رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 19 يناير، 2021 0 تعليق

خطبة الحرم المكي الشيخ بندر بليلة: عـــــــــداوة الشيطـــــان للإنسان أبدية


حذّر إمام الحرم المكي الشيخ بندر بن عبدالعزيز بليلة في خطبته التي ألقاها بالحرم المكي بتاريخ 24 من جمادى الأولى 1442هـ - الموافق 8/1/2021م، من عداوة الشيطان لبني آدم، ونصبه العداوة الأبدية لهم، ورفع لواء الغواية والفتنة في وجوههم؛ حيث أخذ العهد على نفسه أن يتربص بهم ويكيد لهم، {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}.

حكمة أحكم الحاكمين

     ثم أكد الشيخ ابن بليلة أن حكمة أحكم الحاكمين اقتضت أن يجعل في هذه الأرض خليفة، فكبُر ذلك على ملائكته الكرام، لكنهم سرعان ما استجابوا لأمر ربهم مطيعين مسَلّمين، فسجدوا كلهم أجمعون لآدم -عليه السلام-، وأظهر إبليس مخبوء الحسد والكبر، فأبى السجود لهذا المخلوق الطيني. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا}. وادعى لنفسه الخيرية والأفضلية {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}.

عدو له في كل حال

     ثم بين الشيخ بليلة أن الشيطان جعل من الآدمي عدوا له في كل حال، منذ الولادة حتى الموت، لا يدع مجالاً لإيذائه وإغوائه إلا رَكِبَه، يَتَلَوّن له في شتى الحِيَل، ويمكر به في فنون من التلبيس، في دأب لا ينقطع، وعزم لا يخمد، وطمع لا يخبو، فأول ما يحاوله من الأذى والكيد حين ولادة الإنسان وخروجه من بطن أمه يستقبل الدنيا، أن يطعن في جنبيه بإصبعه، فيستهل المولود صارخا من ذلك، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من بني آدم مولود إلا يمسّه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا مِن مسّ الشيطان غير مريم وابنها. قال أبو هريرة: اقرؤوا -إن شئتم- {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}».أخرجه الشيخان.

وساوس الشيطان

     وعن خفي كيد الشيطان ومكره قال الشيخ: من كيد الشيطان الخفي ما يُلقيه إليه من الوساوس المُخَوّفة المُقَنّطة، وما يبثه في روعه من الخواطر المقلقة في اليقظة والمنام، كما قال -تعالى-:{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضرّه» أخرجه الشيخان.

الشيطان والصلاة

     وعن كيد الشيطان للإنسان في صلاته قال ابن بليلة: إذا أراد الإنسان أن يصلي، أفرط الشيطان عليه بكيده وأذاه؛ وذلك أن الصلاة شعار المؤمن وعنوان صلاحه وفلاحه، وأشرف ما فيها السجود الذي هو غاية الذل لله -تبارك وتعالى-، ذلك الذل الذي أباه إبليس في أول أمره، فأرغمه الله وكتب عليه الصّغار والحسرة، وجعل سجود ابن آدم لربه وحظوته عنده مثاراً لندمه على سالف استكباره. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول يا وَيْلي أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسجود فأبيت فليَ النار». أخرجه مسلم. لهذا كان له مع الصلاة شأن عجيب، فإنه يحاول ابتداءً صدّ الإنسان عن فعلها، بتثقيلها عليه وصرفها عنه بصوارف اللهو والمعصية، كما قال -سبحانه-: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}.

تثبيط عزم المؤمن

     وأضاف، من مكايد الشيطان أيضًا في الصلاة أن يثبّط عزم المؤمن عن المبادرة إليها، ويزيّن له التراخي عنها وتأخيرها، ويمنّيه بانفساح الوقت واتساع المهلة خداعا وتلبيسا، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال: «يَعقد الشيطان على رأس قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلّت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان».

إيقاع الوساوس في الصلاة

      وأضاف، من مكايد الشيطان في الصلاة إيقاع الوساوس فيها، وتلبيس أمرها على مصلّيها، لكي يسلب منها الخشوع الذي هو روحها ولبها وأعزّ ما فيها، فعن أبي العلاء أن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه - أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يُلَبّسُها عليّ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوّذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا»، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. أخرجه مسلم.

إثارة النزاعات

     وأكد الشيخ ابن بليلة أنَّ للشيطان سعيا دؤوبا في إثارة النزاعات، وإذكاء نار العداوات بين الأحبة ولا سيما بين الزوجين؛ لأن في الألفة ووفور المودة مرضات الرب وصلاح الشأن، ولأن صلاح حال الزوجين على طاعة الله مؤْذِن بسعادة الأسرة وهناءة عيشها. عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناه منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرّقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت، فيلتزمه، أي يعانقه «أخرجه مسلم.

الحرص على الإفساد

     وأضاف، من خبيث كيده، أنه إذا عجز عن الإفساد الأعظم لم ييأس مما دونه، بل هو ماضٍ فيه، حريص عليه، فإذا عجَزَ عن إيقاع أهل الإيمان في الشرك الذي هو أعظم مفسدة، حَرِصَ على أن يُحَرِّش بينهم بالعداوة والبغضاء التي هي الحالقة للدين، فعن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنّ الشيطان قد أَيِسَ أن يَعبُدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» أخرجه مسلم.

تزيين المعصية

     وعن تزيين الشيطان للمعصية قال الشيخ ابن بليلة: من عجيب كيد الشيطان ومكره، تحسين القبيح، وتقبيح الحسن، فيزيّن للإنسان فِعلَ المعصية ويزخرفها في عينيه، حتى يراها سلوى لروحه وإطلاقًا لبدنه، ويُقبّح عنده فعل الطاعات ويُثقّلها عليه حتى يراها عذاباً لروحه ولجاماً لبدنه، فيُريه العزة والجسارة في العصيان، ويُريه الذل والهوان في الطاعة تلبيساً وخداعا. قال الله {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وقال -سبحانه- حاكيا مكر إبليس {وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}.

تزيين ما يستقبح من العورات

     ومن هنا فقد زيّن عدو الله لكثير من بني آدم محبة التّعري والكشف عن السوءات وما يُستقبح من العورات، لإيقاع الفتنة وإيقاد نار الشهوة وسلب نور الإيمان، وهتك جمال السِتر وتغيير فطرة الله وشرعه وأمره. وهو كيد قديم كاد به الأبوين حتى نزع عنهما لباسهما قال الله -عز وجل-: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}.

لله في خلقه أسرار بديعة

     ثم بين الشيخ ابن بليلة أنّ الشيطان وإن كان مادة للفساد، فإن لله في خلقه أسراراً بديعة، وحِكما عجيبة، فمنها ما ذكره الإمام ابن القيم -رحمه الله- بقوله: حصول العبودية المتنوعة لولا خلق الله إبليس لم تحصل، كعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية مخالفة الهوى، وعبودية الصبر وإيثار محابّ الرّب على محابّ النفس، ومنها حصول عبودية التوبة والرجوع إليه واستغفاره، فإنه سبحانه يحب التوابين ويحب توبتهم، ولولا ذلك لعُطّلت الأسباب التي يُتاب منها، ولتعطّلت عبودية التوبة والاستغفار، ومنها حصول عبودية مخالفة عدو الله ومراغمته في الله وإغاظته فيه، وهي من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، فإنه سبحانه يحب من وليه أن يغيظ عدوه ويراغمه، وهذه عبودية لا يُتَفطّن لها إلا الأكياس، ومنها حصول عبودية الاستعاذة به -سبحانه- من عدوه وسؤاله أن يجيره منه، ويعصمه من كيده وأذاه، ومنها ترك الإخلاد إلى غرور الأمل، فإن عبيده -سبحانه- يشتد خوفهم وحذرهم إذا رأوا ما حلّ بعدوه بمخالفته وسقوطه من المرتبة الملكية إلى المرتبة الشيطانية، ومنها أن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر، فخُلِقَ الشيطان مستخرجا لما في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفِعل. وأُرسِلت الرسل مستخرجة لما في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفِعل، ليرتب الله على كل منهما آثاره. وتظهر حكمته في الفريقين، ويظهر ما كان معلوما مطابقا لعلمه السابق.

سبيل الخلاص

     وعن سبيل الخلاص من كيد الشيطان ومكره قال الشيخ ابن بليلة: لا سبيل لذلك إلا بالاستعاذة بالله من شره، فإنّ من استعاذ بالله أعاذه، قال -سبحانه-: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، والتوكل على الله في دفع كيده، فإنّ أهل التوكل في أمان من مكره، قال -جلّ وعلا-: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}، ومداومة الذكر المشروع مطلقاً ومقيّدا، فإنّ كيده ضعيف مردود إلى الوسوسة، وإنّ الوسوسة لتُفَلّ بذكر الله -تعالى-؛ لأن الذاكر محفوف بمعية الله، وإذا ذكر الله خَنَسَ الشيطان وصَغُرَ وذَلّ. ولذلك سُمِّي الوسواس الخنّاس، وكذلك الحذر من اتباع الشهوات، فإنّ الشيطان موكل بتزيينها وتسويلها، فإذا حاذرها المرء سَلِمَ من كيده وشرّه، وإذا واقعها فليسرع إلى محو آثارها بالاستغفار والتوبة وتجديد الطاعة فإن ذلك يغيظ عدو الله ويرغمه ويدفع شره.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك