رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 3 فبراير، 2026 0 تعليق

الأربعون الوقفية  الموجزة 7 .. حِرص الصحابة على الوقف

  • حَرَص صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على حبس الدّور ووقفها والآبار والبساتين وذلك اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم
  • الوقف عبادة ظاهرة معلومة عند الصحابة الكرام رضي الله عنهم والسلف الصالح من بعدهم على مرّ العصور
  • سعى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في أوقافهم للوصول إلى أكبر عدد من المستفيدين فاتسعت أوقافهم وتنوعت

منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ، فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أشكاله وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.

الحديث السابع

        قال جابرٌ - رضي الله عنه -: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- ذُو مَقْدِرَةٍ إِلَّا وَقَفَ»، هذا حديث موقوف على الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه -؛ الذي نص في عبارة جامعة على ما بذله صحابة رسول الله من مالهم في البر والإحسان، والوقف على وجه الخصوص، وأورد ابن قدامة المقدسي في كتابه «المغني» ذلك الأثر بأن جابرًا قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ذا مقدرة إلا وقف، وهذا إجماع منهم؛ فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف، واشتهر ذلك ولم ينكره أحد، فكان إجماعاً، وقال الترمذي: لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافًا في جواز وقف الأرضين.

أحكام الأوقاف

       وروى الخصّاف في «أحكام الأوقاف» عن محمد بن عبد الرحمن عن سعد بن زرارة - رضي الله عنه - قال: ما أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -من أهل بدر ومن المهاجرين والأنصار- إلا وقد وقف من ماله حبساً، لا يشترى، ولا يورث، ولا يوهب، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأكد ذلك القرطبي بقوله: إن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص والزبير وجابرًا كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة.

أوقاف الصحابة -رضي الله عنهم-

        واستدل أهل العلم على أوقاف الصحابة بوقف ابن عمر -رضي الله عنهما- حينما وقف نصيبه من دار عمر -رضي الله عنهما- سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله، ووقف أنس‏ بن مالك دارًا له بالمدينة، فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره، وتصدق الزبير بدوره، وقال للمردودة -أي: المطلقة- من بناته: أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق، وكذلك فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حينما تصدقت بمالها على بني هاشم وبني المطلب، وكذلك عليًّا - رضي الله عنه - تصدق عليهم، وأدخل معهم غيرهم، وحبس زيد بن ثابت - رضي الله عنه - داره التي في البقيع، وداره التي عند المسجد.

وفرة أوقاف الصحابة

       وللدلالة على وفرة أوقاف الصحابة قال الشافعي: بلغني أن ثمانين صحابيّاً من الأنصار تصدقوا بصدقات مُحرمات، والشافعي يسمي الأوقاف: الصدقات الُمحرمات، وقال ابن حزم: وسائر الصحابة جملة صدقاتهم بالمدينة أشهر من الشمس، لا يجهلها أحد.

        وقد جاء في الحديث والسير: أن كل من كان له مال من الصحابة -رضي الله عنهم- وقف من ماله؛ إما وقفًا ذريًّا خاصًّا أو عاما، ومن ذلك: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - وقف داره بمكة على ولده، وعمر - رضي الله عنه - وقف ربعة عند المروة وبالثنية على ولده، وتصدق بماله الذي بخيبر ووادي القرى، وغير ذلك، وعثمان بن عفان - رضي الله عنه - وقف بئر رومة؛ فهي وقف إلى اليوم، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقف أرضه بينبع والمدينة ووادي القرى.

 -  وتصدق سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - بدُوره على أولاده من البنين والبنات، وأن للمطلقة من بناته أن تسكن فيها غير مُضِرَّة، ولا مُضَارٍّ بها، ووقف الزبير بن العوام - رضي الله عنه - داره التي بمكة، وداره التي بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، ووقف طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - داره بالمدينة، وجعل ابن عمر -رضي الله عنهما- نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجات من آل عمر، وحبس زيد بن ثابت - رضي الله عنه - داره التي عند البقيع، وداره التي عند المسجد، وحبس عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أرضه المسمّاة: (الوَهَط والوُهَيْطِ) في الطائف، وداره التي بمكة على ولده.

  •  وحبس خالد بن الوليد - رضي الله عنه - داره التي بالمدينة، ووقف حكيم بن حزام - رضي الله عنه - داره الشارعة في البلاط، ووقف أنس - رضي الله عنه - دارًا له بالمدينة، واشترت عائشة -رضي الله عنها- دارًا، وكتبت في شرائها: إني اشتريت دارًا وجعلتها لما اشتريتها له، فمنها مسكن لفلان ولِعَقِبِه ما بقي بعده إنسان، ومسكن لفلان، وليس فيه لعقبه، ثم يرد بعد ذلك إلى آل أبي بكر، ووقفت أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- دارها صدقة، حبس لا تباع ولا توهب ولا تورث، ووقفت أم سلمة -رضي الله عنها- صدقة حبسًا، لا تباع ولا توهب، ووقفت أم حبيبة، وصفية أمهات الْمُؤْمِنِينَ -رضي الله عنهم-، ووقف جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - بستانه، لا يباع ولا يوهب ولا يورث.
  •  ووقف سعد بن عبادة وقفًا عن أمِّه، فيها سقي الماء، ثم حبس عليها مالاً من أمواله، على أصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ووقف عقبه بن عامر - رضي الله عنه - دارًا تصدق بها حبسًا؛ لا تباع ولا توهب ولا تورث، على ولده وولد ولده، فإذا انقرضوا إلى أقرب الناس مني، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

الحِكَم والفوائد المستنبطة من الحديث

  •  أن الوقف عبادة ظاهرة معلومة عند الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- والسلف الصالح من بعدهم على مرّ العصور، حرص عليها صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وكانوا بذلك قدوة لمن بعدهم من المسلمين.
  •  تنوع أوقاف الصحابة، وتلمّسهم في حبسها ومصارفها حاجات الأسرة والمجتمع لتوفير الحياة الكريمة لكل إنسان في المجتمع المسلم؛ تجعل الأسر تترابط، وتتواصل الأرحام، وتنتشر المحبة والألفة بينهم.
  •  سعي الصحابة الكرام في أوقافهم للوصول إلى أكبر عدد من المستفيدين.
  •  اتساع الوقف في عهد الخلفاء الراشدين أفضل العصور الإسلامية بعد عصر النبوة، فكثرت المساجد والدور والبساتين والآبار الموقوفة.
  •  حِرص صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على حبس الدور ووقفها، والآبار، والبساتين، اقتداء بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وسنته، وامتثالاً لتوجيهه وإرشاده.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك