خواطر الكلمة الطيبة .. من مظاهر الشرك القولية: الحلف بغير الله
- إن قضايا التوحيد والعقيدة ليست قضايا ثانوية أو هامشية، بل هي من أعظم أبواب الدعوة
أُمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الناس إلى توحيد الله -عزوجل-، وبإنكار الكفر والشرك وسائر أنواع الانحراف اعتقادًا وقولًا وعملًا؛ إذ التوحيد أصل الدين وميزان القبول، وبه تستقيم العقائد والسلوكيات، ومن المنكرات القولية التي حاربها -صلى الله عليه وسلم -، وكانت شائعة في زمنه ومتجددة عبر العصور، الحلف بغير الله، وهو مظهر من مظاهر الخلل في باب التعظيم، يتجدد حيثما غاب بيان التوحيد وتصحيح المعتقد.
جاء في السنة النبوية إنكار هذا المسلك إنكارًا شديدًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، وقد بيّن أهل العلم معنى هذا الحديث، وقرروا أن الحلف بغير الله لا يخرج عن حالين:
- إما أن يكون كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وذلك إذا عظّم الحالفُ المحلوفَ به تعظيمًا يساوي أو يفوق تعظيم الله -عز وجل والعياذ بالله - معتقدًا فيه ما لا يكون إلا لله.
- وإما أن يكون شركًا أصغر لا يخرج من الملة، لكنه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر؛ لما فيه من صرف نوع من التعظيم لغير الله، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن باز، والإمام الألباني -رحمهم الله تعالى- في شروحهم لهذه النصوص.
ولذلك شدد النبي - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن هذا الباب، فكان -صلى الله عليه وسلم - مأمورًا من ربه أن يصحح هذا المعتقد، وأن يقرر في النفوس أنه لا يجوز تعظيم أحد - كائنًا من كان - تعظيمًا يضاهي تعظيم الله -عز وجل-؛ لأن هذا المسلك خطر على أصل الإيمان، وقد يكون سببًا في خروج العبد من دائرة الإسلام.
وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، رأينا من انتصارات دعوة التوحيد بفضل الله -عزوجل- ما يُثلج الصدر، فقد كان شائعًا في فترات سابقة في مجتمعنا ألفاظ من صيغ الحلف بغير الله؛ حيث كان الناس يؤكدون صدق كلامهم بهذه الألفاظ دون استشعار لخطورتها العقدية، حتى قيّض الله -عزوجل- دعاةً للتوحيد، حملوا لواء السلفية الصافية، وتعلموا العقيدة الصحيحة، ووقفوا على خطورة هذه الظاهرة؛ لما فيها من تعظيم المخلوق بما لا يليق إلا بالخالق.
فانتشر دعاة التوحيد في المساجد، والمنابر، والدروس، والخطب، والدواوين، والبيوت، وربّوا أبناءهم على العقيدة الصحيحة، فصار هؤلاء الأبناء دعاةً في مدارسهم وكلياتهم ومجتمعاتهم، يقومون بواجب البيان والإنكار، حتى أخذت هذه الظاهرة في التلاشي شيئًا فشيئًا - ولله الحمد - ولم يبق منها إلا ما يَرِد أحيانًا من خارج المجتمع، فيُنبَّه عليه ويُصحَّح في حينه، بل بلغ الأمر أن صار عامة الناس يُنكر بعضهم على بعض، ويصححون هذه الأخطاء العقدية فيما بينهم، وهي مرحلة مباركة لم تأتِ من فراغ، وإنما كانت ثمرة جهد دؤوب لدعاة مخلصين، حملوا همَّ تصحيح عقيدة المسلمين، اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومن هنا، فإن قضايا التوحيد والعقيدة ليست قضايا ثانوية أو هامشية، بل هي من أعظم أبواب الدعوة، وأولى ما تُبذل فيه الجهود، وتُفنى فيه الأعمار، وقد أحسنت وزارة الأوقاف الكويتية - جزاهم الله خيرًا - حين ركزت في خطبها الأخيرة على تعظيم مقام التوحيد، وبيان مكانته عند الله -عزوجل-، فهذا الباب لا يضيّق الدعوة، بل هو الذي تتسع به الدعوات، وتُبارك به الجهود، ويُحفظ به دين الناس وعقائدهم.
لاتوجد تعليقات