رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 6 أبريل، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: مَنْ بَاعَ نَخْلًا فيها ثَمَر

  • ضَبَط الإسلامُ عُقودَ المُعامَلاتِ بيْن النَّاسِ حتَّى يَحفَظَ علَيهم أموالَهُم ومَصالِحَهم فلا يَبْغي أحدٌ على أحدٍ
  • نَهَى الإسلام عن بعضِ أنواعِ المعامَلاتِ الَّتي يَكونُ ظاهرُها البيع وباطِنُها أكْل الأموالِ بالباطلِ أو الَّتي تَشتمِلُ على غَررٍ وجَهالةٍ وربَّما تُضِرُّ بالبائعِ أو المُشْتري
   

عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ؛ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، ومَنْ ابْتَاعَ عَبْداً؛ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1173) باب: من باع نخلاً عليها ثمر، وأخرجه البخاري في: (2204).

       في هذا الحديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن اشْتَرى نَخلاً بعْدَ أنْ تُؤبَّرَ، يعني: بعد أنْ تُلقَّحَ، فثَمَرتُها للبائعِ؛ ولذا فله حَقُّ الدُّخولِ للنَّخلِ، لسَقْيِها وإصْلاحِها واقتطافِها، ولَيس للمُشتري أنْ يَمنَعَه مِن الدُّخولِ إليها؛ لأنَّ له حقًّا لا يَصِلُ إليه إلَّا به. قوله: «إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» إلَّا أنْ يَشترِطَ المُشتري أنْ تكونَ الثَّمرةُ له، ويُوافِقَه البائعُ على ذلك، فتكونُ للمُشْتري، وليس للبائعِ فيها حقٌّ. قوله: «ومَنْ ابْتَاعَ عَبْداً؛ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» أي: وكذلك مَن اشْتَرى عبْداً، وللعبدِ مالٌ، فمالُه للذي باعَهُ؛ لأنَّ العبدَ لا يَملِكُ شَيئاً أصلًا؛ لأنَّه مَملوكٌ، فلا يَصح أنْ يكونَ مالِكاً، إلَّا أنْ يَشترِطَ المُشتري كونَ المالِ له، جَميعِه أو جُزءٍ مُعيَّنٍ منه.

فوائد الحديث

  • أنّ ثمرةَ نخلِ البُستان المَبيع تكون للبائع، إذا وقعَ عقد البيع بعد التأبير.
  • إذا اشْترطَ المُشْتري أنّ الثَّمرةَ تكونُ له؛ ووافقَ على ذلك البائع، فإنّها تكون للمُشتري.
  • أنّه يصحّ البيع مع الشّرط؛ ما دامَ هذا الشّرط لا يُنَافي مُقْتضى العقد.
  • يكونُ للبائع حق الدخُول في الأرض المَبيعة، ما دامت ثمرتُه فيها.
  • الاعتبارُ بالشُّروطِ في عُقودِ البَيعِ، ما لم تُحِلَّ حَراماً، أو تُحرِّمْ حَلالًا.
  • قد ضَبَط الإسلامُ عُقودَ المُعامَلاتِ بيْن النَّاسِ؛ حتَّى يَحفَظَ علَيهم أموالَهُم ومَصالِحَهم، فلا يَبْغي أحدٌ على أحدٍ.
 

باب: بَيعُ المُخَابَرَةِ والمُحَاقَلَةِ

عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ المَكِّيُّ وهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ المُحَاقَلَةِ، والمُزَابَنَةِ، والمُخَابَرَةِ، وأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ، (والْإِشْقَاهُ: أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ)، والمُحَاقَلَةُ: أَنْ يُبَاعَ الحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنْ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ، والْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنْ التَّمْرِ، وَالمُخَابَرَةُ: الثُّلُثُ والرُّبُعُ وأَشْبَاهُ ذَلِكَ، قَالَ زَيْدٌ قُلْتُ: لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عبداللَّهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: نَعَمْ، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1175) باب: النّهي عن المُحاقلة والمُزابنة وعن المُخابرة، وبيع الثّمرة قبل بدو إصلاحها.

يقولُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما-: «نَهى رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُحاقَلةِ»: مأخوذة من «الحقل» وهو الزَّرع وموضعه، وهي بيعُ الحَبِّ في سَنابِلِه بحَبٍّ صافٍ، وهذا فيه جَهالةُ ما في السَّنابلِ.

نَهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المُزَابنة

       «والمُزابَنةِ»: أي: ونَهى - صلى الله عليه وسلم - عن المُزَابنة، وهي: بيعُ التَّمْرِ على رُؤوسِ النَّخْلِ بالتَّمْرِ الرُّطَبِ، أو ثِمارِ العِنَبِ وهي على الشَّجَرِ بالزَّبيبِ، وهذا فيه جَهالةٌ بكَيلِ الثِّمارِ ووزنِها، وقد رَخَّصَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في العَرايا، بِشَرطِ ألَّا تزيدَ على خَمْسةِ أَوْسُقٍ، مع التَّقابُضِ في مَجْلِسِ العَقْدِ؛ كما سبق بيانه. «والمُخابَرةِ»: مأخوذة من «الخبار» وهي الأرْض اللّيّنة القابلة للزّرع، أو من «الخبير» وهو مَنْ يُحْسنُ حَرْث الأرض. وهي: العملُ في الأرْض مُقابل جزءٍ معين ممّا يَخرُجُ منها مِنَ الزّرع، مثل ما يَخْرج مِنْ شمال المَزْرعة مثلاً، وهذا فيه جَهالةٌ بما لَمْ يحصلُ بَعدُ. قوله: «وأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ، (والْإِشْقَاهُ: أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ» وفيه النَّهيُّ عن بيع الثَّمر قبل بُدُو صَلاحه، بأنْ يحمرّ أو يصفر، لعَدم أمْنِ العاهة. قَالَ زَيْدٌ قُلْتُ: لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عبداللَّهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: نَعَمْ. فيه: التثبّت مِنَ الراوي في نقل الحديث النبوي، لئلا يَخْتلط بأقوالِ الصحابة وفتاويهم.

من فوائد الحديث

  • نهيُ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن أنواع مِنَ البيوعِ التي تتعلّق بالثِّمار؛ لما فيها مِنَ الضَّرر على طرفٍ واحدٍ أو على الطّرفين، فنَهَى عن المُخابرة، والمُحاقلة، والمُزابنة.
  • والنَّهْي عن هذه البُيوع؛ لمَا فيها مِنَ الجَهلِ بتساوي العِوضَين، والجهلُ بذلك يُفْضِي إلى الرّبا المُحرّم، ومنْ باب أولى: يَحرُمُ البيع إذا عُلِم التفاضل بين العِوضين الربويين منْ جِنْسٍ واحد.
  • استثنى من المُزابنة: بيع العرايا، للحاجة.
  • وكذا النَّهيُّ عن بيع الثَّمر قبل بُدُو صَلاحه، لعَدم أمْنِ العاهة.
  • وفيه اهتمامَّ الإسلامُ اهتماماً بالغاً بحِفظِ أموالِ النَّاسِ، والحرَصَ على عدَمِ ضَياعِها؛ ولذلك نَهَى عن بعضِ أنواعِ المعامَلاتِ؛ كتِلْك الَّتي يَكونُ ظاهرُها البيعَ، وباطِنُها أكْلَ الأموالِ بالباطلِ، أو الَّتي تَشتمِلُ على غَررٍ وجَهالةٍ، وربَّما تُضِرُّ بالبائعِ أو المُشْتري.
 

من فقه البيوع وآدابه

كان من هدي النبي أن يعلِّم أصحابه فقه البيوع وآدابه، ومن ذلك الأمانة في البيع والشراء، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مرَّ على صُبْرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: يا صاحب الطعام، ما هذا؟ قال: أصابته السماء، يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أفلا جعلتَه فوق الطعام حتى يراه الناس، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: من غشَّنا فليس منَّا، والمكر والخديعة في النار»، قال الصنعاني: والحديث دليل على تحريم الغشِّ، وهو مجمعٌ على تحريمه شرعًا، ومذموم فاعله عقلًا. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إنَّ الغشَّ حرام. وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بيَّنه له»، وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإنْ صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإنْ كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما. وعن بردة بن نيار - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل الكسب بيعٌ مبرور، وعمل الرجل بيده»، وكما علَّمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمانة بقوله، أيضًا علَّمهم إياها بفعله، ويدل على ذلك حديث العدَّاء بن خالد - رضي الله عنه - قال: «كتب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابًا قال فيه: هذا ما اشترى العدَّاء بن خالد من محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ، بَيْعَ المُسْلِمِ المسلمَ».

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك