همس القلم .. في رِحاب المَعِيّة الإلهية..
معيّة الله -تعالى-.. تلك الحقيقة الإيمانية الكبرى التي تتجاوز حدود التعريفات الذهنية لتستقر في عمق الوجدان، وحين تستقر هناك، فإنها تعيد تشكيل علاقة الإنسان بربّه وبنفسه وبما يحيط به؛ فالإيمان بها ليس مجرد إقرارٍ عقدي، بل وعيٌ دائم بالمعية الإلهية، وإحساسٌ هادئ بأن الله حاضر بعلمه ورعايته وتدبيره في كل شأن، يسمع ويرى ويقدّر، ويهدي من قصد بصدق.
من المعرفة إلى الطمأنينة
وإذا انتقل هذا المعنى من حيز المعرفة إلى حيز الشعور، تغيّرت نظرة الإنسان إلى الطريق الذي يسلكه، وإلى ما يعترضه من أقدار؛ إذ يغدو كل ما يمر به مفهومًا في ضوء الحكمة الإلهية، ويصبح الاطمئنان ثمرة طبيعية لاستحضار تلك المعية، لا حالة طارئة تفرضها الظروف؛ فالقلب الذي يوقن أن الله معه لا يتيه في الأسئلة، ولا يضطرب أمام المجهول؛ لأنه يعلم أن الرعاية سابقة، وأن التدبير محكم، وأن القرب الإلهي لا ينقطع.المعيّة كما يعرّفها الوحي
المعيّة في أصلها اللغوي تدل على المصاحبة والملازمة، غير إن دلالتها الشرعية أوسع وأعمق؛ فهي علم الله -تعالى- وقدرته وسمعه وبصره بخلقه بما يليق بجلاله وكماله، دون تشبيه أو تمثيل، ودون حلولٍ في الأمكنة أو اتحادٍ بالذوات.. إنها معية إحاطة وتدبير ولطف وهو في عليائه -سبحانه-، لا معية مكان وحدود، وقد جاء البيان القرآني ليغرس هذا المعنى في الوعي الإيماني غرسًا راسخًا حين قال -سبحانه-: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، فأطلق المعيّة إطلاقًا يملأ الوجود علمًا ورقابة، ويحرّر القلب من وهم الغياب.معيّة القرب والنصرة
ثم تأتي المعيّة الخاصة لتكشف وجهًا آخر من وجوه القرب، إنها معية النصرة والتأييد واللطف، تلك التي يفيض الله بها على عباده المتقين والمحسنين والصابرين، فيشعرون بعونٍ خفيّ يسندهم، وبثباتٍ داخلي لا تصنعه الأسباب الظاهرة وحدها.. وفي ذروة هذا المعنى يتجلّى الموقف النبوي الخالد في الغار، حين اختصر النبي - صلى الله عليه وسلم - كل معاني الأمن في كلمة واحدة: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}؛ فكانت المعيّة هنا سكينةً تغمر اللحظة، وتحوّل الخوف إلى طمأنينة، والضعف يقينًا.حين تسكن المعيّة في السلوك
وحين يستقر الإيمان بالمعية على هذا النحو، تتحول من فكرة تُستحضَر عند الحاجة إلى حالة داخلية دائمة، تولّد في النفس مراقبة صادقة، وتجعل السلوك منضبطًا دون تكلف؛ إذ يستحيي القلب أن يخالف وهو يعلم أن الله معه سرًّا وعلنًا، ومن هذا الشعور تنبع الطمأنينة الحقيقية، تلك التي أدركها أهل العلم حين قرروا أن القرب من الله لا يُقاس بالمسافة، بل بصدق التعلّق، ولا يُدرك بالحسّ، بل بيقظة القلب.أثر المعيّة في الضمير الجمعي
ويمتد أثر هذه المعيّة من الفرد إلى المجتمع؛ لأن الإنسان حين يعمل وهو يستحضر نظر الله إليه، فإن الإتقان عنده يتحول إلى عبادة، والأمانة إلى قناعة داخلية، والمسؤولية إلى التزام نابع من الضمير قبل أن يكون استجابة لنظام أو رقابة، وحين يسري هذا الوعي في الناس، تتغيّر طبيعة العلاقات، ويشيع الصدق، وتترسخ الثقة، وتغدو رقابة الله في الوجدان أقوى من أي سلطة ظاهرة: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(النساء: 1). ومعية الله لا تُنال بالدعوى؛ بل تُكتسب بالسير إليه، والمحافظة على فرائضه، والإقبال عليه بالنوافل، وبدوام الذكر الذي يوقظ القلب، وبنية صادقة تصاحب العمل، وبصحبة صالحة تذكّر وتعين.خاتمة الرحلة القلبية
وتبقى معيّة الله رحلة قلبية لا تنتهي؛ فكلما تعمّق فيها الإيمان ازداد الإنسان صفاءً وبصيرة، حتى يعيش مستحضرًا قوله -تعالى-: {وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، فيطمئن لأن الذي معه هو الله، وكفى به -سبحانه وتعالى- قربًا وأمانًا وناصرًا ومعينًا.
لاتوجد تعليقات