رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 3 فبراير، 2020 0 تعليق

من درر الأعلام – منهج العلامة الألباني في معاملة المخالفين

 

الشيخ:

 محمد حاج عيسى

هذه بعض النقول المستلة من أشرطة العلامة المحدث الألباني -رحمه الله- في بعض القضايا المنهجية المثارة على الساحة منذ زمن، استخرجها الشيخ محمد حاج عيسى ضمن فصول كتاب: (الرد النفيس على الطاعن في العلامة ابن باديس)، نظرًا لحاجة الناس إلى التذكير بمثـل هذه الفتاوى التي أصبحت نسيا منسيا -علما وعملا-، وأصبح المتكلم بما يشبههـا أو يقترب منهــــا معدوداً عند بعضهم ضالا مضلا، ولاسيما وأن كثيرا من الشباب الناشئ ليس له اطلاع علــــى أشرطة الألباني، وهو مصروف عنها.

أولاً: إطلاق وصف السلفية على المخالفين

     قال -رحمه الله- في موضع: «فهذا المنتمي إلى السلف الصالح على نسبة قربه وبعده في تحقيق انتسابه إلى السلف الصالح، يقال فيه: إنه مع السلف الصالح؛ ولذلك فلا يصح أن يطلـق القول بإخراج من كان يعلن ولو بلسانه على الأقل (ما لم ينقض بفعله ما يقوله بلسانـــــه)، لا يصح أن نقول إنه ليس سلفيا ما دام يدعو إلى منهج السلف الصالح، وما دام يدعو إلى اتبـــــاع الكتاب والسنة وعدم التعصب لإمام من الأئمة، فضلا عن أن يتعصب لطريق من الطــــــرق، أو حزب من الأحزاب، لكن له آراء يشذ فيها في بعض المسائــــــــــــل الاجتهادية، وهذا لابد منه، لكن (يعني ينظر إلى) القاعدة هل هو مؤمن بها؟ هل هو داع إليها؟ (سلسة الهدى والنور 848).

ثانيًا: ليس كل من وقع في البدعة مبتدعا

     قال -رحمه الله-: «إذا كان هذا المخالف يخالف نصًا أولاً، لا يجوز اتباعه، وثانيًا، لا نبدع القائل بخلاف النص وإن كنا نقول إن قوله بدعة، وأنا أفرق بين أن تقول فلان وقع في الكفر وفلان كفر، وكذلك فلان وقع في البدعة وفلان مبتدع؛ فأقول فلان مبتدع ليس معناه أنه وقع في بدعة، وهو مَن شأنه أنه يبتدع؛ لأن مبتدع اسم فاعل، هذا كما إذا قلنا فلان عادل ليس لأنه عدل مرة في حياته؛ فأخذ هذا اسم الفاعل، القصد أن المجتهد قد يقع في البدعة، لكن لا يأثم بها ولا يطلق عليه اسم مبتدع، هذا إذا خالف نصا» يعني وكانت المســــألة اجتهادية.(سلسلة الهدى والنور 849).

