاري، منها أنه لا يدخل مفهوم الإفلاس إلا على الدائنين، والتشهير بالمفلس في المجالات الرسمية بخلاف ما ينصح به الإسلام، وإسقاط الحقوق المهنية والسياسية للمفلس، فضلا عن وقف سداد الفوائد على الديون العادية دون غيرها.
وذكر أن من أرفق الحلول للطرفين (الدائن والمدين) الصلح الواقي للإفلاس، الذي يتضمن إسقاط بعض الدين والنظِرة وتأجيل بعضه، مشيرا إلى أن قانون التجارة الكويتي في المادة 743 نص على أنه يجوز للتاجر الذي اضطربت أعماله أن يطلب الصلح الواقي من الإفلاس، بشرط ألا يكون ذلك جسيما، وأن يكون قد زاول التجارة بصفة مستمرة ولمدة سنتين.
العلاقات الاقتصادية
وفي الإطار ذاته، قال د. عصام العنزي في بحثه: إن مسألة الديون في الفقه الإسلامي تعد من المسائل المهمة جدا، وقد أخذت جهدا ووقتا من العلماء لبيان أحكامها؛ لأن أمرها من الخطورة بمكان خشية الوقوع في الربا وما حرم الله، كما أن الأزمة المالية العالمية إنما أصابت المؤسسات بمقتل بسبب هذه الديون التي أصبحت سلعا تباع وتشترى. وأضاف العنزي أن هذه الأزمة أثرت في المؤسسات المالية الإسلامية سواء بطريق مباشر أم بغير مباشر؛ بسبب ترابط العلاقات الاقتصادية بين الدول بعضها ببعض وتشابك وترابط العلاقات بين المؤسسات المالية بعضها ببعض، وقد تأثرت الشركات الإسلامية على وجه الخصوص بهذه الأزمة أكثر من البنوك الإسلامية؛ لأنها قامت على فكرة التمويل قصير الأجل والاستثمار طويل الأجل؛ مما أوقعها في أزمة أخرى وهي نقص السيولة، وهذا جعلها تحجم عن سداد ديونها، مع أنها تملك من الأصول ما يفيض عن حجم هذه الديون.
وأشار إلى أن هذا الأمر جعل بعض الأصوات تنادي بتفليس هذه الشركات، وبعضهم الآخر أخذ ينادي بوجوب إنظارها؛ لأنها معسرة، وحق المعسر الإنظار؛ فكان لزاما بيان هذه المصطلحات: الإعسار، الإفلاس، التعثر، لبيان الحكم الشرعي؛ لأن الحكم الشرعي للإعسار يختلف عن الإفلاس، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، فكلما اتضحت الصورة للمسألة كان الحكم الشرعي فيها أوضح وأبين. كما أن الأزمة المالية العالمية فرصة بالنسبة للمراقبين الخارجيين للصناعة المالية الإسلامية بفحصها واختبار مدى قدرتها على الصمود في مواجهة الأزمات، فهي في الحقيقة (بالون) اختبار لهذه المؤسسات لكي تراجع حساباتها وطرقها، فالأزمات سبيل وطريق لتصحيح المسيرة والرجوع إلى جادة الصواب، إلا أننا في خضم الأزمة نحتاج إلى طرق ووسائل للخروج منها بأقل الخسائر، ومن ثم محاسبة هذه الشركات على ما فعلته لتصحيح مسيرتها.
وأوضح العنزي أنه اختار موضوع تعثر المؤسسات؛ لأنه الموضوع الذي برز خلال الأزمة المالية، بل إن بعضهم قال: إن الأزمة المالية إنما هي أزمة سيولة، بل إن هذا الأمر هو السبب الرئيس في تعثر هذه المؤسسات.
ولفت العنزي بعد تعريفه لمفهوم الإعسار والإفلاس من الناحيتين الفقهية والقانونية إلى أن هناك فروقا بينهما يمكن تلخيصها فيما يأتي:
- الإفلاس حالة خاصة بالمدين - التاجر - الذي توقف عن دفع ديونه، أما الإعسار فحالة خاصة بالمدين - غير التاجر - وهي الحالة التي تكون فيها ديون المدين المستحقة الأداء أكثر من حقوقه؛ فالإفلاس يخضع للقانون التجاري، بينما الإعسار يخضع للقانون المدني.
- يؤدي الإفلاس إلى وقف الدعاوى والإجراءات الفردية، ويؤدي إلى ائتلاف الدائنين - بقوة القانون - في جماعة تقوم على اتحاد مصالحهم ووحدة مصيرهم، كما يؤدي إلى تحقيق المساواة بينهم في توزيع ثمن أموال التفليسة عليهم وفقا لقسمة الغرماء، بينما شهر الإعسار لا يحول دون اتخاذ الدائنين لإجراءات فردية ضد المدين؛ فيجوز لكل دائن - على حسب مصلحته الخاصة - أن يبادر قبل غيره من الدائنين إلى رفع الدعوى واتخاذ إجراءات ضد المدين لاستيفاء حقه ولو ترتب على ذلك حرمان الدائنين الآخرين من حقوقهم كلها أو بعضها، ويكون للدائن في سبيل ذلك الحجز والتنفيذ على ما يختار من أموال المدين التي يجوز الحجز والتنفيذ عليها، لكن بالقدر الذي يكفي لاستيفاء حقه كاملا.
لاتوجد تعليقات