رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 19 يناير، 2021 0 تعليق

الشيخ صالح بن حميد: أمتنا بحاجة إلى نظام تعليمي يناسب طبيعتها ويسير مع مُثُلِها العليا في عقيدتها وشريعتها

 

في خطبة مميزة له تحدث فيها إمام الحرم المكي الشيخ صالح بن حميد عن واقع المناهج الإسلامية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، مؤكدًا ضرورة النظر في مسيرة التعليم والتربية في كثير من الأقطار الإسلامية، في نظرة تقويمية من مدارسها ومعاهدها وجامعاتها، ومعرفة مقدار ما تحقق من التقدم المنشود، وماذا كانت الحصيلة لفلذات الأكباد وأنواع الشباب؟ والوقوف على أحوال أبنائنا وما يحدث حولهم من فوضى فكرية هائلة، وتناقض في الأفكار والآراء والشك والارتياب في الدين، والتهاون في الفرائض والواجبات، والتمرد على الآداب والأخلاق والتقليد والتبعية القاتلة في الظواهر والقشور.

     في البداية أكد الشيخ بن حميد أن للحضارات الإنسانية كلها دورتها، تنشأ ثم تزدهر ثم تتلاشى، أما حضارة الإسلام فهي حضارة صاعدة ثابتة لا تعرف التقهقر ولا الهبوط؛ لأنها تملك القوة -بإذن الله- من داخلها وفي تكوينها، فهي حضارة الدين التام، والإسلام الكامل، والملة المرضية، {اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً} (المائدة: 3)، وما دامت الأمة مستمسكة بإسلامها، ناصرة لدين ربها فستظل حضارتها في تقدم وصعود لا تعرف الضعف ولا النزول مهما كانت الغِيَر والمتغيرات، {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحزَنُوا وَأَنتُمُ الاعلَونَ إِن كُنتُم مٌّؤمِنِينَ} (آل عمران: 139).

لكل أمة حضارتها

     وأكد الشيخ ابن حميد أن لكل أمة حضارتها في عقائدها الإيمانية، وشعائرها التعبدية، وأعرافها الحسنة المرعية، وضوابط علاقاتها الاجتماعية، وكل أمة محترمة تضع لنفسها من المبادئ التربوية، والمناهج التعليمية ما يكفل المناخ السليم لإعداد أجيالها لتلقي هذه العقائد والمبادئ والحماس لها والدفاع عنها، وحديث الحيوية والثبات، والرقي في الحضارات، يؤكد أن للعلوم والمناهج حيويتها وروحها، وأثرها وتأثيرها، هذه الروح هي حقائق هذه العلوم وآثارها العميقة، فالعلوم التي أنشأها الإسلام وصاغها في قالبه تسري فيها روح الإيمان بالله، وتقواه وخشيته، والإيمان بالغيب، والإيمان باليوم الآخر، والسامي من الأخلاق والفضائل.

علوم الأمم الوثنية

     وأشار إلى أن العلوم التي وضعتها الأمم الوثنية: من يونانية ورومانية وغيرها تشتمل على الخرافة وروح الجاهلية، وتعدد الآلهة، وقل مثل ذلك من العلوم المبنية على الإلحاد والزندقة والانحصار في الماديات والمحسوسات الجامدة المجردة، وقلة الاكتراث بما لا يدخل تحت الحس والتجربة، أو يحقق المنفعة العاجلة الآنية، سرت هذه الروح من علوم واضعيها ومناهجهم ونظرياتهم وفلسفياتهم، وشعرهم وقصصهم وأدبهم، فمناهج الأمم والحضارات اللادينية غير مناهج الأمم الدينية، ولا تصلح إحداهما للأخرى، ولا تتوافق معها البتة.

وأضاف، إذا كان ذلك كذلك، فماذا يعني العلم والتعليم، والمعرفة والتربية في أمة من غير شخصية تعتز بها، ومن غير رسالة تحملها، ومن غير عقيدة تؤمن بها، ومبادئ ترتبط بها ارتباط الروح بالجسد، واللفظ بالمعنى، ومن غير دعوة تتبناها وتعرف بها؟!