ثالثًا: رأيه -رحمه الله- في التسلسل في التبديع

     سئل الشيخ الألباني -رحمه الله- عن صحة هذه القواعد، من لم يكفر الكافر فهو كافر، ومن لم يبدع المبتدع فهـو مبتدع، ومن ليس معنا فهو ضدنا؛ فقال: «من هو صاحب هذه القواعد ومن قعّدهـــا؟» علــى سبيل الإنكار، ثم قص قصة أحد علماء ألبانيا الذي كفر من لم يهيئ له نعله للخروج من الــدار؛ حيث قال -واللفظ للألباني-: «هذا كفر؛ لأنه لم يحترم العالم، ومن لم يحتـرم العالم لا يحترم العلم، والذي لا يحترم العلم لا يحترم من جاء بالعلم، والذي جاء بالعلم هـــو محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا سلسلها إلى جبريل إلى رب العالمين؛ فإذاً هو كافر»، ثم قال الشيخ الألبانــــي -رحمه الله تعالى-: «ليس شرطا أبدا أن من كفر شخصا وأقام عليه الحجة، أن يكـون كـل النـاس معه في التكفير؛ لأنه قد يكون متأولا، ويرى العالم الآخر أنـه لا يجوز تكفيـــره، وكذلــك التفسيق والتبديع؛ فهذه الحقيقة من فتن العصر الحاضر ومـــــن تسرع بعض الشبـــاب في ادعاء العلم، والمقصود أن هذا التسلسل وهذا الإلزام غيـــــر لازم أبدا، وهذا باب واسع قـــــد يرى عالم الأمر واجبا ويراه الآخر ليس كذلك، وما اختلــف العلمــــاء من قبل ومن بعد، إلا لأنه من باب الاجتهاد، ولا يلزم الآخرين أن يأخذوا برأيــه، والذي يلـزم بالأخذ برأي الآخر، إنما هو المقلد الذي لا علم عنده، وهو الذي يجب عليـــه أن يقلـد، أما من كـان عالما؛ فالذي كفّر، أو فسّق، أو بدّع ولا يرى مثل رأيه، فلا يلزمه أبدا أن يتابع ذلك العالم.(سلسلة الهدى والنور 778).

رابعًا: موقف الألباني من هجر المخالفين

     قال -رحمه الله تعالى-: «مع المؤسف- أن هناك نوعا من التفرق، ونوعــا من التنـازع لأسباب تافهة جدا؛ لذلك يجب أن نضع نصب أعيننا ما يسمى اليوم في لغــة العصر الحاضر بالتسامح الديني، لكن بالمعنى الذي يسمح به الإسلام، فالتسامح الديني قـد وسعت دائرته إلـى حيث لا يسمح به الإسلام، ولكن نحن نعني التسامح بالمعنى الصحيـح؛ وذلك أننا إذا رأينـا شخصا من غير السلفيين، فضلا عمن كان من السلفيين أن له رأيـا خاصا، أو اجتهادا خاصـا، أو...، بل رأيناه أخطأ فعلا في شيء من تصرفاته، ألا نبادر إلـى نهره، ثم إلى مقاطعتـه، بــل يجب علينا أن نسلك طريق النصح الذي ابتدأنا به هـــذه الكلمة بالحديث «الديـن النصيحة الديــن النصيحة»؛ فإن نصحناه وتجاوب معنا ذلــك ما كنا نبغي، وإن لم يستجــب فليس لنا عليه مــن سبيـل، ولا يجوز لنا أن نبـادره أو نقاطعه، بل علينا أن نظل معه نتابعه بالنصيحة ما بيـن الفينــة والفينة، وما بين آونـة وأخرى حتى يستقيم علـى الجادة، وهناك بعض الأحاديث الصحيحــة التي نحن بحاجة إلى أن نتذكرها عمليا وليس فقط فكرا وعلما، منها قوله -عليه الصـلاة والسلام -: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانــا»، و«لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»، لماذا يهجـره تباغضا وتحاسدا؟ لا لأنه عصى الله ورسوله، ولكن هو لم يجـاهر بالمعصية ولم يعتقد أن هذه معصية، ومع ذلك فهو يعصي الله -عز وجل- فجاء أحدنا وقاطعه، هذه مقاطعة مشروعة، ولكن التقاطع في سبيل اختلاف الأفكار، وفي المفاهيم هو تدابر منــهي عنه في الحديث. (سلسلة الهدى والنور23).

