رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 17 ديسمبر، 2020 0 تعليق

من درر الأعلام – شبهـات حول السنة – الشبهة الأولى : الاقتصار على القرآن وإنكار السنة

 

 

الشيخ: عبدالرزاق عفيفي - رحمه الله

 

من حفظ الله لدينه وفضله على عباده أن هيأ لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - من يحفظها وينقلها ويعلمها وينافح عنها وينفي عنها الدخيل، ويدحض شبهات المبطلين ويفندها، وإسهاما منالفرقان في دحض ما يروجه المبطلون وتفنيد ما يزعمونه، ونصحًا للمسلمين، وامتدادا لجهود المجلة في نصرة الإسلام والعناية بمصدريه العظيمين القرآن الكريم والسنة النبوية، ننشر هذه السلسلةللعلامة الكبير الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله-، التي كتبها قديما في تفنيد شبهات أعداء السنة وخصومها، واليوم مع الشبهة الأولى وهيالاقتصار على القرآن وإنكار السنة.

     إذا لم يُحتج بالقرآن، وقيل: إن الله -تعالى- أغنانا بالقرآن لقوله فيه: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل:89)، فالقرآن بيِّن، واضح، ومبين لكل شيء، فلا يحتاج معه إلى سنة، فلماذا نتكلف البحث فيها والركون إليها أو الاحتجاج بها؟ لماذا نتكلف هذا مع أن الله تكفل لنا بيان كل ما نحتاج إليه في محكم كتابه لقوله -تعالى-: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ} وهو القرآن {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل 89)، فلا حاجة إلى أن نكلف أنفسنا عناء البحث في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنعمل بما فيها وقد أغنانا بالقرآن عنها، ويقول -سبحانه- في آية أخرى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (الأنعام: 38)، ويريدون بالكتاب القرآن، فيكون المعنى ما فرطنا في القرآن من شيء، ففي القرآن كل شيء فلا حاجة إلى السنة، وهذا إنكار للسنة بجملتها أو إنكار للحاجة إليها وإلى الاحتجاج بها في الجملة، اكتفاء بما جاء في القرآن بهاتين الآيتين.

الجواب على هذه الشبهة

     وقد أجاب العلماء عن الاستدلال بهاتين الآيتين بأجوبة منها: أنه أراد بقوله -تعالى-: في الكتاب، في قوله -تعالى-: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (الأنعام:38)، المراد به اللوح المحفوظ، والسورة مكية، ولم يكن نزل من القرآن إلا قليل، كثير من آيات الأحكام والفروع كثير منها مدني، وما يتصل بالصلاة إنما وضح وتبين وتكامل في المدينة، وأحكام المعاملات إنما نزلت في القرآن بالمدينة ونزلت أصولها في القرآن بعد الهجرة، وأحكام الجنايات من قصاص وديات نزلت في المدينة.

     وسورة الأنعام كلها مكية على الصحيح، قد يكون منها آيات تشبه الآيات المدنية، كآيات الذبح وذكر اسم الله على الذبائح، قد يكون مثل هذا نزل بالمدينة، لكن الغالب عليها أنها مكية، فكيف يكون القرآن؟ كيف يكون في الكتاب الذي هو القرآن بيان كل شيء في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآية؟، مع أن تلكم الأحكام إنما نزلت أصولها في المدينة لا في مكة، ثم عدد الصلوات وتحديد أوقاتها وعدد ركعاتها وسائر كيفياتها؛ لم تعرف من القرآن إنما عرفت من السنة.

أحكام الزكاة

     أحكام الزكاة من جهة النصاب ومن جهة المستحقين لم تكن عرفت في مكة، بل فريضة الزكاة لم تكن شرعت في مكة إنما الذي شرع الصدقات العامة، وفرض الزكاة وبدايتها إنما كان في المدينة، فبيان المستحقين للزكاة إنما نزل في المدينة في سورة التوبة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} (التوبة: 60) إلى آخر الآية التي فيها الأصناف الثمانية، ثم النصاب نصاب الزكاة ليس محددا في القرآن، وشرطها وهو حول الحول ليس محددا في القرآن ولا مبينا فيه.

الأصول العامة

     فالواقع يدل على أن القرآن اشتمل على الأصول العامة، وأنه لم يكن فيه كل شيء. تفسير الكتاب في قوله -تعالى-: {ما فرطنا في الكتب من شَيْءٍ}، فتفسير الكتاب بالقرآن في آية: {ما فرطنا في الكتب من شيء} تفسير غير صحيح، إنما المراد به اللوح المحفوظ الذي هدى الله -تعالى- القلم أن يكتب فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة.

     أما الآية الأخرى وهي: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89)، فيقال فيها: المراد بالكتاب القرآن، ولكن سورة النحل التي نزلت فيها هذه الآية أو هذه الجملة سورة مكية ولم يكن نزل التشريع كله في مكة، إنما نزلت أصول التوحيد وما يتصل بمعجزات الرسول في مكة، وأما الفروع فقد نزلت في المدينة.

     فكيف يقال: {ووَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل:89)، بالكتاب في هذه الآية من سورة النحل القرآن، لكن ليس المراد بيانه لكل شيء بيانه لجميع أحكام الفروع، إنما هو مثل الآية التي قال الله فيها: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (الأحقاف:20)؛ إخبارًا عن الريح التي أرسلها الله -جل شأنه- على عاد قوم هود، أرسل عليهم ريحا وقال: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} وهي إنما دمرت قوم هود: دمرت عادا ودمرت ديارهم، فالأمارات الحسية، أو الأدلة الحسية وواقع الهالكين الذين هلكوا، وتحدث الله عنهم في القرآن يدل على أن المراد بالآية الخصوص لا العموم، كذلك قوله -تعالى-: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} إلى آخر الآية هي مما أريد به الخصوص، وإلا ففي أي آية من الآيات بيان عدد الصلوات، وبيان تفاصيل الزكوات، أو بيان الحج إلى بيت الله الحرام بأصله وتفاصيله؟

تشريع الحج

     فالحج لم يكن شُرِعَ في هذا الوقت إنما شرع في المدينة في السنة التاسعة أو السنة العاشرة على الخلاف بين العلماء، وما كان من حج قبل ذلك فهو على الطريقة الموروثة عن إبراهيم الخليل - عليه السلام - لما بنى البيت هو وابنه إسماعيل، وأمره الله أن يؤذن في الناس كان الحج مشروعا، و ممتدا شرعه من أيام رسالة إبراهيم -عليه السلام - إلى أيام العرب في زمن النبي وبعد زمنه، أما فرضه في شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد نزل ضمن آيات سورة آل عمران، وهذا لم ينزل في مكة، إنما نزل في السنة التاسعة من الهجرة أو في السنة العاشرة التي حج فيها رسول الله فكيف يقال {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (النحل:89)، وهو لم يتبين فيه أصل فرضية الحج ولا تفاصيل الحج ولا تفاصيل الصيام.

     والصيام أيضا فرض في المدينة بعد الهجرة بسنة، أين الصيام وتفاصيله؟، والجهاد بالسلاح وتفاصيله؟، والبيوع وتفاصيلها؟، والربا ما نزل إلا في المدينة، فالآية إما أن يقال فيها: إنها من العام الذي أريد به الخصوص، وإما أن يقال: تبيان لكل شيء شرعه وفرضه على المسلمين وهم في مكة؛ لأن السورة مكية، و{تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} مما أوجبه عليهم وشرعه لهم، لا أنها بيان لكل حكم من أحكام الإسلام.

أخطؤوا الطريق

     فهؤلاء الذين أنكروا السنة جملة أو قالوا لا حاجة إليها جملة بتمامها اكتفاء بالقرآن واستدلالا بهاتين الآيتين، قد أخطؤوا الطريق ولم يعرفوا تاريخ التنزيل، ولم يعرفوا واقع التشريع، وأن بيان ما في القرآن من العبادات والمعاملات واقع في السنة، ثم أين تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها؟ أين تحريم زواج الإنسان بامرأة أبيه؟

إنما كان هذا كله في المدينة، تفاصيل الأحوال الشخصية من مواريث، وزيجات، ووصايا، ونكاح، وطلاق، تفاصيل هذا كله إنما كان بالمدينة، في الآيات التي نزلت بالمدينة، وبينها الرسول في سنته.

واقع التشريع

     فواقع التشريع، وعمل المسلمين جميعا: برهان واضح يدل دلالة ضرورية على أن السنة جاءت بيانا للقرآن، بينت في مكة ما يحتاجون إليه، بقدر ما نزل من أحكام أصول التشريع، وبينت في المدينة ما طرأت الحاجة إليه من بيوع، ومعاملات، وجنايات، وحدود، كل هذا ما نزلت تفصيلات آياته إلا في المدينة، ولم يبين الرسول تفصيله قولا وعملا إلا في المدينة.

     فهذا الاستدلال بالآيتين استدلال مردود، ولا نقول: الآيتان مردودتان، هذا هو التعبير الدقيق، ما يقال: رد على الدليل بكذا، إنما يقال رد على استدلالهم بالآيتين بكذا. قلت ابتداء: إن موقف الداعية من المدعوين يختلف باختلاف حالهم، فمن أنكر الاحتجاج بالسنة جملة اكتفاء بكتاب الله - احتج بالآيتين والرد عليهم كما سبق ذكره.

  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك