شباب تحت العشرين 1301
وَعْيك.. حِصنك الأول!
يا شباب: اعلموا أنكم تعيشون زمنًا ليس أخطر ما فيه ما يحدث؛ بل ما يُبثّ، وما يُقال، وما يُراد لكم أن تصدّقوه، سيلٌ من الأخبار، ومقاطع لا تتوقف، وآراء تُلقى إليكم بلا تمحيص؛ فإمّا أن تكونوا واعين، أو تكونوا أدواتٍ في أيدي غيركم، إن الوعي ليس خيارًا إضافيا في حياتكم، بل هو ضرورة لحفظ دينكم وعقولكم ومواقفكم، يقول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: 6).
- فأول صفة للشاب الواعي: أنه لا يصدّق كل ما يُقال، ولا ينشر كل ما يصل إليه، قال -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36)، أي لا تتبع شيئًا لم تتحقق منه، ولا تتكلم في أمرٍ لا تفهمه.
- يا شباب: ليس المطلوب منكم أن تعرفوا كل شيء، لكن المطلوب ألا تكونوا سطحيين، لا تكونوا مجرد «مُمرّرين محتوى»، بل كونوا أصحاب وعي: اسأل قبل أن تصدّق، وافهم قبل أن تتبنى، وتثبت قبل أن تنشر، ففي زمن الفتن، قد تتحول كلمة، أو تغريدة، أو مقطع إلى موقفٍ يُحاسب عليه الإنسان، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن السعيد لمن جُنّب الفتن»، فلا تكن وقودًا للفتن، ولا صوتًا يزيد الضجيج؛بل كن صوتًا للحق، هادئًا، واعيًا، متزنًا.
- يا شباب: احفظوا عقولكم كما تحفظون قلوبكم، ولا تجعلوا أحدًا يفكّر عنكم، أو يوجّهكم دون أن تشعروا، وتذكّروا: أن وعيكم هو خط الدفاع الأول عن دينكم، وعن أوطانكم، وعن أمتكم، فإن كنتم واعين، كنتم قوة، وإن غفلتم، استُخدمتم وأنتم لا تشعرون.
لا تيأس فالأمة بخير..
قد تشتدّ الأزمات، وتتعالى أصوات الإحباط، لكن المؤمن لا يقيس الأمور بظاهر اللحظة، بل بوعد الله الذي لا يتخلّف، قال الله -تعالى-: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران: 139)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين..»؛ فالأمّة بخير ما دام فيها من يتمسّك بالحق، ويصبر عليه، ويعمل له ولو كانوا قلّة؛ فلا تجعلوا ما ترونه سببًا لليأس، بل دافعًا للعمل؛ فالمحبطون يقفون عند الواقع، أمّا الصادقون فيتجاوزونه إلى ما ينبغي أن يكون.خِصال التائبين
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: «وخِصال التائب قد ذكرها الله -تعالى- في آخر سورة براءة، فقال: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ}، فلابد للتائب من العبادة والاشتغال بالعمل للآخرة، وإلا فالنفس همّامة متحركة، إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، فلابد للتائب من أن يبدل تلك الأوقات التي مرت له في المعاصي بأوقات الطاعات، وأن يتدارك ما فرط فيها، وأن يبدل تلك الخطواتِ بخطوات إلى الخير، ويحفظ لحظاتِه وخطواتِه، ولفظاتِه وخطراتِ، ثم قال الله -تعالى-: {الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ}، فهذه خصال التائب، وإلا فكل تائب لم يتلبس بعد توبته بما يقربه إلى من تاب إليه فهو في بعد وإدبار، لا في قرب وإقبال، فالتائب هو من اتقى المحذورات، وفعل المأمورات، وصبر على المقدورات».
وطنك أمانة..
- يا شباب: حبُّ الوطن ليس كلمةً تُقال، ولا شعارًا يُرفع، بل هو عملٌ صادق، وإصلاحٌ مستمر، وحفظٌ للأمن، وبناءٌ للإنسان، قال الله -تعالى-: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس أنفعهم للناس»، فالوطن لا يُبنى بالكلام، بل بسواعد أبنائه، ولا يُصان بالشعارات، بل بالمسؤولية والوعي، فكونوا -يا شباب- عنصر بناء لا هدم، وأملًا يُرجى لا عبئًا يُخشى، وأيديَ تعمّر ولا تُخرّب، وتذكّروا أن صلاح الأوطان يبدأ من صلاح الشباب، وصدق أعمالهم، وإخلاصهم فيما يقومون به.
طريق الحق واحد واضح
قد تتعدد الطرق، وتتشابه الشعارات، لكن طريق الحق واحد وواضح، قال الله -تعالى-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} (الأنعام: 153)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي»، فاجعل حياتك وتوجهاتك وآراءك منضبطة بالوحي، فهو بوصلتك في الحياة، ومن فقد البوصلة، أضاع الطريق ولو سار كثيرًا.الشباب والشعور بالمسؤولية
الشابُّ الحقّ هو من يرى نفسه مسؤولًا، ولو لم يُكلف، ومُؤتمَنًا، ولو لم يُسأل، قال الله -تعالى-: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (الصافات: 24)؛ فالمسؤولية ليست منصبًا؛ بل وعيٌ واستجابة، والشعور بالمسؤولية هو أول طريق الإصلاح، ومن لا يحمل همّ نفسه لن يحمل همّ أمته.لا تنسَ أصل الطريق..
وسط الانشغال بالقضايا الكبرى، قد يغفل بعض الشباب عن أعظم قضية: ألا وهي: علاقته بالله، قال الله -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «احفظ الله يحفظك»، فلا قيمة لإصلاح الخارج مع خراب الداخل، صلاتك، وذكِرك، وخلواتك، هي زادك في كل ميدان، واعلم أنّ، من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، وبارك في أثره.بين الحماس والحكمة
ليس كل اندفاع بطولة، ولا كل هدوء ضعفًا، إنما الشأن أن تضع قدمك حيث ينبغي، وتتكلم حين يجب، فاحذر أن يقودك الحماس إلى خطأ، أو يمنعك الخوف من صواب، واعلم أن الحكمة ميزانٌ يحفظ طاقة الشباب من أن تُهدر في غير موضعها.تنبيهات للشباب بعد رمضان
ليس الخطر أن ينتهي رمضان، بل أن تنتهي معه الطاعة، ويُطوى معه أثرُه في القلوب، فكم من شابٍ كان قريبًا ثم ابتعد، وكان مقبلًا ثم أدبر، قال الله -تعالى-: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} (النحل: 92)، أي لا تهدموا ما بنيتم، ولا تُضيّعوا ما اجتهدتم فيه، ومن أبرز ما يُؤسف له بعد رمضان أن نرى ما يلي:- الانتكاس بعد الاستقامة: فيعود بعض الشباب إلى ما تركوه من تقصير، وكأن رمضان كان محطةً مؤقتة، لا بداية طريق، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ).
- هَجْر القرآن: فبعد أن كان القرآن رفيقًا يوميًا، يُهجر ويُترك! قال الله -تعالى-: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (الفرقان: 30).
- الرجوع إلى الغفلة: فتجد الشاب يضيع وقته في سهر بلا فائدة، وانشغالٌ بلا هدف، فيضيع عمره الذي كان يشغله بالطاعة.
- التهاون في الصلاة: فبعد أن كانت في وقتها، وربما في المسجد، تعود إلى التأخير أو التضييع، وهي أول ما يُسأل عنه العبد.
- الجرأة على المعصية: فبعد صفاء القلب، يعود البعض لما كان عليه من التكاسل وهجر القرآن، وكأن شيئًا لم يكن!!.
لاتوجد تعليقات