خطبة المسجد النبوي – البــــدير: الــغـيــبـــة تـــأكــل الحــســنــات وتنشر العداوات وتهدم البيوتات
جاءت خطبة الحرم المدني ليوم الجمعة 17 من جمادى الأولى 1442هـ - الموافق 1/1/2021م، محذرة من خطورة الغيبة والنميمة، مبينةً أنَّ كثيرا من المسلمين ذوي العقول والألباب، يتصونون عن الوصوم والأعياب، ويحمون أعراضهم عن سهام المطاعن بسلوك الفضائل والمحاسن، والبعد عن الريب.
وبينت الخطبة أن المؤمن لا يرضى أن يكون غَرَضًا يُرشق بسهام الريبة، ولا هدفًا يُقصَد بالغيبة، ولا أُحدوثة تتناولها الألسن العاذلة، ولا مرتعًا لأقوال القاذفين والحاذفين، بل يقطع مباديَ الظنون التي لا تُملك، وخواطر القلوب التي لا تُدفع، ويطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة من الريَب والتُّهم.
هذه صفية
جاءت صفية أم المؤمنين -رضي الله عنها- إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت حتى إذا بلَغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مرَّ رجلان من الأنصار، فقال لهما النبي - صلى الله عليه وسلم -: على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! وكَبُرَ عليهما؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا». (متفق عليه).
الكَفّ عن أعراض الناس
وقديمًا قيل: ومن دعا الناس إلى ذمّه ذمّوه بالحق وبالباطل، ومن لم يذُد نفسَه عن هواها فَحُش أي عوارها وفشت أسرارها، وقيل: لا تمشِ بالريبة مهينما(أي نماما)، ولا تنسَ أن عليك مهيمنا، والعاقل يأنف من الشَّيْن والذّم، ويرتفع عن دواعي المقت والشنآن، وللناس ألسنة حِداد على العورات، ونفوس توّاقة إلى المثالب، ينشرون المعايب أكثر من نشر المناقب، وتسري بينهم المعاير أكثر من سريان الفضائل، وتُعقد المجالس فلا يعلو إلا صوت المغتاب، وصَخَبُ العيّاب، إلّا من رحم الله وقليل ما هم، قال بكر بن عبدالله: إذا رأيتم الرجل مُوَكلا بعيوب الناس، ناسيًا لعيوبه، فاعلموا أنه قد مُكِرَ به، وقال محمد بن سيرين: كنا نُحَدّث أنّ أكثر الناس خطايا أفرَغهم لذكر خطايا الناس، وقال بعض الصالحين: أدركنا السلف الصالح وهم لا يرَوْن العبادة في الصوم ولا في الصلاة ولكن في الكَفّ عن أعراض الناس، وقيل للربيع بن خثيم: ما نراك تَعيب أحدا، فقال: لست عن نفسي راضيا حتى أتفرغ لذَمّ الناس.
انشغل بنفسك
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُبصِر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه» رواه ابن حبان.
قال ابن الأثير: ضربه مثلاً لمن يرى الصغير من عيوب الناس ويُعَيّرهم به، وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القذاة. فاشتغل يا عبد الله بعيبك، فمن اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عَمِيَ قلبه، وتَعِبَ بدنه، وزاد همّه، وعَسُرَ عليه ترك عيوب نفسه. وإنّ من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه. ومن عاب الناس عابوه، ومن ذمّهم ذمّوه، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: صعِد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيّروهم ولا تَتّبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله» أخرجه الترمذي.
خيار الناس وشرارهم
وأكد الشيخ البدير أن سوء الظن بالمسلمين الذين أونِسَت منهم العدالة والأمانة والستر في الظاهر محظور، قال -جل وعز-: {إن بعض الظن إثم}. فلا تجترئوا على الظن، وميّزوا بين حقه وباطله بأمارة بيّنة، واستشعروا التقوى والحذر فقد قيل: الظّان مرتاب ولو أصاب. ولا تعيشوا في دائرة الوهم والظّن والشّك والوسواس، ولا تتخونوا الأهل والأقارب والناس؛ فالجائر الظلوم من عاب من لا عيب فيه، وتَنَقص من تجلل بالخلق والكمالات. وقد تُلقى المَذمّة والملامة على من لا عيب فيه، ويُرمى بالعيب من لم يفعله. وقد تُصَوّب سهام البهتان على البُرءاء، وحامل البهيجة معدود في الظَلَمة، ورامي البريء أحد المفترين. عن أسماء بنت يزيد الأنصارية -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بخيركم؟ قالوا: بلى، قال: فخيركم الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله -تعالى-، ثم قال ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى، قال: فشراركم المفسدون بين الأحبة، المشاؤون بالنميمة، الباغون البرءاء العنت» أخرجه أحمد. الرجل الذي قد عبتموه وما فيه لعيّاب مَعَابُ.
الفجور في الخصومة
وعن الذي غَلَبَ عليه الجهل، واستولى عليه اللؤم، وامتلأ صدره ضِغنًا وعداوة وتَوقُّدًا من الغيظ والحسد والمنافسة على الدنيا، قال الشيخ البدير: إن هذا افترى وجار وظَلَم واستطال في الأعراض بالتخمين والتخوين والقدح والجرح والذّم، فإذا وقعت بينه وبين أحد منازعة أو خصومة أو دعوى أو مطالبة، ولغ في عرضه بفيه، ورماه بما ليس فيه، وسعى إليه بالتشويه. كان بين أحد الشعراء وبين خصم له حكومة في بئر فقال خصمه: إنه لص ابن لص. فقال الشاعر:
رماني بأمـر كنـت منـه ووالــــدي
برياً ومن أجل الطويّ رماني
دعانيَ لصاً في لصوص وما دعا
بها والدي فيما مضى رجلان
أكبر الكبائر
كما بين الشيخ البدير أنَّ من أكبر الكبائر الاستطالة في أعراض المسلمين، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أكبر الكبائر، استطالة المرء في عرض رجل مسلم من غير حق، ومن الكبائر السّبتان بالسّبة) أخرجه أبو داوود، ومعنى السّبتان بالسّبة أي سبّتان عِوَض سبّة واحدة، وعن أسامة بن شريك - رضي الله عنه - قال: خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حاجّا فكان الناس يأتونه، فمِن قائل: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، أو قدّمت شيئا أو أخّرت شيئا، فكان يقول: «لا حرج، لا حرج إلّا على رجل اقترض عِرْضَ رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حَرِج وهَلَك». أخرجه أبو داوود.
البغيض الممقوت
وأشار الشيخ البدير إلى أن هناك صنفا من الناس بغيضا ممقوتا لا يعرف لذوي الفضل فضلهم، ولا لذوي الأقدار قدرهم، ولا للناس حرمتهم، فهو الحسود المعجَب بنفسه، المحجوب عن فضائل غيره. والصغير من صَغّر الناس، والحقير من حقّرهم، والأعمى من رأى حقّ نفسه ولم يَرى لغيره حقاً ولا فضلا.
فاتقوا الله أيها المسلمون وتداووا من أمراض القلوب، واحترزوا من وساوس الشياطين، ولا تسترسلوا في الأباطيل والظنون، ولا تنشغلوا بعيوب الناس، ولا تتلاعب بكم الأحقاد، وكونوا ممن أذعن للحق وانقاد.
خلق ذمّه الله وتوعده
لقد ذمّ الله في كتابه الهمّاز اللمّاز، الذي يلمز أخاه وراء ظهره، ويهمزه إذا قابله ولاقاه، قال -عز وجل-: {ويل لكل همزة لمزة}، الهمزة: قيل الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل. واللمزة: الذي يغتابه من خلفه إذا غاب. وقال قتادة ومجاهد: الهمزة الطعّان في الناس، واللمزة الطعّان في أنسابهم. وقال ابن زيد: الهامز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، اللمزة الذي يلمزهم بلسانه.
من الرذائل المقيتة
ومن الرذائل المقيتة التي حذر منها الشيخ البدير تجسس الأخبار، وإذاعة الأسرار المُستودعة والأحاديث المُكَتّمة، فالعاقل من يضع دون الأسرار الأستار، قال حكيم: قلوب الأحرار قبور الأسرار، وقيل: الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار حُمْق. وقيل: لا تودِع سرّك إلى طالبه فالطالب للسر مذيع. فاحذروا كل نمّام مائس درّاج إنْ أمّنته نَمْ، وإن كتمت عنه اغتم، ما قال الناس أحصى، وما فات فحص عنه فحصا، لا يُمسِك حديثا ولا يُستودع سرا.
إذا المــرء أفشـى سـرّه بـلسانــــــــه
ولامَ عليــه غيـره فهـو أحمـــــق
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه
فصدر الذي يُستودع السر أضيق
فلنحذر أهل التوريش والتحريش، والتجسس والتحسس والتحدث، الذين يسألون عن الأخبار، ويتتبعون الأسرار ويستدرجون الأغرار، ويتسمّعون أحاديث الناس، فكم فتشوا عن ميت، وكم أفسدوا من بيت! ومن سعى إليك سعى عليك.
النميمة من الكذب
وعن النميمة قال الشيخ البدير النميمة طبع يدل على نتن الأصل، ورداءة الفرع، وفساد الطبع، وخُبث النشأة، ولابد لصاحبه من الكذب. والنميمة فرع من فروع الكذب ونوع من أنواعه، وكل نمّام كذّاب، عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يدخل الجنة قتّات» متفق عليه. وعند مسلم بلفظ «لا يدخل الجنة نمّام» قال ابن حزم: وما في جميع الناس شرٌ من الوشاة، وهم النمامون.
ثم أكد الشيخ البدير في ختام خطبته أن هذه الرذائل والشرور، تأكل الحسنات، وتنشر العداوات، وتزرع الخصومات، وتهدم الأسر والبيوتات.
لاتوجد تعليقات