مغالطة لا تجوز إسلاميًا

     وقال -رحمه الله-: « أنا لا أعلم أن المسلم لا يلقي السلام على أخيه المسلم، وهو يعتقد أنه مسلم، وهذه مغالطة لا تجوز إسلامياً، وكون المسلمين مختلفين هذا الأمر ليس حديثاً، بل هو قديم، لكن التناصح هو الذي يجب أن يكون قائما بين المسلمين، وأن يتوادوا وأن يتحابوا في الله -عز وجل-؛ فالتدابر والتقاطع أمر منهي عنه في الإسلام، والحب في الله أمــــر مرغوب في الإسلام والبغض في الله كذلك، لكن بعض الناس لا يحسنون التطبيق، وأنـــا كثيرا ما أسأل عن مقاطعة المسلم لأخيه المسلم لسبب ما؛ فأنا أقول المقاطعة اليــــوم وإن كانت في الأصل مشروعة، ولكن اليوم ليس هو زمن التطبيق؛ لأنــك إذا أردت أن تقاطع كل مسلم أنكرت عليه شيئا بقيت وحيدا شريدا، فليس لنا اليوم أن نتعامل على طــريقة البغض في الله والمقاطعة في الله، هذا إنما وقته إذا قويت شوكة المسلمين وقوي مظهـــــر المسلمين في تعاملهم فيما بينهم، حين يشذ فرد من الأفراد عن الخط المستقيــم فيُقاطع؛ إذ ذاك المقاطعة تكون دواء له وتربية له، أما الآن فليس هذا زمانه؛ لذلـــك فهذا ليس في العصر الحاضر، وليس من الحكمة أبدا أن نقاطع الناس لسبب انحرافهم، سـواء كان هذا الانحراف فكريا عقيدة أم كان انحرافا سلوكيا، وإنما علينا أن نصبر في مصاحبتنا لهؤلاء، وألا نضلل أو نكفّر؛ لأن هذا التضليل وهذا التكفير لا يفيدنا، وإنما علينا بالتذكير كما قال -عز وجل-: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}(الذاريات55) (سلسلة الهدى والنور 80).

مبدأ المقاطعة

     وقال -رحمه الله-: «وهذا له صلة بمبدأ المقاطعة المعروفة في الإسلام أو الهجر لله، كثيرا مما نسأل فلان صاحبنا وصديقنا، ولكنه لا يصلي ويشرب الدخان فهل نقاطعه؟ أقول له أنــا: لا يقاطعه؛ لأن مقاطعته لا تفيده، بالعكس تسره وتجعله في ضلاله؛ لذلك فالمقاطعة وسيلــة شرعية وهي تأديب للمهاجر والمقاطع؛ فإذا كــانت المقاطعة لا تؤدبه، بل تزيده ضلالا علــى ضلال حينئذ لا تجب المقاطعة؛ لذلك نحن اليـوم لا ينبغي أن نتشبث بالوسائل التي كان يتعاطاهـا السلف، فقد كانوا ينطلقون من موقف القوة والمنــعة»، ثم تحدث عن قلة الصالحين في هذا الزمــان وقال: فلو نحن فتحنا باب المقاطعــة والهجر والتبديع يجب أن نعيش فــي الجبال، وإنما واجبنا اليوم يتمثل في قول الله -تعالى-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ}(النحل125) شريط (ما البدعة ومن هو المبتدع؟).

استعمال الحكمة

     ولما اعترض أحدهم واستفسر عما إذا كان الظهور لأهل الحق فقال الألباني -رحمه الله-: «ينبغي هنا استعمال الحكمة، فالفئة القوية هل إذا قاطعت الفئة المنحرفة عن الجمــاعة يعود الكلام السابق؟ هل ذلك ينفع الطائفة المتمسكة بالحق؟ أم يضرها هذا من جهتهم؟ ثم هــــل ينفع المقاطعين والمهجورين من الطائفة المنصورة أو يضرهم؟ يعني لا ينبغي أن نأخذ هذا الأمر بالحماس والعاطفة، وإنما بالروية والحكمة والأناة، وآخر الدواء الكي، وأنا عموما لا أنصح اليوم باستعمال علاج المقاطعة أبدا؛ لأنه يضر أكثر مما ينفع. (شريط ما البدعة ومن هو المبتدع؟).

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك