الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ – صلى الله عليه وسلم – تصرفات الإمام في باب النُّصرة منوطة بالمصلحة الحلقة الأخيرة
ما زال الحديث مستمرا حول الضوابط الشرعية في الدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرنا أن النصرة الشرعية الممدوحة لا تتحقق على أرض الواقع إلا بوجود الضوابط الشرعية، والوقوف على المقاصد الدينية، واستخراج الأحكام من الأدلة الصحيحة، واستظهار النتائج من المقدمات العلمية، والاتصاف بالتوسط الشرعي في الأقوال والأعمال، وأن يكون التعامل مع الأحداث خارجًا مخرج الصدق والديانة والأمانة، واليوم مع الضابط الثامن والأخير من تلك الضوابط وهو أنَّ تصرفات الإمام في -باب النُّصرة - منوطة بالمصلحة ونتناول الأصل الثاني منه بالشرح والتفصيل.
الأصل الثاني: الاختيار يكون في مصلحة المسلمين
ثمة فرق ظاهر بين قاعدة تخيير الأئمة، وقاعدة تخيير آحاد المكلفين، فإذا خُيّر الإمام بين أمرين، فعليه أن يختار ما فيه مصلحة للمسلمين؛ فيكون اختياره مبنيًا على الاجتهاد والمصلحة لا على المشيئة والشهوة، أمّا تخيير آحاد الناس فيختلف بحسب نوع التخيير؛ فقد يكون تخييرًا بين واجبين، أو بين مباحين؛ فيختار أرجحهما تارةً، وأيسرهما تارة أخرى، وقد يكون اختياره اختيار تَشَهٍّ؛ كما في اختيار الولد لأحد أبويه في الحضانة، وقد جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا واختار أيسرهما ما لم يكن إثما؛ فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه»، وقد حمل بعض العلماء معنى التخيير في هذا الحديث على ما كان من أمر الدنيا، وحمله علماء آخرون على الأخذ بالأيسر والأرفق في كل أمر فيه تخيير ما لم يكن حرامًا أو مكروهًا، والأيسر والأرفق في باب نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو في باب التعامل مع الكفار والمشركين أن يختار الإمام ما فيه مصلحة للإسلام؛ فأيسر الأمرين في هذا الباب أكثرهما مصلحة وأقلهما مفسدة، قال أبو العباس القرافي رحمه الله -عند كلامه على الفرق بين قاعدة الأئمة وقاعدة آحاد الناس في التخيير-: «وأما التخيير بين الخصال الخمس في حقِّ الأسارى عند مالك -رحمه الله- ومن وافقه، وهي القتل والاسترقاق والمنّ والفداء والجزية، فهذه الخصال الخمس ليس له فعل أحدها بهواء، ولا لأنها أخف عليه، وإنما يجب عليه بذل الجهد فيما هو أصلح للمسلمين». وقد تضافرت أدلة الشريعة على أن الإمام إذا خُيّر بين أمرين عند تعامله مع الكفار؛ فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين؛ كما في حادثة الأسرى؛ فقد اختار النبي - صلى الله عليه وسلم - الفداء وشاور أصحابه: فكان رأي أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- الفداء أيضًا، وكان رأي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قتل الأسرى؛ فنزل قوله -تعالى-: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال:67).
اختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسألة الأسرى
وقد روى أهل التفسير عن ابن عباس -رضي الله عنها- في تفسير الآية، قال: «وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتدّ سلطانهم، أنزل الله -تبارك وتعالى- بعد هذا في الأسارى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} (محمد:4)؛ فجعل الله النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار، إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادَوْهم»، أي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قضية الأسرى- اختار أولًا ما كان أسهل وأيسر؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لكن الأصلح للمسلمين في ذلك الوقت ألا يكون لهم أسرى حتى يُثخِن في الأرض، ثم خُيّر بعد ذلك بين الفداء، أو القتل، أو ما فيه مصلحة للمسلمين، قال -تعالى-: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد:4).
قال الشنقيطي - رحمه الله -: «وأكثر أهل العلم يقولون: إن الآية ليست منسوخة، وأن جميع الآيات المذكورة محكمة؛ فالإمام مخيّر، وله أن يفعل ما يراه مصلحة للمسلمين، من منّ وفداء وقتل واسترقاق»، والمقصود أن أيَّ تخيير مع الكفار ينبغي أن يكون مبناه على المصلحة، وأنّ هذا التخيير من خاصّية الإمام ومنوط به، وهو في اختياره هذا يكون مجتهدًا؛ إذ الأصل أن تصرفات الإمام منوطة بالمصلحة.
وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «فإن الإمام إذا خُير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء؛ فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين فيكون مصيبًا في اجتهاده حاكمًا بحكم الله، ويكون له أجران، وقد لا يصيبه فيثاب على استفراغ وسعه، ولا يأثم بعجزه عن معرفة المصلحة».
جانب العقاب والزجر
وهناك أمور ينبغي على ولي الأمر أن يغلب فيها جانب العقاب والزجر؛ إذ لا تظهر المصلحة في بعض أنواع الانتصار إلا بالمعاقبة والردع؛ كسبِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وشتمه؛ لأن «ضرر السب في الحقيقة إنما يعود إلى الأمة بفساد دينها وذل عصمتها وإهانة مستمسكها؛ وإلا فالرسول - صلى الله عليه وسلم - في نفسه لا يتضرر بذلك.
