رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: اللجنة العلمية في الفرقان 30 مارس، 2026 0 تعليق

هدي النبي -رضي الله عنه – في دعاء الخطب المنبريَّة

  • كان دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمات قصيرة غنية بالمعاني تصل إلى القلوب مباشرة دون تكلف
  • لا يليق بالدعاء أن يتحوّل إلى خطاب يثير الفتنة أو يؤجّج الفرقة بين المسلمين أو أن يُخصّص به أشخاص أو فئات بغير مسوّغ شرعي أو مصلحة ظاهرة
  • يجب أن يكون الدعاء واضحًا وسهل الفهم للجميع جامعًا للقلوب شاملاً لكل المسلمين
 

حين يقف الخطيب على منبر الجمعة، يقف في مقامٍ عظيم، مقامٍ تُرفع فيه الأكفّ وتُرجى فيه الإجابة، ويكون الدعاء فيه ترجُمانًا صادقًا لما في القلوب، فالدعاء يحمل آلام الأمَّة وهمومها، ويحوّلها إلى كلمات تتوجه إلى الله مباشرة بلا واسطة من نبيٍّ أو وليٍّ، مستحضرةً وعد الله -سبحانه-: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}, وفي هذا المقام يلتقي الرجاء باليقين، فتشعر النفس بالطمأنينة والسكينة، ويشتد شعور المؤمن بالافتقار والخضوع، ويعلو قلبه الخشوع والإخلاص، فيصبح الدعاء صلةً صادقة بين العبد وربه، يذكّر القلوب بحاجتها الدائمة وافتقارها إلى الله، ويغدو وسيلةً للارتقاء بالروح نحو ربّها -جلّ وعلا-.

أولاً: معالم هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء

        كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه أثناء الخطب أنموذجًا ربانيا بديعًا، يُجسّد الصدق في التوجّه، ويجمع بين جوامع الكلم وحسن الاختيار، فلا يطيل بما يُشغل السامع عن المقصود، ولا يختصر بما يُخل بالمعنى، كان دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - ميزانًا يُهتدى به، ونبراسًا يقتفي أثره كل خطيب يرجو القبول والتأثير، فلا يخرج عن دائرة الصدق واليقين في الطلب من الله، ويُحقق الغاية الأسمى من الدعاء: الخشوع والطمأنينة، والرجاء في استجابة رب العالمين، ومن أهم معالم هديه - صلى الله عليه وسلم - في دعائه ما يلي:

(1)  الابتعاد عن إثارة الفتن

       حيث كان من هديه - صلى الله عليه وسلم - في دعائه أنه يبتعد عن كل ما يثير الفتن أو يوقظ الخلاف والشقاق بين الناس، فكان يكثر من قوله: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الفِتَنِ، ما ظهَرَ منها، وما بطَنَ»، فلا يتكلف في ألفاظه، ولا يأتي بعبارات غامضة يصعب على الكبير والصغير فهمها، بل كان دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - واضحًا جامعًا، يفهمه الجميع، وتطمئن إليه القلوب، فيجمع ولا يفرق، ويؤلف ولا ينفّر.

(2)  البلاغة والبساطة

        لقد تجلّت في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة أسمى معالم البلاغة وروعة البساطة؛ إذ كان يختار ألفاظه بعناية فائقة، كلمات قليلة لكنها ثرية بالمعاني؛ فكل لفظ يحمل في جوفه عمقًا من الطلب والتضرع والإخلاص، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ اغفِرْ لِي، وارحَمْنِي، واهدِنِي»، فتنبثق من هذه الجمل القصيرة كنوز المعاني، وتصل إلى القلوب مباشرة بلا حواجز، وكان دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - صادقًا، بعيدًا عن التصنع أو التكلف، فلا تجد فيه سجع الكهان، ولا تصنّع المتظاهرين بالكلام، بل كانت كلمات تعبر عن صدق المشاعر وقوة التوجّه، مفهومة لكل سامع، سهلة الإدراك، لا تحتاج إلى تأويل أو شرح.

(3)  تنويع مضامين الدعاء وشموليته

       لم يكن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - محصورًا في مطلب دنيوي أو رغبة فردية، بل كان جامعًا بين خيري الدنيا والآخرة، روى البخاري من حديث أنس بن مالك قال: «كان أكثَرُ دُعاءِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: اللهُمَّ رَبَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسَنةً، وفي الآخِرةِ حَسَنةً، وقِنا عَذابَ النَّارِ»؛ فتتجلّى في هذا الحديث سموّ العلاقة بين العبد وربّه، ويصبغ كل كلمة من ألفاظه بمعاني العبودية والارتباط بالله، فكان دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - مرآة للقلوب، ومصدرًا للهداية، يعلّم المسلم كيف يوجّه قلبه وعقله نحو الله بصراحة وإتقان، جامعًا بين البلاغة والصدق، وبين المعنى العميق والسلاسة، وبين التضرع الخاص والخير العام.

(4) دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته كل صلاة

       من عظيم صور حب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته: دعاؤه لها في صلاته، فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لما رأيتُ من النبي - صلى الله عليه وسلم - طِيب نفس قلت: يا رسول الله، ادع الله لي، فقال: اللهم اغفر لعائشة ما تقدَّم من ذنبها وما تأخر، وما أسرَّتْ وما أعلنتْ، فضحكت عائشة -رضي الله عنها- حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيسرُّك دعائي؟ فقالت: وما لي لا يسرُّني دعاؤك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: والله إنها لدعوتي لأمَّتي في كل صلاة» رواه ابن حبان وحسنه الألباني. كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع الكرب وتفريج المحن، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان إذا حزبه أمر، يقول: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش العظيم» هذا دعاء الكرب، وكان يستعين بالصبر والصلاة، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وصلى ما تيسر -عليه الصلاة والسلام- عملًا بقول الله -جل وعلا-: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} (البقرة:45).

