احفظ أخاك واقتدِ بالعمرين
فقارن أخي الحبيب علاقتك بإخوانك والعلاقة التي كانت بين العمرين -رضي الله عنهما-، فقد روى البخاري عن عبد الله بن أبي مليكة قال: كَادَ الخَيِّرَانِ أنْ يَهْلِكَا أبو بَكْرٍ وعُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا-، رَفَعَا أصْوَاتَهُما عِنْدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَدِمَ عليه رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فأشَارَ أحَدُهُما بالأقْرَعِ بنِ حَابِسٍ أخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وأَشَارَ الآخَرُ برَجُلٍ آخَرَ -قالَ نَافِعٌ: لا أحْفَظُ اسْمَهُ- فَقالَ أبو بَكْرٍ لِعُمَرَ: ما أرَدْتَ إلَّا خِلَافِي، قالَ: ما أرَدْتُ خِلَافَكَ فَارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُما في ذلكَ، فأنْزَلَ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} (الحجرات:2)، قالَ عبد الله بن الزُّبَيْرِ: فَما كانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ هذِه الآيَةِ حتَّى يَسْتَفْهِمَهُ.
وروى الحافظ البزار عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: «لما نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} قال: قلت: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار».
فأبو بَكرٍ وعمر -رضِي اللهُ عنهما- هما خير هَذهِ الأُمةِ بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم-؛ إلَّا أنهما قدْ يحدث منهما ما يَحدُثُ مِنَ البَشرِ، ويُصوِّبُ اللهُ لَهما؛ لِيَقتديَ بِهِما غَيرُهُما.
والذي حدث أنه قَدِمَ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رَكْبُ بَني تَميمٍ، فأشارَ أحدُهُما بِالأقرَعِ بنِ حابِسٍ أخي بَني مُجاشعٍ، أن يؤمره النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليهم، وأشارَ الآخَرُ برَجلٍ آخَرَ -لم يحفظ الراوي اسمه- فَنتجَ عَن ذَلكَ رَفعُ الصَّوتِ عِندَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقالَ أبو بَكرٍ لعُمرَ: ما أردتَ إلَّا خِلافي، يَعني ما قَصدْتَ إلَّا مُخالفَتي، فَردَّ عُمرُ وَقال: ما أردتُ خِلافَك، فَارتَفعتْ أصواتُهما في ذَلكَ الخِلافِ، فأنزلَ اللهُ -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}، قالَ عبد الله ابنُ الزُّبيرِ: فَما كانَ عُمرُ يُسمِعُ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعدَ هذه الآيَةِ حتَّى يَستفْهِمَه، يَعني: كانَ بَعدَ ذلكَ مُنخفِضَ الصَّوتِ عِندَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حتَّى يَطلُبَ منه أنْ يَرفعَ صَوتَه لِيَسمَعَ، وأما أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فقال: «يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار»، وهو الصوت المنخفض بين المتسارين بالحديث.
وأما الخلاف بين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- فقد انتهى في اللحظة نفسها التي قال فيها أحدهما للآخر: «ما أردتُ خِلافَك»؛ فيا ليتنا نتعوذ بالله من شرور أنفسنا ونقتدي بالعمرين.
وفي الحديثِ: النَّهيُ عن السَّبْقِ والتقدُّمِ بالقولِ والرأيِ على النبيِّ -[-، وضرورةُ انتظارِ أمْرِه وحُكمِه في كلِّ الأمورِ، ويَنطبِقُ هذا على سُنتَّه - صلى الله عليه وسلم - بعدَ مماتِه.
هناك ثلاثة مظاهر من خلالها نرى كيف أن الدين الإسلامي إنما جاء ليعدل بين الناس، ويساوي بينهم في حقوقهم الطبيعية الفطرية، ويلغي الطبقيَّة بين الناس، وهي بيان أصل الخلقة والتساوي فيها، والمظهر الثاني: إقرار الاختلاف بين البشر، والمظهر الثالث: عالمية رسالة الإسلام، واليوم نتحدث عن المسلك الثاني: نبذ العنصرية في الإسلام.
لاتوجد تعليقات