شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: نَقْلُ الطّعامِ إذا بِيعَ جُزَافاً
نظَّمَ الإسْلامُ المُعاملاتِ بين النَّاسِ ولاسيما في الأمْوالِ فنَهى عن أنْواع الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى طَعَاماً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، قَالَ: وكُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ، الحديث رواه مسلم في البيوع (2/1161) باب: بُطلانُ بيع المَبيع قبل القبض، وأخرجه البخاري في البيوع (2136) باب: بيع الطعام قبل أنْ يُقبض، وبيع ما ليس عندك. قوله: «مَنْ اشْتَرَى طَعَاماً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» يُبيِّنُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن اشترَى شَيئًا ممَّا يُؤكَلُ، فلا يَبِعه حتَّى يَستوفيَه، وفي لفظ: «حتَّى يَقْبِضَهُ» أي: فلا يتَّخِذْ أيَّ تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أخرى، إلَّا إذا قَبَضَه وافياً، بأنْ يَأخُذَ ما اشتراهُ أولاً، ويُصبِحَ في حَوزتِه، فهنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بيعَه. ظاهر هذا الحديث قال الحافظ ابن عبدالبر: «وظاهر هذا الحديث: يَحظُرُ ما وقع عليه اسمُ طعام، إذا اشْتُرِيَ حتّى يُسْتوفى، واسْتيفاؤه قَبْضه، على حسْبِ ما جَرَت العادة فيه، مِنْ كيلٍ أو وَزْن، قال الله -عزوجل-: {أوفُوا الكيلَ ولا تكونُوا مِنَ المُخسِرين} (الشعراء: 181). وقال: {فأوْفِ لنا الكيلَ وتَصَدّقْ عَلينا} (يوسف: 88). وقال: {وإذا كالُوهُم أو وزَنُوهُم يُخْسِرون} (المطففين: 3). قال: وأمّا اختلافُ العلماء في معنى هذا الحديث: فإنّ مَالكًا قال: مَنْ ابْتاعَ طَعامًا أو شَيئًا مِنْ جميع المَأكول أو المَشْروب ممّا يُدّخر، وممّا لا يذخر، ما كان منه أصلُ معاشٍ أو لمْ يكنْ، حاشا الماء وَحْده، فلا يجوزُ بيعُه قبل القَبْض، لا مِنَ البائع، ولا مِنْ غيره، سواءً كان بعينه أو بغير عينه، إلا أنْ يكونَ الطّعامُ ابتاعه جُزَافاً، صُبْرةً أو ما أشْبه ذلك، فلا بأسَ ببيعه قبلَ القَبْض؛ لأنّه إذا ابتيع جُزَافاً، كان كالعُرُوض التي يجوز بيعها قبل القَبض، هذا هو المشْهور مِنْ مذهب مالك، وبه قال الأوزاعي. ما لا يجوزُ أنْ يُباع قبلَ القَبض قال: وما لا يجوزُ أنْ يُباع قبلَ القَبض عند مالك، وأصحابه فلا يَجوزُ أنْ يُمْهر، ولا يُسْتأجر به، ولا يُؤخذ عليه بَدَل، ولا خلافَ عن مالك أنّ ما عَدَا المَأكول، والمَشْروب مِنَ الثياب والعُرُوض والعقار، وكلّ ما يكالَ ويُوزن إذا لمْ يكنْ مأكولاً، ولا مشروباً منْ جميع الأشياء كلّها غير المَأكول، والمَشْروب، أنّه لا بأس لمَنْ ابتاعه أنْ يبيعه قبل قَبْضه واسْتيفائه، وحُجّته فيما ذهب إليه ممّا وصفنا عنه: قوله - صلى الله عليه وسلم - «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه، ولا يبعه حتى يستوفيه». ففي هذا الحَديث خُصُوص الطّعام بالذّكْر، فوجبَ أنْ يكونَ ما عَدَاه بخلافه، وفيه: مَنْ ابْتاعَ طَعاماً فوجب أنْ يكون المقروض، وغير المشترى بخلافه، استدلالاً ونظراً». انتهى. فوائد الحديث الحثُّ على إتمامِ الصَّفقاتِ، وحِيازةِ البائعِ لِمَا اشتراهُ، حتى يَتصرَّفَ فيه كَيْفما شاء، وليس فيه ارْتباطاتٌ لأحدٍ غيرِه. وفيه: أنَّ الإمامَ ووَلِيَّ الأمرِ يُرشِدُ النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم. أنّ الشَّرع الإسلاميّ الحَنيف، نظَّمَ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشِّراءِ، وأَوضَحَ أُموراً لابدَّ منْها، حتّى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم وهي خاليةٌ مِن المُشكِلاتِ أو الحُرْمةِ. باب: بيعُ الطّعَامِ المَكِيل بالجِزاف عَنْ عبداللَّهِ بن عمر -رضي الله عنهما- قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَتْ نَخْلًا، بِتَمْرٍ كَيْلاً، وإِنْ كَانَ كَرْماً، أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، وإِنْ كَانَ زَرْعاً، أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ»، الحديث أخرجه مسلم في البيوع (2/1174) باب: النّهي عن المُحاقلة والمزابنة. أخرجه البخاري في البيوع (2205) باب: بيع الزّرعِ بالطّعام كيلاً. وفي هذا الحديثِ يقولُ عبداللهِ بنُ عمرَ -رضي الله عنهما-: «نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزابَنةِ، أنْ يَبيعَ ثمَرَ حائطِه»، أي: ثَمَرَ بُستانِه أو مَزرعتِه، «إنْ كان نخْلاً بتمْرٍ كَيلاً» أي: إنْ كانت ثمرةَ نخْلٍ، وهو الرُّطَبُ على رُؤوسِ النَّخلِ، فلا يَبِيعُه بتمْرٍ يابسٍ كَيلاً، أي: بكذا وسْقًا من تمْرٍ. قوله: «وإنْ كان كرْماً» أي: عِنَباً، «أنْ يَبيعَه بزَبيبٍ كَيلًا» أي: يأخُذَ زَبيباً بكيلٍ مُحدَّدٍ مُقابلَ العِنبِ غيرِ النَّاضجِ، وغيرِ المَعْروفِ مِقدارُه، والزَّبيبُ: هو العِنبُ المُجفَّفُ. قوله: «وإنْ كان زَرْعاً، أنْ يَبيعَه بكَيلِ طعامٍ» أي: وكذلك لا يَبيعُ الزَّرعِ في سُنبلِه بحِنْطةٍ صافيةٍ كَيلاً. قوله: «نَهى عن ذلك كلِّه» أي المَقصودُ: أنَّه نَهَى عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ، وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ، وأنْ يأخُذَ مُقابلَ ثمَرِه غيرِ النَّاضجِ قدْراً معلوماً مِنَ الثِّمارِ القديمةِ المَخْزونةِ، ولكنْ عليه أنْ ينتظِرَ حتَّى ينضُجَ الثَّمرُ، ويجمَعَه ويَكيلَه، ويعرِفَ مِقدارَه، ثمَّ يَبيعَه كيف شاء، بما أحَلَّ اللهُ مِنَ البُيوعِ، حتَّى لا يقَعَ في الغَررِ والجَهالةِ، فربَّما فسَدَ أو تلِفَ، وربَّما زاد قدْرُه أو نقَصَ، عمَّا تَمَّ الاتِّفاقُ عليه. الترخيص في بيع العاريّة وفي الصَّحيحَينِ: «أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بَيعِ العَرايا»، والعَرايا جمْع عَريَّة، وهي النَّخلةُ، هو نَوعٌ من أنواعِ البُيوعِ، ومعناه: أنْ يَبيعَ الرُّطبَ على النَّخلِ بتمر على الأرضِ، أو العِنبَ على الشَّجرِ بخَرْصِه- أي: بمِقدارِه - مِن الزَّبيبِ، على أنْ يكونَ ذلك خَمسةَ أَوسقٍ فما دُونَ ذلك، وسُمِّيَ ببيعِ العرايا، لأنَّ النخلةَ يَعرُوها- أي: يُعطيها- مالكُها لرَجُلٍ مُحتاجٍ إلى أكْلِ ثَمرتِها مُدَّةً معيِّنةً، وقيل: لأنَّ هذِه النخلةَ عَرِيتْ عن حُكمِ باقي البُستانِ، حيثُ تَخلَّى صاحبُها عنها من بَينِ سائرِ نخْلِه، وهذا البيعُ مُستثنًى مِن بَيعِ المزابنةِ المنهيِّ عنه، وسيأتي الكلام عليه، قال الحافظ ابن عبدالبر: «وكلُّ ما لا يجوزُ فيه التّفاضل، لمْ يَجزْ بيعُ بعضِه ببعضِه جُزَافاً بكيل، ولا جُزَافاً بجُزافٍ، لعَدم المُماثلة المأمور بها في ذلك، ولمُواقعة القِمَار، وهو الزَّبْن. مَنْ زادَ أو ازداد فقد أرْبى قال: ألا تَرَى أنّ كلّ ما وَرَد في الشّرع: أنْ لا يُباعَ إلا مثلاً بمثل، إذا بيعَ منه مَجهولٌ بمجهُول، أو معلومٌ بمَجهول، أو رَطبٌ بيابس، فقد دخل في ذلك التفاضل، وجُهِل المُماثلة، وما جُهِلتْ حقيقة المماثلة فيه، لمْ يُؤمن فيه التفاضل، فدخل في ذلك الرّبا، لأنَّ الحديث وَرَد في مثل ذلك، أنّ مَنْ زادَ أو ازداد، فقد أرْبى، وفي ذلك قمارٌ، وخَطرٌ أيضًا، وهذا كله تقتضيه معنى المُزابنة. فإنْ وقَعَ البيع في شيءٍ مِنَ المُزابنة، فُسخَ إنْ أُدْرك قبلَ القَبضِ وبعده، فإنْ قُبضَ وفاتَ، رجعَ صاحبُ الثّمرة بمَكيلةِ ثَمَرِه، على صاحب الرُّطَب، ورجع صاحبُ الرُّطب بقيمةِ رُطبه على صاحب الثمر يومَ قَبْضه، بالغاً ما بلغ، وما كان منْه قبل قبضه، فمصيبتُه مِنْ صاحبه. قال أبو عمر: هذا أصلُ هذا الباب، وهو يقتضي المُماثلة في الجِنْس الواحد، ويَحْرمُ الازْدياد فيه، وأمّا النسيئة في بيع الطّعام بالطعام جملة، فذلك غير جائز عند جمهور العلماء، لقوله عليه السلام: «البُرّ بالبُرّ رباً، إلا ها وها». فالجنس الواحد من المأكولات، يدخله الربا مِنْ وجْهين: الزّيادة والنّسيئة، والجنسان يدخلهما الربا منْ وجْهٍ واحد، وهو النسيئة». انتهى. فوائد الحديث النَّهيُ عن البُيوعِ الَّتي فيها جَهالةٌ وغَررٌ، كالمزابنةِ وما شابَهها مِن البُيوعِ، لِمَا يُورِثُ ذلِك من الشَّحناءِ والبَغضاءِ، والحِقدِ والحسدِ. لا يجوزُ بيعُ الرّطب خَرْصاً بتمرٍ كيلاً، إلا في العَرايا. ولا يجوزُ بيع العِنَب خَرْصاً، بزبيبٍ كيلًا. ولا يجوزُ كذلك بيعُ ثمرةِ الزّرع خَرْصاً، بجِنْسها كيلاً. وفيه: أنّ الإسْلامُ جاء فنظَّمَ المُعاملاتِ بين النَّاسِ، وخاصَّةً في الأمْوالِ، حتَّى يَنزِعَ أسبابَ الشِّقاقِ والاختلافِ، فنَهى عن أنْواع الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ.
لاتوجد تعليقات