الأربعون الوقفية الموجزة 6 – إحياء سنة الوقف
- إحياء سُنَّة الوقف إحياء لسُنَّة من سُنَن الإسلام وكل من أوقف ولو سَهمًا واحدًا يرجو برَّه وذخره عند الله فقد أسهم في إحياء سنته
- الفضل العظيم يكون لمن أحيا السنة في نفسه وأحياها كذلك في غيره حتى تنتشر بين الناس لتُعرف ويعمل بها
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، وذلك بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث السادس: إحياء سنة الوقف
عن كَثِير بْن عبداللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي، فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً، فَعُمِلَ بِهَا، كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا».
شرح الحديث
الحديث بّوب له الإمام ابن ماجه باباً اسماه: باب من أحيا سنة قد أميتت، قال السندي في «شرح سنن ابن ماجه»: قيل: المراد بالسنة ما وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأحكام، وهي قد تكون فرضًا؛ كزكاة الفطر، وغير فرض؛ كصلاة العيد، وصلاة الجماعة، وقراءة القرآن من غير الصلاة، وتحصيل العلم، ونحو ذلك. وإحياؤها: أن يعمل بها، ويحرض الناس ويحثهم على إقامتها.
وفي الحديث: بيان أن ما كان أصلاً في عمل من أعمال البر والخير والهدى، وتبعه عليه غيره؛ كان له أجر هذا العمل وثوابه، وإحياء سنة الوقف الذي أرشد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم - صحابته إليه، وحثهم عليه، وفعله بنفسه حين وقف أراضي مخيريق، إحياء لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإحياء لأحكامه وفقهه وفضائله ومقاصده.
الوقف سنة ثابتة
والوقف سنة ثابتة، أوصى بها النبي -صلى الله عليه وسلم - صحابته -رضي الله عنهم-، وسار على إيجادها وإحيائها السلف الصالح -رضي الله عنهم- الذين امتثلوا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، واسترشدوا بفعل من سبقهم من خير القرون، ونشر ثقافة الوقف دعوة إلى الهدى، قال -صلى الله عليه وسلم -: من دعَا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه؛ لا يَنقص ذلك مِن أجورهم شيئًا، وقال -صلى الله عليه وسلم -: من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله.
وثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم - حث يوماً على الصدقة؛ فجاء رجلٌ من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم -، فقال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده؛ من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده؛ من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.
يقول الشيخ ابن عثيمين: هذه السنة؛ سنة العمل والتنفيذ، وليست سنة التشريع، فإن سنة التشريع إلى الله ورسوله فقط، ولا يحل لأحدٍ أن يشرع في دين الله ما ليس منه، أو يسن في دين الله ما ليس منه، لأن ذلك بدعة، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من البدع، وقال: «كل بدعةٍ ضلالة».
وإحياء سنة الوقف ونشرها وترسيخها في الأمة هو استئناف لمسيرة الحضارة الإسلامية المجيدة، ودفع للأمة إلى منزلة خير أمة أخرجت للناس، فقد جعل ديننا العظيم الرحمة الاجتماعية والتعاون الإنساني، والحرص على نفع الآخرين أساسًا يبنى عليه تقويم الإنسان وجزاؤه.
فالجوانب الخيرية والتطوعية -إن فعلت لوجه الله سبحانه وتعالى- فهي عبادة، وإن أخلصت النية فتكون كل حركة وكل كلمة وكل جهد وكل تفكير وكل سلوك -في دائرة ذلك المقصد-: تجارة مع الله سبحانه وتعالى.
الحِكم والفوائد المستنبطة من الحديث
- إن إحياء سُنَّة الوقف إحياء لسُنَّة من سنن الإسلام، وكل من وقف ولو سَهمًا واحدًا يرجو بِرَّه وذخره عند الله فقد أسهم في إحياء سنته.
- فضيلة الداعي إلى سبل الخير في الأمة ومن يعمل على إحياء السنن؛ التي أميت منها الكثير، وأن على قدر الفضل العظيم الذي يحصل في نشر السنة فإن وزر ناشر الشر والداعي إلى الضلال عظيم.
- بشرى للعاملين في نشر ثقافة الوقف، أنه كلما وقف واقف، وكلما ساهم مسلمُ في الوقف؛ كان للداعي لها والدال عليها الأجر المستمر ما دام الوقف جاريًا، وأمتنا أمة عطاء، فما علينا إلا أن نحسن مخاطبة العقول، ومس الإحساس، وإدراك الحاجة.
- أن الفضل العظيم يكون لمن أحيا السنة في نفسه، وأحياها كذلك في غيره، وأن تنتشر بين الناس لتعرف ويعمل بها.

أهداف الأوقاف في الإسلام
للوقف أهداف سامية، تلك الأهداف تنبع من إيمان الواقف وطلبه للمثوبة في الدنيا والآخرة، نذكر منها ما يلي:
- الهدف الأول: رجاء الأجر والمثوبة من الله -تعالى-؛ فالواقف يسعى لمرضات الله وطلب جنته بتلك الحسنات الجارية التي يدرها ذلك الوقف عليه في حياته وبعد مماته.
- الهدف الثاني: تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة، وإيجاد عنصر التوازن بين الأغنياء والفقراء في المجتمع المسلم؛ إذ يعمل الوقف على تنظيم الحياة من خلال تأمين حياة كريمة للفقير وإعانة العاجزين من أفراد الأمة، وحفظ كرامتهم، من غير مضرة بالأغنياء؛ فيتحصل من ذلك مودة وألفة وتسود الأخوة، ويعم الاستقرار، وبذلك يؤكد الوقف أواصر المحبة والقربة والأخوة الإسلامية حين يكون على الذرية، أو الأقارب والأرحام، أو أوجه البر والإحسان.
- الهدف الثالث: يضمن الوقف بقاء المال وحمايته، ودوام الانتفاع به، والاستفادة منه أكبر مدة ممكنة، والمحافظة عليه من أن يعبث به من لا يحسن التصرف فيه، وهذا من شأنه أن يضمن للأمة نوعاً من الرخاء الاقتصادي، والضمان المعيشي.
- الهدف الرابع: نشر روح التعاون والمحبة بين المسلمين: فقد كان لانتشار الأوقاف الخيرية والمنافع العامة دور في غرس الأخلاق والاعتدال والمحبة والرحمة بين المسلمين، وتخفيف المشاعر والأمراض النفسية المتمثلة في الأنانية والبخل والشح بالنسبة للواقفين، والكراهية والحسد بالنسبة للمستضعفين، وتصبح العلاقات القائمة في المجتمع هي التعاون، وتبادل المنافع والمحبة والتراحم والرحمة والإخلاص في المجتمع.
- الهدف الخامس: تخفيف الأعباء الاجتماعية على الدولة؛ فإن من أهم الأهداف التي يحققها الوقف هو تخفيف الأعباء عن كاهل الدولة، ولا سيما من الناحية الاجتماعية والصحية والتعليمة.
- الهدف السادس: استقلالية العلماء؛ فالوقف على العلماء والدعاة وطلبة العلم يؤدي إلى استقلالية العلماء وألا يؤثر عليهم أحد في معاشهم.
لاتوجد تعليقات