(5) جوامع الكلم

        كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرّى في ألفاظه جوامع الكلم، فينتقي من العبارات ما شهد له الشرع بالصدق والكمال، جامعًا بها خيري الدنيا والآخرة، بعيدًا عن التكلف والافتعال، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَستحِبُّ الجَوامِعَ مِن الدُعاء، ويَدَعُ ما سِوى ذلك». كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وبِكَ آمنْتُ، وعليكَ توَكَّلْتُ، وإلَيكَ أنَبْتُ، وبِكَ خاصَمْتُ، اللَّهُمَّ أعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لا إلَه إلَّا أنْتَ أنْ تُضِلَّنِي، أنْت الْحيُّ الَّذي لا تمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يمُوتُونَ» متفق عليه.

(6)  الأدب الرفيع

        كان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه في الخطبة أنه يجري على سنن من الأدب الرفيع، تضبط الدعاء بروح العبودية وتكسوه جلال التوجّه إلى الله؛ فليس الدعاء عنده كلمات تُتلى، بل تضرّع يخرج من قلب حاضر ممتلئ إخلاصًا وخضوعًا؛ لذلك كان يفتتحه بالثناء على الله وتمجيده، اعترافًا بكمال ربوبيته واستحضارًا لعظيم فضله؛ إذ هي من أعظم ما يُمهَّد به لقبول الدعاء، «سمعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يَدْعُو في صلاتِهِ فلمْ يُصَلِّ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: عَجِلَ هذا، ثُمَّ دعاهُ فقال لهُ أوْ لغيرِهِ: إذا صلَّى أحدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ والثَّناءِ عليهِ ثُمَّ لَيُصَلِّ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ لَيَدْعُ بَعْدُ بِما شاءَ».

ثانيًا: محاذير الدعاء في الخطاب النبوي

       ومع ما عُرف عن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - من صفاء اللفظ وصدق التوجّه، فإن هديه دلّ كذلك على جملة من الأمور التي ينبغي أن يتجنَّبها الخطيب في دعائه، صونًا لهيبة المقام وحفظًا لروح العبادة من الانحراف عن مقصودها.

(١) التحذير من الاعتداء في الدعاء

        ومن الضوابطِ المهمَّةِ للدعاء أن يحذر المسلمُ من الاعتداء فيه، والاعتداءُ هو تجاوز ما ينبغي أن يُقتصرَ عليه، يقول الله -تعالى-: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} ، فأرشد -تبارك وتعالى- في هذه الآيةِ الكريمةِ عبادَه إلى دعائه الذي هو صلاحُ دينهم ودنياهم وآخرتهم، ثمَّ نهاهم -سبحانه- في هذا السياق عن الاعتداء بإخباره أنَّه لا يحبُّ المعتدين، فدلَّ ذلك على أنَّ الاعتداء مكروهٌ له مسخوطٌ عنده، لا يُحبُّ فاعلَه، ومن لا يحبُّه الله فأيُّ خيرٍ ينال، وأي فضلٍ يُؤمِل؟ ثمَّ إنَّ النهيَ عن الاعتداء في الآية وإن كان عاما يشملُ كلَّ نوع من الاعتداء، إلاَّ أنَّه لمجيئِه عقِب الأمر بالدعاء يدلُّ دلالةً خاصة على المنع من الاعتداءِ في الدعاء والتحذير منه، وبيانِ أنَّ الدعاءَ المشتملَ على الاعتداء لا يحبُّه الله من عباده ولا يرضاه لهم؛ ولهذا روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: {إنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} قال: «في الدعاء لا في غيره»، وعن قتادة في معنى الآية قال: «اعلموا أنَّ في بعض الدعاء اعتداء فاجتنبوا العدوان والاعتداء إن استطعتم ولا قوة إلاَّ بالله».

(٢)  تجنب الإطالة

       فليس من السنة أن يطيل الخطيب في الدعاء إطالة تُثقِل على السامعين وتقطع اتصالهم بالمعنى، بل المشروع أن يكون الدعاء معتدلًا، جامعًا، يختار فيه من الألفاظ ما يوجز المعنى ويغنيه، دون إسهاب ممل أو تفصيل متكلّف.

(٣) عدم التكلف

       كما يُجتنب التكلف في السجع والمحّسنات اللفظية، والتصنّع في العبارة؛ فإن الدعاء مقام تضرّع لا موطن استعراض للبلاغة، وكان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه الصدق والبساطة البعيدة عن زخرف القول. ويدل لهذا قول ابن عباس: «انظر السجع في الدعاء فاجتنبه؛ فإني عهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك، يعني لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب». وقال ابن حجر في الفتح عند قوله: «... وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده» قال : «هو من السجع المحمود، والفرق بينه وبين المذموم، أن المذموم ما يأتي بتكلف واستكراه، والمحمود ما جاء بانسجام وإتقان».

مدرسة ربانية شاملة

       لقد كان دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - مدرسة ربانية شاملة، يتمثل فيها الأدب الرفيع، وتنسجم فيها الكلمات مع القلوب، وتتلاقى المعاني مع الأفعال، ويظهر فيها أسمى صور التوجّه الصادق، والرجاء الخالص، والطمأنينة التي تغمر النفوس، فتصبح كل كلمة من دعائه - صلى الله عليه وسلم - جسرًا يربط بين الدنيا والآخرة، ويهدي المسلمين إلى أسمى صور العلاقة بين الإنسان وخالقه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك