رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 11 فبراير، 2026 0 تعليق

تراجع الـقيم يهدد تماسك الأسرة والمجتمع  – الحلقة الثانية –

الخبير التربوي والأسري

د. صالح السعيد: تعليم الأبناء أدب الاختلاف واحترام الآخر وضبط الغضب يعد صِمَام أمان يحول دون التفكك والصراعات المزمنة

  • يكمن الفرق بين الخلاف والصراع داخل الأسرة في حسن الإدارة وإقامة العدل والمسارعة إلى الإصلاح وترسيخ قيم الرحمة وصلة الرحم
  • العدل بين الأبناءيورث الألفة ويقي العلاقات الأسرية من التصدّع والانهيار
  • تراجع قيم الصدق والوفاء والصبر والتسامح والاحترام المتبادل يفضي إلى هشاشة العلاقات ويقوّض دعائم الاستقرار داخل الأسرة
  • يؤدّي غياب حسن التعبير وضعف الإنصات وفقدان ضبط الانفعال إلى سوء الفهم وتضخيم الخلافات وفساد النوايا
  • أي خلل في منظومة القيم أو التواصل داخل الأسرة ينعكس مباشرة على تماسك المجتمع ويهدّد أمنه النفسي والاجتماعي
  • أسهم التواصل الرقمي في تراجع لغة الجسد وازدياد احتمالات سوء الفهم وتسارع ردود الأفعال وتفاقم الخلافات لأسباب يسيرة
  • أدّت ثقافة المقارنات إلى تنامي مشاعر القلق وعدم القناعة وأفرزت توترات بين الأزواج وبين الأبناء ووالديهم
  • كان لوسائل التواصل أثر سلبي على الأسرة عقديا ونفسيا وصحيا واقتصاديًا بما يستدعي وعيًا تربويًا رشيدًا يُحسن توظيفها ويحدّ من آثارها
 

في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات الاجتماعية، وتتبدّل فيه أنماط التواصل، وتزداد فيه التحديات التي تواجه الأسرة والعلاقات الإنسانية، باتت الخلافات الأسرية، وضعف الروابط الاجتماعية من أبرز القضايا التي تشغل بال الأسر والمربين وصنّاع الوعي، ومع تصاعد أثر العالم الرقمي، وتراجع الحوار الهادئ، وتداخل القيم مع المهارات، أصبح السؤال عن كيف نختلف دون أن نتخاصم؟ وكيف نتحاور دون أن نتصادم؟ سؤالًا ملحًّا لا يمكن تجاهله، في هذا السياق، تأتي حلقتنا الثانية في حوارنا مع الخبير التربوي والأسري د. صالح السعيد، الذي يقدّم قراءة متأنية لواقع العلاقات الأسرية والاجتماعية، مستندًا إلى رؤية تربوية واعية، تجمع بين القيم الأصيلة، والفهم النفسي، في محاولة للإجابة عن أسئلة شائكة تتعلق بإدارة الخلاف، وبناء الاحترام، وفهم أسباب أزمة العلاقات في مجتمعاتنا، وأثر وسائل التواصل الاجتماعي على الأسرة والمجتمع.

  بسؤال الشيخ عن كيفية إدارة الخلافات الأسرية بطريقة تربوية قال:  الخلافات داخل الأسرة أمرٌ طبيعيٌّ ومتوقَّع، لا تخلو منه أي أسرة، سواء في بدايات التكوين، أو في منتصف مسيرتها، أو حتى في مراحلها المتقدمة بعد كِبر الأبناء والآباء؛ فالأسرة السويّة ليست تلك التي تخلو من الخلاف، وإنما تلك التي تحسن إدارة الخلاف، ولا تسمح له أن يتحول إلى صراع، ولا تتركه يتراكم حتى يُمزِّق الروابط ويُفسد القلوب؛ لذلك لابد أن يكون لدينا الوعي الكافي بكيفية منع تحوّل الخلاف إلى صراع.

 العدل منذ اللحظة الأولى

       منذ اللحظات الأولى لتكوين الأسرة، تقع على عاتق الوالدين مسؤولية غرس العدل بين الأبناء، والمبادرة إلى حل الخلافات التي تنشأ بينهم، دون محاباة أو تفضيل؛ فلا يُقدَّم ابن لكِبر سنه، ولا يُفضَّل ذكر على أنثى، ولا يُميَّز صاحب شهادة أو منصب على غيره؛ لأن التمييز يولّد الغِلّ، ويزرع بذور الصراع في النفوس، والعدل بين الأبناء أصلٌ شرعي وتربوي، وهو من أعظم أسباب دوام الألفة وسلامة الصدور.

  ترسيخ قيم الرحمة وصلة الرحم

       من المهم تذكير الأبناء دائمًا بقيم الرحمة، وصلة الرحم، وأن الإخوة من أقرب الأرحام، جمعهم دم واحد، وربطتهم رحم واحدة، فلا يليق أن تتحول الخلافات بينهم إلى قطيعة أو عداوة، ويُذكَّرون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه»؛ لتظل هذه المعاني حاضرة في وجدانهم عند كل خلاف.

المبادرة إلى حل الخلاف

        ومن أعظم ما يُغرس في نفوس الأبناء ما يمكن تسميته بـ(الخلطة التربوية السحرية)، ورأسها: المبادرة إلى حل الخلاف، وعدم تركه يتفاقم، ويُعلَّمون أن الشريعة نهت عن الهجران، حتى بين المسلمين غير المتقاربين، فكيف بالإخوة؟ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»؛ فالمبادرة إلى الإصلاح ليست ضعفًا، بل قوة، وهي باب لإغلاق مداخل الشيطان قبل أن يُؤجّج النزاع.

التربية على إدارة الخلاف لا إنكاره

       الخلاف لا يُلغى، ولا يُنكر، لكنه يُدار بحكمة، ويُضبط بضوابط شرعية وأخلاقية، فتعليم الأبناء كيفية التعبير عن الاختلاف، وضبط الغضب، واحترام الآخر، والعودة إلى الحق، هو صمام أمان يحفظ الأسرة من الانزلاق إلى صراعات مزمنة. وعن دور الأسرة في تكوين قدرة الفرد على التعامل مع الاختلاف واحترام الآخرين قال السعيد:  تؤدي التنشئة الأسرية دورًا جوهريا في بناء شخصية الفرد، وصياغة نظرته للخلاف، وتحديد أنماط تعامله مع الآخرين؛ إذ تمثّل الأسرة البيئة الأولى التي يتكون فيها الوعي، وتُغرس فيها القيم، وتُمارَس فيها أساليب الحوار أو الإقصاء؛ فالفرد الذي ينشأ في أسرة يسودها الاحترام المتبادل، ويُدار فيها الخلاف بهدوء وحكمة، يكون أقدر على تقبّل التنوع، واحترام الرأي الآخر، والتعايش مع المخالف بوعيٍ ونضج. وقد قرّر القرآن الكريم أصل الاختلاف بوصفه سنّة كونية، فقال -تعالى-: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود: 118)؛ ما يرسّخ في الوعي أن الاختلاف في ذاته ليس شرًّا، وإنما المذموم هو سوء إدارته وتحويله إلى خصومة وعداء.

الأسرة الواعية

        فالأسرة الواعية التي تدرك طبيعة الاختلاف بين البشر، سواء بين الزوجين، أو الإخوة، أو الآباء والأبناء، وتربي في أبنائها أن الخلاف لا يعني القطيعة، ولا يسوغ الإساءة، ولا يُحوّل تعدّد الآراء إلى معركة لإقصاء الآخر أو إسقاطه، وحين تُغرس في البيت قيم المعاملة الحسنة، وأدب الحوار، والأصول الإسلامية في إدارة الخلاف، يتعلّم الأبناء عمليا آداب الخلاف، فتتكوّن لديهم شخصية متّزنة، تحترم التنوع، وتُحسن التعبير، وتعرف حدود الخلاف وضوابطه الشرعية، وقد جسّد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المنهج في تعامله، فكان مثالًا أعلى في الرفق والحلم، حتى قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، ولا نُزع من شيءٍ إلا شانه»، وقال أيضًا: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله».

الأسرة التي يسودها العنف

        في المقابل، يصعب أن يُنتظر من أبناء نشؤوا في أسرة يسودها القمع، أو تُدار خلافاتها بالعنف، أو بالسباب والإهانة، أن يُحسنوا احترام الرأي الآخر؛ فالأسرة التي لا تعترف بالخلاف أصلاً، ولا ترى إلا رأيًا واحدًا مفروضًا بالقوة، ولا سيما إذا كان ربّ الأسرة سلطويا، يعتمد الضرب والإذلال وسيلةً للتربية، تُخرّج أفرادًا لا يؤمنون بالحوار، ولا يُجيدون إدارة الاختلاف، بل يميلون إلى العنف اللفظي أو الجسدي، وتسفيه الآخرين، وإقصائهم، وهذا يتعارض صراحةً مع الهدي النبوي؛ إذ لم يكن رسول الله -[- فاحشًا ولا متفحّشًا، بل قال: «ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء».

