الشباب المسلم 1294
حقيقة الاستقامة في حياة الشباب
الاستقامة في حياة الشباب هي أصلٌ جامع للدين كله؛ تقوم على الثبات على طاعة الله ظاهرًا وباطنًا، وذلك في زمنٍ تتكاثر فيه الفتن، وتشتد فيه دواعي الانحراف، وهي كما عرّفها السلف: القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، قال الله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الأحقاف: 13)، فجمع الله لهم أعظم أصلٍ في العقيدة، وهو توحيده، ثم قرنه بالاستقامة التي تُترجم هذا الإيمان إلى عمل وسلوك.
وحقيقة الاستقامة أن يثبت الشاب على منهج الله في السرّ والعلن، فلا يختلف حاله بين خلوته وجلوته، ولا تحكمه أهواؤه ولا ضغط الواقع؛ قال -تعالى-: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} (هود: 112)، وهي آية عظيمة حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «شيَّبتني هود وأخواتها»؛ لما فيها من تكليف بالثبات الدقيق الذي لا ميل فيه ولا انحراف، وقد لخّص النبي -صلى الله عليه وسلم - معنى الاستقامة في كلمة جامعة، حين قال لسفيان بن عبدالله - رضي الله عنه -: «قُلْ آمنتُ بالله ثم استقم»، فالإيمان الصادق لا يكتمل إلا باستقامةٍ تضبط الجوارح، وتوجّه السلوك، وتقوم الفكر والمنهج.
والاستقامة لا تعني العصمة من الذنب، لكن المستقيم لا يُصِرّ على الخطأ ولا يسوغه، بل يبادر بالتوبة والرجوع. قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} (آل عمران: 135)، كما أن الاستقامة لا تُنافي الطموح ولا تعادي النجاح، بل تهذّبه وتضبط مساره، ليكون نظيف الغاية، شريف الوسيلة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه».
وفي زمن الشهوات والشبهات، تكون الاستقامة في حق الشباب جهادًا يوميا، وموقفًا شجاعًا في وجه الانحراف السائد؛ ولذلك كان جزاؤها عظيمًا. قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} (فصلت: 30)؛ فالاستقامة في حياة الشباب ليست ألا يخطئوا، بل أن يعرفوا الطريق، ويثبتوا عليه، ويعودوا إليه كلما تعثّروا.
غضّ البصر وطهارة القلب
أيها الشاب المسلم ، زمنُك زمنُ فتنِ الشاشات والصور والمقاطع، لكن الله شرّفك بأن أمرك بما يحفظ قلبك فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}؛ فغضُّ البصر ليس حرمانًا، بل تزكية للنفس، وحماية للقلب من أسر الشهوة، فكلّ نظرة محرّمة تُترك لله، يزرع الله بها نورًا في قلبك، ولذّة في مناجاتك، وبركة في أيامك، وتخيّل لو أنّك كلّما عُرضت لك صورة محرّمة قلت في نفسك: «الله يراني، والجنّة أغلى من هذه النظرة»، ثم صرفت بصرك؛ عندها تتربّى فيك عظمة الله، وقوّة الإرادة، والحياء الحقيقي، وما أجمل أن تتعاون مع أصدقائك على هذه العبادة! تذكّروا بعضكم عند الفتن، وذكّروا غيركم بأن الرجولة الحقيقية ليست في كثرة المتابعات والنظرات؛ بل في الانتصار على النفس، والسموّ بها.
اجعل لشبابك مشروعًا واضحًا
اجعل لشبابك مشروعًا واضحًا: مشروع إيمان تُصلح به قلبك، ومشروع علمٍ تبني به عقلك، ومشروع نفعٍ تقدّمه لأمّتك، فكلّ آيةٍ تحفظها، وكلّ خلقٍ تلتزم به، وكلّ مهارةٍ تتعلّمها، هي لبنة في بناء مستقبلك في الدنيا، ورفعة درجتك في الآخرة، فابدأ اليوم ولو بخطوات صغيرة، ولا تحتقر عملًا صالحًا.

فضل طلب العلم
من أعظم ما يشرّف الشاب أن يكون من أهل العلم، تعلّمًا وتعليمًا؛ فقد جاء في الحديث: «طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم»؛ لأن العلم هو الذي يعرّفك بربِّك، ويضبط لك عبادتك، ويرشدك في طريق الدعوة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة»؛ فطريقك إلى قاعات الدراسة وحِلَق العلم هو في الحقيقة طريق إلى الجنّة إذا صحّت النيّة، والشابُّ طالب العلم يحمل نورًا لغيره؛ يجيب عن تساؤلات أقرانه، ويصحح المفاهيم الخطأ، ويدلّ على الله بالحكمة والرفق، وليعلم الشاب أنّ العلم النافع لا ينقطع أجره بموت صاحبه؛ ففي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» وذكر منهم: «أو علمٍ يُنتفع به»؛ فاجعل همّك أن تكون من أهل العلم الذين يتركون أثرًا باقيًا في قلوب الناس وواقعهم.
من ثمار التقوى

قال الشيخ عبدالرزاق عبدالمحسن البدر: كلما جاهد العبد نفسه على تحقيق التقوى وجد التيسير في أموره، ونال الرزق الطيب، وهدي إلى المخرج المناسب والملائم فيما يعرِض له من مشكلات، إضافة إلى تكفير السيئات وغفران الذنوب ورفعة الدرجات، والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة إلى غير ذلك من الثمار والآثار التي لا حصر لها ولا عدّ.
إدارة الوقت وفن الإنجاز
كثيرون يندمون عند الكِبَر قائلين: «ضاعت أعمارنا»؛ فاحرص ألّا تكون منهم، وخطّط ليومك كما يخطط التاجر الذكي لرأس ماله، قسّم يومك بين عبادةٍ تُصلح قلبك، وعلمٍ يبني عقلك، وعملٍ ينفعك وينفع غيرك، وراحةٍ تعينك على ذلك كله، لا تسمح للهاتف، ولا للألعاب، ولا لمقاطع الترفيه أن تسرق ساعاتك ساعة بعد ساعة؛ فالدقيقة اليوم قد تكون سببًا لفتح أبواب كبيرة غدًا، أو لضياع فرص لا تعود.
وقفة وتذكرة
تذكّر أنّ ساعة مع الله في طاعةٍ صادقة، خير من سنواتٍ في غفلة ولهو، وأنك إن أقبلت على ربّك خطوةً أقبل الله عليك أضعافها؛ فاستعن به، وجدِّد توبتك، وأحسن الاختيار لرفاق دربك.
كن مصدر هداية لغيرك
رسالة الشاب المسلم لا تقف عند التزامه وحده، بل تمتدّ إلى أن يكون مصدر هداية لغيره، قال -تعالى-: {قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}؛ فكلُّ من اتّبع محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - له نصيب من هذه الدعوة على قدر استطاعته؛ فالدعوة ليست خطبة منبر فقط، بل كلمة صادقة، ومقطع نافع، ورسالة لطيفة، وسلوك مستقيم يَرى الناسُ فيه جمال الإسلام، فليكن لك دور في محيطك: في المدرسة أو الجامعة أو منصّات التواصل؛ ذكِّر برفق، وادعُ بحكمة، وابدأ بنفسك قبل غيرك، واصبر على الطريق. وربّ عملٍ صغير تُخلِص فيه، يكون سببًا في هداية شابّ واحد، فيكتب الله لك أجره وأجر من اهتدى على يديه، وهذا من أعظم ما يُستثمر فيه عمر الشباب.
صلاة الفجر وبداية اليوم
صلاة الفجر امتحان صدقٍ يومي، من نجح فيه رُجي له التوفيق بقية يومه، ومن تكاسل عنه بدأ يومه مديونًا بحقٍّ عظيم من حقوق ربّه، ما أجمل أن يكون شعار الشاب المسلم: «يومي لا يبدأ قبل أن أقف بين يدي الله!»، فينهض من فراشه، يقاوم ثقَل النوم، ويتوضأ، ويقف خاشعًا؛ فيُفتح له باب النور والبركة، فعوِّد نفسك أن تربط همومك وأحلامك بصلاة الفجر؛ ادعُ الله حينها بنجاح دراستك، وبركة رزقك، وصلاح مستقبلك، ومع الأيام ستكتشف أن الفجر ليس مجرّد ركعات، بل مدرسة تربية، تصنع منك شابًا مسؤولًا، قوي الإرادة، عالي الهمّة.
لاتوجد تعليقات