الدفاع الممدوح
وقد ظهر من هذين الأصلين أن الدفاع الممدوح عن نبي الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم - شرعا وعقلا - يكون بالشجاعة والسماحة واستطلاب المصلحة، وفق الله تعالى أئمة المسلمين وحكامهم للاتصاف بهذه الخصال، وأعانهم على القيام بواجب النُّصرة لله وللرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفتح عليهم من أسباب طاعته ومرضاته.
فإن قيل: إنه قد يتعذر-في وقتنا الحاضر- في بعض البلاد والأمصار وجود أئمة يقومون على أمر الدين -نصرةً وجهاداً- في وقت قد تكالبت فيه قوى الشّر على نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - بالطعن والاستهزاء؛ فما الحل للخروج من هذا المأزق؟
فالجواب أن يقال: إن إحسان الظن بأئمة المسلمين وحكامهم مطلوب على الدوام؛ ففي الأمة خيرٌ كثير وعطاءٌ وفير، لكن يحتاج إلى تفعيل وتثوير؛ كما أخبر الصادق الأمين: «مثلُ أمتي مثلُ المطر، لايُدْرى أوّله خيرٌ أم آخره»، وعند تعذر الكمال فيصار إلى الأمثل فالأمثل منهم، ثم إذا تعذر الكمال في آحادهم، فقد يعوّض بتعاون المجموع واجتماعهم على كلمة سواء.
قواعد وحقائق
بعد أن انتهينا من عرض الضوابط الشرعية في الدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نخلص إلى عدد من القواعد والحقائق المهمة نذكرها فيما يلي:
- إن نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - حقيقة جامعة لكل الوسائل والأسباب والأحوال المتاحة التي بها يتحقق الانتصار للنبي - صلى الله عليه وسلم - والدفاع عنه، وذلك بطاعة أمره، والسعي إلى نصرته وتعزيره، والجهاد عن دينه والذب عنه، وبيان ما أُرسل به من الحق.
- إن نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - جنس تحته أنواع متفاوتة في الرتب، ولابد أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه.
- لقد عدَّ الشرع الحنيف أي نوع من أنواع انتقاص النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو عدم توقيره نازلة جسيمة يجب إلحاقها بأشدّ المحرمات وأعلى الجنايات؛ لما اشتملت عليه من المفاسد العظيمة والأضرار الكبيرة على الإسلام وأهله.
- إن أحكام الدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تتنوع بتنوع المصالح والأحوال والأوقات، وهي تقبل التفاوت والتبعيض والانقسام، ويشتغل الموفق في كل وقت بما هو واجب ذلك الوقت.
- قد جعل الشرع الحنيف تكميل الإيمان، وتحصيل المحاسن والفضائل، والتفاضل بين أهل الإيمان منوطاً بالسبق إلى الهجرة والنُّصرة معاً.
- قد تقرر أن نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي من موجب محبته ومقتضاها، وأن الانصراف عن نصرته مع القدرة التامة يعدّ شعبة من النفاق.
- إن الانتصار للنبي - صلى الله عليه وسلم- تكليف شرعي وواجب ديني يناط بالاستطاعة الشرعيّة؛ لذلك يسوغ للعبد أن يكتمه تارة ويظهره تارة أخرى، بحسب حال القوة والضعف، وبحسب استطاعته الشرعية ورجحان المصلحة على المفسدة.
- وإنه يجب أن تكون وسائل نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - شرعية، ومتفقة مع أحكام الشريعة ومنسجمة معها، وبعيدة كل البعد عن الحرام والشبهة، وأن تندرج هذه الوسائل تحت معاني كتاب الله -تعالى- وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أُثر عن سلف الأمة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
- وقد ظهر أن مصلحة نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تتحصل إلا بالفهم الدقيق لمقاصد الشريعة، والنظر الثاقب في أولويات الدين، والبصيرة التامة بالحق، والتضلع الكبير بأحكام النوازل.
- وقد تبين لنا أن الشرع قد أمر المؤمنين - إذا أرادوا الدفاع عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - بالعدل لا بالظلم، وبالحقّ لا بالباطل، وبالصلاح لا بالفساد، وبالسنة لا بالبدعة.
- ومدار نصرة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم- على قوة الحجة ووجود القدرة؛ فتارة يكون الانتصار له بالحجة والقدرة، وتارة يكون بالحجة فقط، ولا يكون الانتصار له بالقدرة من غير حجة.
- وظهر أنّ كمال النُّصرة في كمال الطاعة، وأنْ ليس للمبطل الجاني صولةٌ وجولةٌ وحراكٌ إلا عند غفلة أهل الحقّ في اتباع حقهم والالتزام به ظاهرا ً وباطناً.
- إذا شرع العبد في الدفاع عن نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - بأي طريقة من طرائق الدفاع فلابد من إظهار الرحمة؛ إذ مصلحة الانتصار له لا تقوم إلا بأن تقترن النّصرة بالرحمة؛ فالنصرة وسيلة والرحمة غاية.
- إن النُّصرة الواجبة على ولي الأمر لا تظهر مصلحتها ولا يتحقق وقوعها إلا بالشجاعة والسماحة؛ فالشجاعة لوحدها تفضي إلى التهور والاندفاع، والسماحة لوحدها تفضي إلى الذُّل والخضوع.
- كل ما كان من باب الحدود والعقوبات الشرعية، أو المناصرة بالقوة العسكرية، أو المدافعة بالسيف ونحوها فهو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، ولا يجوز الافتئات عليه في أيّ حال من الأحوال.
لاتوجد تعليقات