أزمة العلاقات الاجتماعية

        وعن أسباب أزمة العلاقات الاجتماعية اليوم قال السعيد:  أزمة العلاقات الاجتماعية المعاصرة لا تعود إلى سبب واحد، بل هي نتاج تداخل عاملين رئيسين: ضعف القيم من جهة، وغياب مهارات التواصل من جهة أخرى؛ فكلاهما يسهم - بدرجات متفاوتة - في إضعاف النسيج الاجتماعي وتشويه العلاقات الإنسانية، فضعف القيم يسهم بطريقة أساسية في أزمة العلاقات الاجتماعية؛ حيث يشهد الواقع تراجعًا في جملة من القيم الأساسية التي تقوم عليها العلاقات السليمة، مثل الصدق، والوفاء، والصبر، والتسامح، واحترام الآخر، وتغليب المصلحة العامة على الأنانية الفردية، وحين تختل هذه القيم، تختل معها البوصلة الأخلاقية التي تضبط السلوك الإنساني؛ فالقيم هي الإطار الناظم لأي تواصل، وإذا غابت، تحوّل التواصل - مهما بلغت مهاراته - إلى أداة للسيطرة، أو المجاملة الزائفة، أو الجدل العقيم، بدل أن يكون وسيلة للتقارب وبناء الثقة. كما إنَّ غياب مهارات التواصل يُعد من أبرز أسباب التوتر وسوء الفهم بين الناس، كثيرًا ما يُراد معنى، ويُفهم على غير وجهه، أو يصدر سلوك بلا شرح، فيُحمَّل نياتٍ لم تُقصَد، فتُبنى عليه ردود أفعال خطأ، وسلوكيات متشنجة، سواء كان ذلك في التواصل اللفظي، أو الكتابي، أو حتى غير اللفظي، وكثير من الناس نياتهم طيبة، لكنهم لا يُحسنون التعبير عن هذه النية، أو لا يعرفون كيف يستمعون، أو متى يتحدثون، فيقعون في أخطاء تواصلية تفسد علاقاتهم، رغم سلامة مقاصدهم.
  • لماذا تبدو أزمة العلاقات أكثر وضوحًا في مجتمعاتنا؟
  • لأن آليات التواصل تغيّرت جذريا مع هيمنة التواصل الرقمي؛ فقد قلّت لغة الجسد، وضعف حضور الصوت والنبرة، مع أن نسبة كبيرة من فهم الرسائل الإنسانية - قد تصل إلى 50% أو أكثر - تعتمد على هذه العناصر غير اللفظية، ومع غيابها، يصبح من الطبيعي أن تُفهم الرسائل الرقمية - ولا سيما في تطبيقات مثل (الواتساب) - على غير مقصودها؛ فتكثر الخلافات، حتى داخل المجموعات الأسرية والاجتماعية، كما أن سرعة التواصل قتلت التمهّل والتأمل في كلام الآخرين، وأضعفت مهارة التفكير قبل الرد، فازدادت حدة النزاعات وسوء الفهم.

آفة المقارنات

       وظهرت إلى جانب ذلك آفة جديدة، هي المقارنات عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يقارن الإنسان حياته الواقعية بما يُعرض من صور منتقاة وجزئيات مقتطعة من حياة الآخرين؛ ما يولد عدم الرضا، والقلق، والتوتر داخل الأسرة: الابن لا يرضى عن والديه، والزوجة لا ترضى عن زوجها، والزوج لا يرضى عن زوجته؛ لأن الصورة المعروضة ليست حقيقة كاملة، بل مشاهد مختارة ومجمّلة.

التربية المعاصرة

       ويُضاف إلى ذلك أن التربية المعاصرة ركّزت على الإنجاز والكفاءة الإنتاجية أكثر من تركيزها على الذكاء الاجتماعي وإدارة العواطف؛ فصار الإنسان ناجحًا مهنيًا أو علميا، لكنه ضعيف في إدارة علاقاته، عاجز عن التواصل الصحي؛ ما يفاقم الأزمات الاجتماعية.

وسائل التواصل وأثرها على العلاقات

  • ما أثر وسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات الأسرية والإنسانية قال السعيد:  لوسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات الأسرية والإنسانية أثرٌ عميق وكبير؛ إذ تحولت هذه الوسائل إلى قنوات مفتوحة تُدخل إلى الأسرة - صغيرها وكبيرها، المتعلم وغير المتعلم، الذكر والأنثى، المتزوج وغير المتزوج - كمًّا هائلًا من الأفكار والمضامين، بخطاب واحد موجّه للجميع، دون مراعاة للفروق العمرية أو النفسية أو الثقافية؛ ما أفرز تحديات اجتماعية وأسرية معقدة.

على المستوى الفكري والعقدي

        فعلى المستوى الفكري والعقدي، أسهمت وسائل التواصل في تسلل أفكار دخيلة على مجتمعاتنا، مثل بعض الطروحات الفكرية المنحرفة، التي تُقدَّم في صورة جذابة، وتصل إلى داخل البيوت دون حواجز أو رقابة واعية.

على المستوى الصحي والنفسي

       وعلى المستوى الصحي والنفسي، أثبت الواقع -بل والمصطلحات الطبية والنفسية الحديثة- أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، يرتبط بظهور مشكلات صحية ونفسية متعددة، من: اضطرابات النوم، والقلق، والإدمان الرقمي، إلى مشكلات جسدية كآلام الرقبة وإجهاد العينين. ومن أبرز هذه الظواهر ما يُعرف بـ الخوف من الانقطاع، حيث يعيش الإنسان في قلق دائم من فقدان الاتصال أو تفويت ما يحدث، فيبقى ملتصقًا بهاتفه على حساب راحته واستقراره.

على المستوى الاقتصادي

       أما اقتصاديا، فقد أسهمت وسائل التواصل في ترسيخ ثقافة الاستهلاك والمقارنات؛ إذ ينجرف كثير من الأفراد - ومنهم الأبناء - وراء الموضات والمشاهير؛ فينفقون أموالًا طائلة على تجارب أو منتجات لا تناسب ذائقتهم ولا احتياجاته؛ ما يُرهق ميزانيات الأسر، ويزيد من الضغوط المادية والنفسية، ويضاف إلى ذلك أن المقارنة المستمرة بين الحياة الواقعية وما يُعرض في وسائل التواصل تولّد شعورًا دائمًا بعدم الرضا، وتغذّي القلق والتوتر داخل الأسرة؛ ما ينعكس سلبًا على استقرارها، ويؤثر في تماسك المجتمع.  

وسائل التواصل سيف ذو حدّين

        وسائل التواصل الاجتماعي- رغم ما تحمله من فوائد- أصبحت سيفًا ذا حدين؛ فإن غاب الوعي، وضعفت القيم، وساءت مهارات التواصل، تحولت من أداة للتقارب إلى عامل تفكك، ومن وسيلة معرفة إلى مصدر اضطراب، لتترك أثرها العميق على استقرار الأسرة، وصحة العلاقات الإنسانية، وتوازن المجتمع بأسره.

أهم مقومات الأسرة السويَّة

        التربية القائمة على الحكمة، والرحمة، والقيم الراسخة، والمعرفة الواعية، هي التي تُثمر أفرادًا قادرين على التفاعل الإيجابي مع المتغيرات الاجتماعية، والتعامل مع الاختلاف بوعيٍ واحترام، دون تنازل عن المبادئ، أو تفريط في الثوابت، فيجمعون بين سعة الصدر، وثبات المبدأ.

الأسرة هي المدرسة الأولى

        الأسرة هي المدرسة الأولى لاحترام الاختلاف؛ فإن نجحت في غرسه قولًا وممارسة، خرج إلى المجتمع أفراد أسوياء، يُحسنون الحوار، ويتقبّلون التنوع، ويختلفون دون صراع، ويعارضون دون إساءة، وإن فشلت، حمل الأبناء ما تعلّموه داخل البيت إلى فضاء المجتمع، فتحوّل الاختلاف في سلوكهم من مساحة وعيٍ وبناء، إلى ساحة صدامٍ وإقصاء.

الخلافات الأسرية.. أمر طبيعي

        الخلافات الأسرية أمرٌ متوقَّع وطبيعي، تقع في كل الأسر- المتديّنة وغير المتديّنة، والغنية والفقيرة-، أما غير الطبيعي، فهو أن تتحول هذه الخلافات إلى صراعات دائمة، وعداوات مستحكمة، وقطيعة بين الإخوة داخل البيت الواحد، والطريق إلى الوقاية من ذلك هو: العدل، وغرس الرحمة، وتعليم المبادرة إلى الإصلاح، والتربية على هدي النبوة في إدارة الخلافات؛ لتبقى الأسرة ساحة مودة، لا ميدان صراع.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك