من خطبة: (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَة) البدر: الصدقة ليست منحصرة في المال.. بل مجالها أوسع وبابها أرحب
ألقى فضيلة الشيخ عبدالرزاق عبد المحسن البدر خطبة جمعة بتاريخ 13-03-1442 هـ والتي كانت بعنوان: (كل معروف صدقة) حيث شرح فيها الشيخ حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»، ورواه مسلم في صحيحه من حديث حذيفة - رضي الله عنه -، حيث أكد أن هذا الحديث يعدُّ قاعدةً جامعةً نافعة في أبواب الصدقات، وأن الصدقة ليست منحصرةً في صدقة المال، بل مجالها أوسع وبابها أرحب، خلاف ما قد يُظن.
وأضاف الشيخ البدر: جاء في الحديث أن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- من فقراء المهاجرين ظنوا شيئًا من ذلك، واستفهموا من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر - رضي الله عنه - أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ-وأهل الدثور أهل الأموال- يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ»، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْىٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟!» فقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ».
وظيفة يومية
وأكد الشيخ البدر: أن الصدقة وظيفة يومية تصاحب المسلم في كل أيامه، تتجدد معه بتجدد الأيام؛ فكل يومٍ يصبح فيه ممتعًا بالصحة والعافية ينبغي أن يقابل ذلك بحمد الله وشكره على نعمائه وبالصدقات الكثيرات المتنوعات، روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ -والسلامى: المفاصل- فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْىٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى».
تنوع أبواب الصدقات
كما أكد الشيخ البدر على تنوع أبواب الصدقات، فمنها ما هو قاصر على المتصدق تسبيحٍ وتحميدٍ وتكبيرٍ وتهليل، ومنها ما هو نفعه متعد، بل كل نفع يقدمه المرء لإخوانه المسلمين من أنواع المعروف وأبواب الإحسان وصنوف البر، كل ذلك داخلٌ في الصدقات، روى الترمذي عن أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلاَلِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ». فأبواب الصدقات متنوعة، فيا عبد الله، كن حريصًا على الصدقات، مستكثرًا منها، آخذًا بأبوابها المتنوعة ومجالاتها الفسيحة، متقربًا بذلك إلى الله -جل وعلا. ثم بين الشيخ البدر: أنه لا حجة لمن يقول: لا أجد مالًا ولا أجد قدرة على هذه الأشياء؛ نظرًا لسعة فضل الله، ففي سؤالٍ وُجِّه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أَنَّ رَجُلاً، أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ ذَلِكَ ؟ قَالَ: تُعِينُ ضَائِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ ذَلِكَ ؟ قَالَ: احْبِسْ نَفْسَكَ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ.
أمران عجيبان
وأشار الشيخ البدر: إلى أمرين عجيبين غاية العجب في باب الصدقات، يتعلقان بالرجل الفقير غير الواجد للمال الأول منهما: أن قليلًا يتصدق به الفقير ولو درهما واحدًا من قليل ماله، قد يسبق ويغلب مالًا كثيرًا، يتصدق به الغني الواجد ولو كان عشرات الآلاف من الدراهم؛ ففي النسائي وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِئَةَ أَلْفٍ»، قَالُوا: «وكَيْفَ»، قَالَ: «كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بأَحَدِهُمَا، وَانطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِئَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا»؛ الأول تصدق بنصف ماله كاملًا، والثاني تصدق بشيء قليل من ماله، ففرقٌ بين من يتصدق بنصف ماله وبين من يتصدق بشيء يسير منه؛ فسبق درهم مئة ألف درهم.
والثانية أعجب: وهي أن الفقير إذا كان في قلبه نيةٌ صادقة بينه وبين الله، يعلمها الله -جل وعلا- من نفسه أنه لو كان عنده من المال مثل فلان الغني المتصدق لفعل مثله، فهذا والغني المتصدق سواء في الأجر، هذا بصدقته، وهذا بنيته الصادقة، روى الترمذي عن أبي كبشة الأنماري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لاَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ؛ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ».
لاتوجد تعليقات