مكارم الأخلاق .. الرِّفـق..
أتيت المسجد قبل صلاة الظهر بنصف ساعة، فإذا بأحد المصلين يمسك بطفل يعنفه، وينهره، ويصرخ عليه!، ولما رآني كأنه شعر بحرج، فتركه وهو يتوعده بسوء العاقبة!!. - خير يا (فلان) ماذا حصل؟ - هؤلاء الأطفال، يلعبون الكرة في ساحة المسجد، صرخت عليهم فهربوا إلا هذا وقف مكانه. استغربت شدته مع أن هؤلاء الأطفال! يصلون معنا، وهم أبناء المؤذن، وجيران المسجد! - دعهم يلعبون في هذه الساحة، فذلك آمن لهم من الخارج، ولا ضرر على المسجد أو المصلين من لعبهم الكرة هنا.. أخذت (فلان) من يده، دعنا نتمشى قليلًا حتى يحين موعد الأذان. - أجابني إلى طلبي مُحرجًا. - يا (أبا سعد)، هؤلاء أطفال صغار يحتاجون من يعاملهم برفق ولين، إنك لا تدري عن أحوالهم في بيوتهم، ولكن الرفق سمة المؤمن، ولاسيما مع الضعيف والصغير وكبير السن، والرفق خير من العنف دائمًا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» ، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» . قاطعني: - صدقت يا أبا عبدالله، واللهِ إني أعلم كل ذلك، ولكني أصابتني كآبة وضيق نفس وكدر، من مشكلات في العمل وفي البيت، أتيت المسجد لأصلي وأدعو الله، وأقرأ القرآن، لعل الله يذهب عني، كل ذلك. - ونِعم بالله! والعبد المؤمن يلتزم مكارم الأخلاق، ولاسيما عند مكاره المواقف، مطلوب منا الصبر، عند الصدمة الأولى، والرفق حال ضيق الصدر، والحلم، حال الغضب، والرفق من أجمل الأخلاق التي ينبغي أن يجاهد العبد نفسه أن يكتسبها؛ ففي صحيح مسلم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله»، وفي رواية: «من أُعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير»، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان أرفق الناس بالصبيان، كان - صلى الله عليه وسلم - يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح على رؤوسهم. - نعم، أحتاج أن أذكر نفسي بهذه الأحاديث، وأجاهد نفسي أن أكتسب هذا الخُلق، تقول زوجتي: إن أسلوبي وطريقة حديثي مع الأطفال شديدة ولم أكن أشعر بذلك؛ بل أظنها طبيعية، هكذا تربيت في بيت والدي، ولكن يبدو أنني أحتاج إلـى إعادة تأهيل، وفي موضوع الرفق خاصة. كان (فلان) يتحدث بصوت خافت كأنما يحدّث نفسه. - إن الأخلاق الحسنة يمكن اكتسابها بمجاهدة النفس، وتربيتها والمحاولة، بعد المحاولة، ودعاء الله -تعالى-، ومن يسعَ لنيل خُلق حسن، يُعنْه الله، وييسرْ عليه. - زدني من هذه الأحاديث في باب الرفق، لا زال أمامنا ربع ساعة إلى الأذان. - الأحاديث في الرفق كثيرة، مثلاً من يصلي بالناس يجب أن يخفف ويرفق بهم، كما في حديث معاذ، عندما كان يصلي بالناس وقرأ سورة البقرة أو النساء وأطال، فترك أحدهم الصلاة وكانت معه ناضحتان، ثم بلغه أن معاذا نال منه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكو معاذًا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أفتّان أنت يا معاذ؟! أفتّان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ فلولا صليت بـ{سبح اسم ربك} {والشمس وضحاها} {والليل إذا يغشى}؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة» ، وعن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به»، وحديث ذلك الذي تكلم في الصلاة، وهو معاوية بن الحكم السلمي يقول: بينما أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله (وهو يصلي)، فرماني القوم بأبصارهم؛ فقلت في نفسي: «واثكل أمي»، ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكتُّ! فلما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي! -ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه-؛ فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني: قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد؛ فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مه مه! قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُزرموه دَعُوه، فتركوه حتى بال ثُمَّ إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه، فقال له: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنَّما هي لذكر الله -عزَّ وجلَّ- والصلاة وقراءة «القرآن»، أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه عليه، في شرح رياض الصالحين لابن عثيمين -رحمه الله-: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناسُ فيُفرض عليهم» ، وعنها -رضي الله عنها- قالت: «نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصال رحمة بهم؛ فقالوا: إنك تواصل! قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيتُ يُطعمني ربي ويسقيني» ، معناه يجعله في قوة من أكل وشرب.
- الشرح: قال المؤلف رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عائشة -رضي الله عنها- في باب الرفق بالمسلمين والشفقة عليهم، قالت عائشة -رضي الله عنها-: «إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يفعله؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، قولها: «إن كان» «إن» هذه مخففة من الثقيلة، وأصلها « إنّ»، ويقول النحويون: إن اسمها محذوف ويسمونه ضمير الشأن، وجملة (كان ليدع) خبرها. فالجملة هنا ثبوتية وليست سلبية. والمعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله، لئلا يعمل به الناس، فيفرض عليهم، فيشق عليهم.
لاتوجد تعليقات