رسالة إلى رجال التربية

     ثم وجه الشيخ ابن حميد رسالة إلى المختصين في التربية قائلاً: يا رجال التربية، جدير بالعاقل المنصف المحب لدينه وأمته ووطنه: أن ينظر في مسيرة التعليم والتربية في كثير من الأقطار الإسلامية، في نظرة تقويمية في حساب الربح والخسارة في هذه السياسات التعليمية، التي تقوم عليها كثير من هذه الأقطار: من مدارسها ومعاهدها وجامعاتها، ما مقدار ما تحقق من التقدم المنشود؟ في مقابل ما صرف من أموال وجهود في المنشآت والمناهج والوظائف والمخرجات، وماذا كانت الحصيلة لفلذات الأكباد وأنواع الشباب؟ ما أحوال الفوضى الفكرية الهائلة، والتناقض في الأفكار والآراء والشك والارتياب في الدين، والتهاون في الفرائض والواجبات، والتمرد على الآداب والأخلاق والتقليد والتبعية القاتلة في الظواهر والقشور؟

أجيال فارغة

     وعن حال الأجيال الحالية قال: الواقع الحالي يشهد أن هناك أجيالا وأفواجا فارغي الأكواب، ظامئي الشفاه، مظلمي الروح، كليلي البصر، ينكرون أنفسهم، ويؤمنون بغيرهم، يموت الأمل في صدورهم، مبهورين بإنتاج غيرهم، يمدون أيديهم يستجدون خبزًا وشعيرًا، يلوكون رطانة، ويتكسرون في مشية، لم تزرع فيهم التربية الثقة بأنفسهم، بل لم تعرّفهم بأنفسهم، ولم تبين له منزلتهم، ولم تشحذ همتهم، لم تبن فيهم الشعور بمسؤوليتهم، قتلوا من غير حرب، كل قلوبهم ونفوسهم حول الماديات تحوم، وبالقشور والهندام تتعلق.

لابد من وقفة جادة

ثم أكد ضرورة أن تكون هناك وقفة جادة، ومحاسبة صادقة، ومن ذلك الاعتراف بفشل النظم التربوية الدخيلة، والاعتراف بعجزها عن تربية الفرد والمجتمع، لقد قامت المناهج المستوردة في التربية على أحد أمرين:

إما التنكر للدين، وإما الفصل بين الدين والدنيا، وعلى هذا قامت دراساتهم، وبنيت نظرياتهم، فجاءت التطبيقات والمناهج على أمور الدنيا وحدها، وفصلت أمور الدين عن التربية.

تجارب بشرية

     وأضاف قائلاً: أيها المربون، أيها الفضلاء، العلوم والآداب والمناهج ونظريات التربية التي ظهرت، تظهر في الغرب أو في الشرق أو في أي مكان من الدنيا: هي تجارب بشرية يخطئ أصحابها ويصيبون، ويمشون ويتعثرون، يؤخذ منها ما ينفع بعد أن تجرد مما يقترن بها من عوامل الإلحاد والإفساد والاستخفاف بالقيم، ثم تصبغ بصبغة الإيمان «{صِبغَةَ اللَّهِ وَمَن أَحسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبغَةً وَنَحنُ لَهُ عَـابِدونَ} (البقرة: 138)، فليس من العقل ولا من الحكمة والنصح للأمة أن تنقل هذه العلوم والنظريات بعلاّتها وعوامل الإفساد فيها، يجب أن تقود هذه العلوم والدراسات إلى الإيمان والتقوى والخشية، {إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاء} (فاطر: 28). {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَـاواتِ وَالأرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذا بَـاطِلاً سُبحَـانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران: 191).

من كبرى القضايا

     ثم بين الشيخ -حفظه الله- أن قضية التربية والتعليم في البلاد الإسلامية من كبرى القضايا ومن عظائم المهمات، فهي مسألة قائمة بذاتها؛ لأن أمة الإسلام أمة خاصة في طبيعتها ومنهجها وأهدافها، أمة ذات مبدأ وعقيدة، ورسالة ودعوة وجهاد، يجب أن تكون التربية والتعليم خاضعين لمبادئ الأمة وعقيدتها ورسالتها ودعوتها، وكل تربية أو تعليم لا تحمل ذلك ولا تتضمنه فهي خيانة للأمة، وغدر بالذمة.

التربية في الإسلام

     وعن التربية في الإسلام قال ابن حميد: التربية في الإسلام لم تترك للاجتهادات الإنسانية البحتة، ولا لمن تستهويهم المبادئ المستوردة، وتأسرهم الأفكار الوافدة لتأخذ بهم ذات اليمين تارة، وذات الشمال تارة، ما بين رجعية وتقدمية، واشتراكية ورأسمالية، وفي مدرسة كذا، وعند مدرسة كذا، ونظرية فلان، وقانون فلان.

ليست بضاعة للتصدير والاستيراد

     وأضاف، التربية أيها الفضلاء ليست بضاعة للتصدير، والاستيراد، ولكنها لباس يفصل على قامة الأمة ليعكس حقيقتها وملامحها، حقيقتها في الباطن، وملامحها في الظاهر، التربية تجسد أهداف الأمة التي تعيش من أجلها، وتموت في سبيلها، تجسد العقيدة المستقرة في قلوبها، واللغة التي تنسج بها حضارتها، والمثل الأعلى الذي تتطلع إليه، والتاريخ الذي تغار عليه.

نظام تربوي يناسب طبيعتها

ثم أكد أن أمَّة الإسلام بحاجة إلى نظام تربوي وسياسة تعليمية تناسب طبيعتها، وتسير مع مثلها العليا في عقيدتها وشريعتها وروحها لتعود لها عزتها، وتسترد أمجادها.

تربية تقوم عليها حياة المسلم من أولها إلى آخرها، وتشمل المجتمع بطبقاته، وتعيش معه في كل ظروفه وأحواله.

     تربية إسلامية منهجية، تنتظم كل سنوات العمر ومراحل الدراسة من رياض الأطفال حتى أعلى الدراسات العليا، يكون التغيير بها عملياً إلى الصلاح والإصلاح واستعادة العزة وتثبيت الكرامة تربية إسلامية تصلح القلوب، وتطبب النفوس، وتزكي العقول في تقدير للمواهب، واعتراف بالفروق بين الأفراد، فكل ميسر لما خلق له.

صناعة الرجال

ثم وصف -حفظه الله- التربية الحقيقية التي يعنيها بأنها صناعة الرجال، وصياغة العقول، وصيانة السلوك، وتحقيق أهداف كل العلوم ليكون الإنسان قادرًا على حسن المسيرة في هذه الحياة وفق أهدافه النبيلة وغاياته السامية.

التربية الصحيحة هي تعاهد المسلم بالإصلاح في عقيدته وعبادته وخلقه.

التربية هي السعي إلى إصلاح الحياة في جوانبها كلها؛ من أجل بلوغ السعادة في الدنيا والآخرة.

ومهما قيل في تفسير السعادة ومعناها فلا محيص من التأكيد والتقرير: أن التربية هي احتفاظ الأمة بالقيم التي تقوم عليها حياتها، والجهاد من أجل بقائها، والنقل الأمين إلى الأجيال القادمة.

خطوط فاصلة

     وبين الشيخ ابن حميد أننا -نحن المسلمين- متميزون عن غيرنا، فعندنا الفواصل واضحة بين الكفر والإيمان، والدين والزندقة، والالتزام والتحلل، والحلال والحرام، إن عندنا في ذلك خطوطاً فاصلة وفوارق واضحة، أما الآخرون فعقائدهم مبهمة غامضة، {كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ, أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110).

صياغة التربية

     ثم شدَّدَ على أنه قد آن الأوان أن تصاغ التربية ونظام التعليم في الأقطار الإسلامية في الروح والقالب والسبك والترتيب، يجب أن تدون العلوم تدويناً إسلامياً، وتؤلف الكتب والمناهج مشبعة بروح الدين وما لا يعارض الدين، بل تبعث الإيمان واليقين في العلوم كافة: النظري منها والعملي، إن الأمة إن فعلت ذلك فلسوف تنشأ أجيال تفكر بعقل مسلم، وتكتب بقلم مسلم، وتدير دفة أمورها بسيرة رجل مسلم، وتقوم على شؤونها كلها بمقدرة مسلم وبصر مسلم، وهو عمل كبير واسع، ولكنها الحياة والقوة بإذن الله تقوم عليها لجان ومجامع وهيئات تحت مظلة الحكومات الإسلامية ودعمها وتشجيعها، وهو يسير بإذن الله إذا صدقت النيات، وتوجهت العزائم، {وَقُلِ اعمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُهُ وَالمُؤمِنُونَ وَسَتُرَدٌّونَ إِلَى عَـالِمِ لغَيبِ وَالشَّهَـادَةِ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ} (التوبة: 105).

مميزات التربية الإسلامية

     وعما تتميز به التربية الإسلامية قال الشيخ ابن حميد: في التربية الإسلامية يكون المسلم عاملاً منتجاً، يقوم بمهمة الاستخلاف على وجهها، فيزيده الله قوة إلى قوته، ويمتعه متاعاً حسناً، {وَأَنِ استَغفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُمَتّعكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ, مٌّسَمًّى وَيُؤتِ كُلَّ ذِي فَضلٍ, فَضلَهُ} (هود: 3). {وَيا قَومِ استَغفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُرسِلِ السَّمَاء عَلَيكُم مّدرَاراً وَيَزِدكُم قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُم} (هود: 52).

تجمع مبادئ عظيمة

     وأضاف، التربية الإسلامية فيها مبادئ عظيمة، تجمع التقوى والرحمة والإيثار والعفو والأخوة والقوة، في حقوق مرتبة من حقوق الله وحقوق الوالدين والأقربين وحق الكبير والضعيف فيعطى كل ذي حق حقه في آداب وسلوكيات دقيقة: من آداب الإسلام والاستئذان وآداب الحديث والطعام وطلب العلم والزيارة وعيادة المريض، في وسائل من التوجيه بالقدوة والموعظة، وحسن العبارة وأدب المناصحة، وتلمس الحقيقة، والبحث العلمي في منهج علمي في التفكير، وجدية في الطلب، ومجاهدة في التحصيل، مع رعاية ووقاية من أمراض القلوب من الكبر والحقد والحسد والرياء والغرور وسوء الظن وحب الدنيا وغلبة الهوى والشح وأمثالها.

الصراط المستقيم

     المسار في التربية الإسلامية هو الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، واجتناب طريق المغضوب عليهم والضالين، والقرآن الكريم والسنة والمطهرة هما الأساس الذي تدور عليهما حمى التربية ومراحل التعليم كلها، والقدوة الأولى والنموذج الأعلى نبينا محمد -  صلى الله عليه وسلم  - وعلى آله وصحبه وسلم، والعلم قبل القول والعمل، {فَاعلَم أَنَّهُ لاَ إِلَـاهَ إِلا اللَّهُ وَاستَغفِر لِذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَـاتِ} (محمد: 19).

السياسة التعليمة التي نريد

     وفي نهاية خطبته بين أن السياسة التعليمية التربوية التي نريد هي سياسة تحتذى من مبادئ تجسد دينها وأخلاقها وأهدافها ومصالحها الحقيقية، سياسة ترسم الخطوط العامة التي تقوم عليها عملية التربية والتعليم، أداءً للواجب في تعريف الفرد بربه ودينه وإقامة سلوكه على شرعه، وتلبية لحاجات المجتمع وتحقيقًا لأهداف الأمة شاملة لحقول التعليم ومراحله المختلفة، والخطط والمناهج والوسائل التربوية والنظم الإدارية والأجهزة القائمة على التعليم وسائر ما يتصل به، سياسة تكون بعيدة كل البعد عن التأثر بأي أفكار مستوردة تعارض هذه السياسة أو تناقضها.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك