المسؤولية التربوية وأثرها في صلاح المجتمع
- التربية بالقدوة من أقوى أساليب التأثير في الأطفال إذ يكتسبون سلوكهم من أفعال الوالدين أكثر من التوجيه اللفظي
- تربية الأبناء مسؤولية شاقة تحتاج إلى صبر ومتابعة وإخلاص وعمل دؤوب
- انحراف الأبناء لا يدل بالضرورة على تقصير الوالدين فقد يكون ابتلاءً يرفع الله به الدرجات مع حسن الاحتساب
- من أعظم ما يجب على الآباء العناية به تعليم الأبناء التوحيد لأنه أساس الدين ومسؤولية الوالدين الأولى
في واقعنا المعاصر الذي تتزاحم فيه المؤثرات الفكرية والإعلامية، تتعاظم مسؤولية الآباء والأمهات في حفظ الأبناء وتربيتهم تربيةً متوازنة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتنطلق من منهج الإسلام الذي جعل الأسرة لبنة البناء الأولى في صلاح الفرد والمجتمع؛ فالناظر في حال الأمة اليوم يرى الفتن قد أحاطت بأبنائنا من كل جانب، تدخل كل بيت، وتعرض للجميع دون عناء بحث، وما عاد المربي يربي ابنه وحده؛ بل صار العالم كله شرقه وغربه يشاركه في صياغة عقول أبنائه ونفسياتهم وتوجهاتهم! ومن هنا كانت التربية في المنظور الشرعي أمانة عظيمة يُسأل عنها الوالدان يوم القيامة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها».
الوالدان والحفاظ على الفطرة والعقيدة الصحيحة
لقد أولى الإسلام تربية الأبناء عناية بالغة، وربطها بالإيمان والتقوى، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6)، أي علّموهم ووجّهوهم واهدوهم إلى طريق الحق؛ فالمسؤولية لا تقتصر على توفير المأكل والملبس، بل تشمل غرس العقيدة الصحيحة، وبناء الأخلاق، ومتابعة السلوك، وحسن التوجيه، وأشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تأثير الأبوين الشديد على سلامة فطرة الوليد؛ فقال: «ما مِن مولُودٍ إلا يُولدُ على الفِطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِهِ أو يُمجِّسانِهِ».
الأسرة في الإسلام وأثرها في نهضة المجتمع
لا شك أن المجتمع الصالح أساسه وجود زوجة صالحة وأم مخلصة والتي من خلالها تبنى الأسر الصالحة والبيوت الطيبة؛ ولهذا ينبغي للمسلم أن يختار الزوجة الصالحة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» ، قال الله -جلَّ وعلا-: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ}؛ فيختار المسلم - ابتداءً - الزوجة الصالحة؛ لأنها أساس البيت، وهي المربية للذرية، وهي الحافظة لأسرار زوجها، (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ) يعني: مطيعات لله، (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) إذا غاب زوجها حفظته في نفسها وفي ماله حتى يرجع، وفي أولاده؛ فالأسرة في الإسلام لها مكانة عظيمة في تكوين المجتمع، وإعداد الأمة، وبناء مستقبل مشرق؛ ولذا فقد اهتم ديننا الحنيف بهذا التكوين الصغير؛ لِما له من أثر بالغ في صلاح المجتمع ونموِّه وازدهاره.
كما اهتم الإسلام بالأسرة قبل تكوينها بأهمية الإعداد لها؛ فكما نبه المسلم أن يختار زوجة صالحة، فهو أيضا من جانب الزوجة نبَّه أولياء الأمور إلى أن يتخيروا لبناتهم الشابَّ الصالح الخلوق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه» فلا ينفع في العِشرة دين بلا خُلق، ولا خُلق بلا دين، وحثَّ على سرعة الزواج وعدم تأخيره؛ حتى لا يحصُلَ الفساد العريض.

التربية على التوحيد
من أعظم ما يجب أن يعتني به الآباء تعليم أبنائهم التوحيد؛ فهو أساس الدين، وهذه المسؤولية تقع على عاتق الأب والأم، فهي ليست مقتصرة على جانب دون آخر، ولا سيما في هذا الزمن، فتقوية الوازع الديني مطلب مهم في زمن الوسائل التقنية للتواصل الاجتماعي، قال -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ثم يتدرج معه في الأخلاق والعبادات والسلوك الاجتماعي؛ فإخلاص العبودية لله هي غاية الخلق ومحور الحياة، قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، فلابدّ من تنشئة الطفل على حب الله الخالق الموجد، ومعرفته، والإيمان به وبقدرته وصفاته.
وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة في ذلك حين قال لابن عباس -رضي الله عنهما-: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك...»؛ فمن أهم ما يُربَّى عليه الأبناء والبنات عظمة الله، ومراقبته سبحانه واللجوء إليه، واستشعار مخافته في السر والعلن، وأنه سميع بصير، وأنه هو الرازق والمعطي، وأنه على كل شيء قدير، وأنه بكل شيء عليم؛ فكل هذا يدل على أهمية البدء بالتربية الإيمانية منذ الصغر، وتربية الأبناء على السنة، وحب النبي -صلى الله عليه وسلم -، والاقتداء به في الأقوال والأفعال.
غرس حب الصلاة في نفوس الأبناء
وبعد تحقيق صحّة العقيدة والتربية عليها، لابدّ من تعليمه الصلاة التي هي ركن الإسلام الثاني بعد الشهادتين، وبيان أهميتها، وفضلها، وخطورة تركها؛ فالصلاة عماد الدين، وهي صلة العبد بربه، وقد جاءت آيات كثيرة للحضّ على الصلاة، كما في سورة لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِِ}، وقال -تعالى مادحاً إسماعيل-: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا}، ويقول السعدي في تفسيره: أي كان مقيماً لأمر الله على أهله، فيأمرهم بالصلاة المتضمنة للإخلاص للمعبود، وبالزكاة المتضمنة للإحسان إلى العبيد، فكمل نفسه، وكمل غيره، وخصوصا أخص الناس عنده وهم أهله؛ لأنهم أحق بدعوته من غيرهم. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مُرُوا أولادَكُم بالصلاةِ وهُم أبناءُ سبعِ سنينَ، واضرِبُوهُم عليهَا وهُمْ أبْنَاءُ عَشْرٍ، وفرِّقُوا بينِهِم في المَضَاجِعِ».
القدوة الحسنة ودورها في سلوك الأبناء
من أنجح الوسائل في التنشئة التربية بالقدوة؛ فالتربية بالقدوة من أقوى أساليب التأثير في الأطفال وأنجحها؛ حيث إن الأطفال يكتسبون سلوكياتهم وأخلاقهم من خلال مراقبة تصرفات والديهم أكثر مما يتعلمونه من التوجيهات اللفظية المجردة؛ فالطفل لا يستمع فقط إلى ما يقال له، بل يراقب كيف يتصرف والده أو والدته في المواقف المختلفة، ويقوم بتقليد تلك التصرفات دون وعي؛ لذلك، من الضروري أن يكون الآباء نموذجًا جيدًا يُحتذى به؛ لأن الأفعال أبلغ من الأقوال؛ فعلى سبيل المثال أداء العبادة أمام الأطفال والصغار من أساليب تعليمهم وتربيتهم عليها وعلى أدائها صحيحة، بحسب الكيفية التي أدى بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم -.
صلاح الأبناء بين مسؤولية التربية وصدق الدعاء
إن صلاح الأبناء يجب أن يكون همَّ كل أبوين، وشغلهم الشاغل، يحشِدون له كل طاقاتهم لا يغفُلون عنه أبدًا، ولا سيما مع كثرة الفتن والانفتاح التقني الحاصل؛ فصدق اللجوء إلى الله خير مَعِين، وابتهال الأبوين وتضرعهما إلى الله أن يصلح أولادهم دأب الصالحين، ودعاء الوالدين للأبناء مستجاب في الأغلب؛ قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان: 74). فإن من أنجع الأدوية دوامَ الدعاء بصدق وإلحاح دومًا وأبدًا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثُ دَعواتٍ لا تُرَدُّ: دعوةُ الوالِدِ لِولدِهِ، ودعوةُ الصائِمِ، ودعوةُ المسافِرِ».

التربية الواعية في عصر الإنترنت
في واقعنا المعاصر، تتضاعف المسؤولية؛ بسبب انتشار المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل التي تحمل الغث والسمين، وتنقل أفكارًا وسلوكيات قد تهدد عقيدة الأبناء وقيمهم وهويتهم؛ ومن هنا يجب على الآباء والأمهات المتابعة الواعية، والحوار المفتوح، وبناء الثقة، وتعليم الأبناء مهارات التمييز بين النافع والضار، وعدم تركهم فريسة للفضاء الرقمي دون توجيه أو رقابة.
لهذا أصبحت تربية الأطفال تواجه تحديات جديدة لم تكن موجودة من قبل؛ فتأثير الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي على سلوكيات الأطفال. وطرائق تربيتهم أصبح أمرًا لا مفر منه؛ فيواجه الآباء صعوبة في مراقبة المحتوى الذي يتعرض له أبناؤهم، وفي هذا السياق، يتوجب على الأسر أن تكون واعية لأساليب التربية الحديثة التي تتماشى مع بيئة التكنولوجيا المتطورة؛ فينبغي التوسط والاعتدال في استخدام وسائل التواصل والإنترنت، وأن يكون التعامل معها بحذر وقَدْرٍ.
نحو استخدام إيجابي للتكنولوجيا
يعدّ التوازن بين الحياة الرقمية والحقيقية في تربية الطفل في عصر التكنولوجيا أمرًا حيويًا؛ حيث تسهم التكنولوجيا في تعزيز التعليم واللعب؛ ما يساعد الأطفال على تطوير مهارات جديدة، ومع ذلك، يجب أن يتمتع الأطفال أيضًا بوقت كافٍ للتفاعل مع العالم الحقيقي؛ ما يعزز من قدراتهم الاجتماعية، ويساعدهم على إنشاء بيئة صحية للتكنولوجيا، مثل تحديد أوقات الاستخدام، ومراجعة المحتوى والتحقق من التطبيقات والألعاب التي يستخدمها الأبناء، وتشجيع الأنشطة البديلة بالاقتراح على الأبناء خيارات متنوعة من الأنشطة مثل الرياضة، والقراءة، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: «علّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل»، في إشارة إلى أهمية التربية الجسدية وقضاء الأوقات بما يعود بالنفع، ولفت انتباههم للمخاطر عبر فتح حوار مع الأبناء حول المخاطر المرتبطة بإدمان الشاشات ومواقع التواصل، وكذلك مساعدتهم على فهم تأثيرات التكنولوجيا على صحتهم، وطرائق الاستفادة منها، والاستفادة المثلى واستغلال التكنولوجيا استغلالا إيجابيا عن طريق إرشادهم إلى تطبيقات تعليمية ومحتوى مفيد.
تربية الأبناء أمانة ورسالة
إن تربية الأبناء ليست عملية سهلة، بل تحتاج إلى صبر، ومتابعة، وإخلاص، وعمل دؤوب، ولسان ناصح، وقلب محبّ؛ فمسؤولية الآباء في زماننا هذا مسؤولية شاملة، تتطلب وعيًا شرعيا، وحكمة تربوية، وقدوة عملية؛ فالأبناء أمانة، وصلاحهم صلاح للمجتمع كله، وفسادهم خطر على الحاضر والمستقبل، وإن الرجوع إلى منهج الإسلام، واستلهام نماذج السلف الصالح، كفيل بأن يخرج لنا جيلًا ثابت العقيدة، حسن الخلق، واعيًا بواقعه، محبا لدينه ووطنه، وقادرًا على مواجهة تحديات العصر بثقة وبصيرة.
تسلية للوالدين عند انحراف الأبناء
ليس انحراف الأبناء أو سوء أخلاقهم دليلًا حتميًّا على تقصير الوالدين؛ فقد يبتلي الله الأبوين بولدٍ عاقٍّ اختبارًا لصبرهما، وسببًا لرفعة درجاتهما إن احتسبا وأحسنا التوجيه، ومن أبلغ الأمثلة قصة نبي الله نوح -عليه السلام- مع ابنه؛ إذ دعاه برفقٍ وشفقة إلى النجاة: {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا}، لكن الابن أصرّ على المعصية، فلم تُغنِ عنه نصيحة الأب ولا شفقته، فكان من المغرقين. ومع ذلك، لجأ نوح إلى ربه متضرعًا، فبيّن الله له أن ميزان النجاة هو الإيمان والعمل الصالح، لا رابطة النسب.
وفي هذه القصة تسليةٌ لكل والدين ابتُلوا بولدٍ غير صالح؛ فواجبهم الأخذ بأسباب التربية والنصح والدعاء، أما الهداية فبيد الله وحده. ولا ينبغي أن ينقطع سعيهم، بل يداومون على الصبر، والموعظة الحسنة، ويستمرون بالنصح لهم، والتأثير عليهم ببعض الاصدقاء الصالحين، وقبل كل هذا الاستعانة بالله، فهو الهادي والمصلح، وهو أرحم الراحمين.
على الوالد أن يكون مثالًا طيبًا لأولاده
قال سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله في معرض نصيحته للوالدين والمربين-: النصيحة للجميع أن يوجه الأبناء إلى طاعة الله، وأن يعلموا الأخلاق الفاضلة، والكلمات الطيبة، وأن ينصحوا في طلب العلم والتفقه في الدين، والمحافظة على الصلاة، وعلى حسن الخلق مع الوالدين، ومع الأقارب، ومع الزوار والضيوف، وعلى الوالد والوالدة أيضًا أن يكونا مثالًا صالحًا لأولادهم في الأخلاق الفاضلة، والمحافظة على الصلاة في الجماعة، والحذر من المحرمات كالمسكرات، والدخان، وحلق اللحية، وأشباه ذلك، وأن يكون مثالًا طيبًا لأولاده في سيرته الطيبة، وفي محافظته على الصلاة في الجماعة، وفي توفير لحيته، وفي اجتنابه المعاصي، وهكذا الأم، كل منهما عليه أن يكون مثالًا طيبا في الأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة، والحذر من المعاصي، نسأل الله للمسلمين الهداية.

توجيهات تربوية للمربين
قال فضيلة الشيخ الدكتور عبدالكريم الخضير -حفظه الله-: العلم الشرعي إذا أُخذ على طرائق أهل العلم، وعلى الجادة المعروفة عندهم، وأُخذ من أهله المعروفين به، مع الرفق واللين، فلا شك أنه يُربِّي الناس، ولسنا بحاجة إلى نظريات تربوية وافدة أبدًا، وإنما نحتاج الذي ربَّى الصحابة -رضي الله عنهم- أن يربينا، فقط لا أكثر ولا أقل، فأعظم جيل عرفته البشرية جيل الصحابة -رضي الله عنهم-، وقد تربَّوا بالكتاب والسنة، فنحن نحتاج إلى أن نتربَّى على قال الله، وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لكن لا بد أن نُحسِن؛ لأن النصوص علاج، ولا بد أن يتولَّى العلاج طبيب ماهر، فنأخذ العلم من أهله، وعلى الطرائق المعروفة، ونستصحب دائمًا أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ونسلك الجادة، ونستشير مَن هو أكبر منَّا وأعرف، ونتَّهم أنفسنا، ونحترم الآخرين، ثم بعد ذلك لا يبقى عندنا مشكلة -إن شاء الله تعالى-.
لاتوجد تعليقات