رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 11 فبراير، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيعُ التّمرِ مِثْلاً بمِثْل

  • في الحديث النَّهيُ عن الزِّيادةِ في كَيلٍ أو وَزْنٍ في الجنسِ الواحد على وجْه التَّفاضلِ والزِّيادةِ والنصّ على تحريم ربا الفَضْل
  • أحَلَّ اللهُ لعِبادِه التَّكسُّبَ بالبَيعِ وحرَّمَ الرِّبا ولذا فقدْ نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَعضِ المُعامَلاتِ حتَّى لا يَقَعَ الإنسانُ في الرِّبا
 

عنَّ أَبي هُرَيْرَةَ وأَبي سَعِيدٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا، واشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وكَذَلِكَ الْمِيزَانُ». الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1215) باب: بيع الطّعام مثلاً بمثل، ورواه البخاري في البيوع (2201) باب: إذا أرادَ بيع تمرٍ بتمرٍ خيرٍ منه، ومواضع أخرى.

        في هذا الحديثِ يَرْوي أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ وأبو هُريرةَ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ -[- اتَّخَذَ عاملاً، واسم هذا العامل: سَواد بن غزية بن وهب البَدْري البلوي، حليف الأنصار، وقيل: مالك بن صَعْصعة الخزرجي، ذكره الخطيب، وجزم ابن بشْكوال بالأول.

قوله: «فاسْتَعْملَه على خَيبَرَ»

         «خَيبَرَ» مَنطقةٌ شَمالَ المَدينةِ النبويةِ، كان بها حُصونٌ لليَهودِ، وفُتِحَت بعْدَ صُلْحِ الحُدَيبيةِ، في أوَّلِ المُحرَّمِ سَنةَ سَبْعٍ مِن الهِجرةِ، وقوله: «فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ» أي: أَتَى سَوَادٌ - رضي الله عنه - إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «بتَمرٍ جَنيبٍ» وهو نَوعٌ جيِّدٌ مِنْ أنواعِ التَّمرِ، وقيل: الصُّلْبُ منه، فسَأَلَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أكُلُّ تَمْرِ خَيْبرَ هكذا؟». فقال الرجُلُ: «لا واللهِ يا رَسولَ الله، إنَّا لنَأخُذُ الصَّاعَ» أي: مِن الجَنيب، بالصَّاعين، «منَ الجَمْع» أي: مِنَ التَّمرِ الرَّديءِ، وهو كلُّ نوعٍ مِنَ التّمر لا يُعرف اسمه، أو تمر مُختلط منْ أنواعٍ متفرّقة، وليس مرغوبًا فيه وما يخلط إلا رداءته، وفسّره في المصباح: بالدقل، وهو أرْدأ أنواعِ التّمْر، وفسَّره في القاموس: بالنّخل الذي يَخرجُ مِنَ النّوى لا يُعرف اسْمه. وفي رواية: «والصَّاعينِ مِن الجَنيبِ بالثَّلاثةِ» وقع في بعض الروايات بـ«الثلاث» بغير هاء. والصّاع يذكّر ويؤنّث.

لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ

        قوله: «لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ» أي: فنَهاهُ - صلى الله عليه وسلم - عن أنْ يَفعَلَ هذا، وفي رواية له وللبخاري: «أوّه أوّه، عَينُ الرّبا» مرّتين، وقوله: «أَوْ بِيعُوا هَذَا، واشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وكَذَلِكَ الْمِيزَانُ» أي: وَجَّهَه لأنْ يَبِيعَ التَّمرَ الرَّديءَ بالدَّراهمِ، ثمَّ يَشْتريَ بالدَّراهمِ تَمْراً جَنيباً؛ ليَكونَا صَفقتَينِ؛ وذلك حتَّى لا يَقَعَ في رِبا الفضْلِ، وهو: بَيعُ النُّقودِ بالنُّقودِ متفاضلاً، أي: مع الزِّيادةِ، أو الطَّعامِ بالطَّعامِ مع الزِّيادةِ، وهو ربا مُحرَّمٌ، وقد نصَّ الشَّرعُ على تَحريمِه في سِتَّةِ أشياءَ: ففي صَحيحِ مُسلمٍ: قال رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثلًا بمِثلٍ، سَواءً بسَواءٍ، يدًا بيَدٍ، فإذا اختَلَفَت هذه الأصنافُ فَبِيعوا كيف شِئتُم إذا كان يَدًا بيَدٍ».

تحريم التّفاضلُ في الجِنْس الواحد

        قوله: «وكَذَلِكَ المِيزَانُ» أي: يَحْرمُ التّفاضلُ فيه أيضًا في الجِنْس الواحد، قال ابن عبد البر: المِيزانُ، وإنْ لمْ يذكره مالك فهو أمرٌ مُجمعٌ عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كلّ يقوله على أصله، إنّ ما داخله في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة؛ لمْ تَجزْ فيه الزيادة والتفاضل، لا في كيلٍ ولا في وَزْن، والوزنُ والكيلُ عندهم في ذلك سَواء، إلا ما كانَ أصْلُه الكيل؛ لا يُباعُ إلا كيلاً، وما كان أصْلُه الوَزْن؛ لا يُباعُ إلا وَزْناً، وما كانَ أصْلُه الكيلُ فبيعَ وَزْناً؛ فهو عندهم مُمَاثلة، وإنْ كرِهُوا ذلك، وما كان موزوناً؛ فلا يجوز أنْ يُباع كيلاً عند جميعهم، لأنّ المماثلة لا تُدْرك بالكيل، إلا فيما كان كيلاً لا وزناً، اتباعاً للسُّنّة، وأجْمعوا أنّ الذّهبَ والوَرِق والنُّحاس وما أشبه، لا يجوزُ شيءٌ مِنْ هذا كلّه كيلاً بكيل، بوجهٍ مِنَ الوجُوه، والتمرُ كلّه على اختلاف أنواعه جنسٌ واحد، لا يجوز فيه التفاضلُ في البيع والمُعَاوضة، وكذلك البُر والزّبيب، وكلّ طعامٍ مَكيل، هذا حُكمُ الطّعام المُقْتَات عند مالك، وعند الشافعي: الطعام كلّه مُقْتات، أو غير مُقْتات، وعند الكوفيين: الطّعام المكيل والموزون دون غيره. انتهى.

مَنْ لمْ يقلْ بسدّ الذّرائع

        قال القرطبي: استدلّ بهذا الحديث مَنْ لمْ يقلْ بسدّ الذّرائع؛ لأنّ بعض صور هذا البيع يُؤدّي إلى بيع التّمر بالتمر متفاضلاً، ويكون الثمن لغزاً، قال: ولا حُجّة في هذا الحديث؛ لأنّه لمْ ينص على جواز شِراء التمر الثاني ممّن باعه التّمر الأول، ولا يتناوله ظاهر السياق بعُمومه بل بإطلاقه، والمُطْلق يحتمل التقييد إجْمالاً، فوجبَ الاسْتِفسار، وإذا كان كذلك فتقييده بأدنى دليلٍ كاف، وقد دلّ الدليل على سدّ الذرائع؛ فلتكنْ هذه الصّورة ممنُوعة. واستدلّ بعضهم على الجواز: بما أخرجه سعيد بن منصور: من طريق ابن سيرين: «أن عُمر خَطبَ فقال: إنّ الدّرهم بالدّرهم سواءً بسواء، يداً بيد»، فقال له ابن عوف: فنُعطي الجَنيب ونأخذ غيره؟ قال لا، ولكن ابتع بهذا عرضاً، فإذا قبضته وكان له فيه نية؛ فاهْضِم ما شئت، وخُذْ أيّ نقدٍ شئت». واستدلّ أيضاً: بالاتفاق على أنّ مَنْ باع السّلْعة التي اشْتراها ممّن اشتراها منه بعد مدة؛ فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل في ذلك والتأجيل، فدلّ على أن المعتبر في ذلك: وجود الشرط في أصل العقد وعدمه؟ فإنْ تشارطا على ذلك في نفْسِ العقد؛ فهو باطل، أو قبله ثمّ وقع العقد بغير شرطٍ؛ فهو صحيح، ولا يخفى الورع. وقال بعضُهم: ولا يضرّ إرادة الشّراء إذا كان بغير شَرْط، وهو كمَنْ أرادَ أنْ يَزْني بامرأةٍ ثمّ عدل عن ذلك، فخَطَبها وتزوجها، فإنّه عَدَلَ عن الحَرَام إلى الحلال؛ بكلمة الله التي أباحها، وكذلك البيع، والله أعلم.

 من فوائد الحديث:

  • النَّهيُ عن الزِّيادةِ في كَيلٍ أو في وَزْنٍ، في الجنسِ الواحد على وجْه التَّفاضلِ والزِّيادةِ، والنصّ على تحريم ربا الفَضْل.
  • وفيه: أنَّه كان مِن عَادةِ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نَهى عن شَيءٍ له بَديلٌ مِن المُباحِ؛ أنْ يَذكُرَ هذا البديلَ، وهو مِنْ رفقه - صلى الله عليه وسلم - بالأمة.
  • وفيه: أنَّ مَن لم يَعلَمْ بتَحريمِ الشَّيءِ؛ فلا حرَجَ عليه حتَّى يَعلَمَه، قال تعالى: {وما كنّا مُعذّبينَ حتّى نَبْعثَ رَسُولا} (الإسراء: 15).
  • قام الإجماع على أنّ البيع إذا وقع مُحرّماً؛ فهو مفسوخٌ مَرْدُودٌ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمْرُنا؛ فهُو رَدٌّ». وفي (صحيح مسلم): «فردُّوه».
  • أحَلَّ اللهُ لعِبادِه التَّكسُّبَ بالبَيعِ، وحرَّمَ الرِّبا، ومِنْ ثَمَّ فقدْ نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَعضِ المُعامَلاتِ التِّجاريةِ؛ حتَّى لا يَقَعَ الإنسانُ في الرِّبا صَراحةً أو ضِمناً.
  • وفيه: اختيار طيّب الطعام.
  • جواز الوَكالة في البيع وغيره.
  • وفيه أنّ البُيوع الفاسدة تُردّ.
  • بُطلان عقود بيع الرّبا.
  • الحِرْصُ على تعليم الناس أمُور الدّين لمَنْ يجهلها.
  • عنايةُ وليّ أمْر المسلمين بشؤونِ دينهم، وتعليمهم ما يَجهلونه من ذلك.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك