العلامة السعدي أنموذجًا .. فقه النوازل أصول وقواعد
- النوازل هي الحوادث المستجدة التي لا يوجد فيها نص شرعي صريح وتتطلب اجتهادًا وبيانًا لبيان حكمها
- ابن القيم: العالم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأقوال الصحابة هو المجتهد في النوازل وهم الذين يسوغ لهم الإفتاء ويتحقق بهم فرض الاجتهاد
- لم يكن الشيخ السعدي يغفل عن أحوال الناس وضعفهم ولا يجعل ذلك ذريعة للتفلّت من أحكام الشرع بل كان صريحًا في بيان الحق رحيمًا بالخلق
- القواعد التي قررها السعدي تعكس عمق فقهه في الجمع بين الدليل والواقع والمآلات وأهميّة الاجتهاد الجماعي والتصوّر الدقيق للنوازل المعاصرة
- الاجتهاد في النوازل فرض كفاية على العلماء إذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين
- اعتمد منهج العلاّمة السعدي في فقه النوازل على قواعد ومعالم أهمها: الموازنة بين النصوص ومقاصد الشريعة
- عند دراسة النوازل ينبغي مراعاة مقاصد الشريعة ومن ذلك التشديد في الربا حرصًا على سدّ الذرائع الموصلة إليه وهو مقصد شرعي واضح
- عصرنا عصر نوازل ورغم ذلك هناك خلل في إهمال طلبة العلم لهذا الباب رغم حاجة الناس
- ابن تيمية: البحث في دقائق أحكام الجهاد من وظيفة خواص أهل العلم
- أهل العلم يقدّرون الأعمال بميزان المصالح والمفاسد، وأن الفتوى تختلف عن مجرّد البحث والمناظرة؛ إذ يُراعى فيها حال الزمان، وعمل الناس
في زمن تتسارع فيه المتغيرات، وتتداخل فيه القضايا المستجدة، تبرز الحاجة الملحّة إلى فقهٍ راسخٍ يتعامل مع النوازل بروح الشريعة ومقاصدها، دون انفصال عن النص ولا ذوبان في الواقع؛ وهو فقه النوازل الذي يُعدّ ضرورةً شرعيةً، تحفظ الأمَّة من الاضطراب في الفتوى، وتؤسس لاجتهادٍ منضبطٍ، يوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويبرز في هذا السياق العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله- الذي يُعدُّ نموذجًا فريدًا في وضوح المنهج، وعمق الفهم، وحسن تنزيل الأحكام على الواقع، ويسعى هذا الملف إلى إبراز بعض أصول هذا الفقه، وتقديم رؤية تحليلية لاجتهاد العلامة السعدي، من خلال استقراء قواعده في معالجة النوازل، وبيان ملامح منهجه في مراعاة المقاصد، وتحقيق المصالح، ودرء المفاسد، دون إخلال بالنصوص ولا تجاوز لأصول أهل السُنَّة والجماعة.
ومما ابتلينا به في هذا العصر أنَّ بعض صغار طلاب العلم يتكلم في مثل هذه المسائل مستهينـًا بما يجب أن يلتزم به تجاهها؛ فعن أبي هريرة- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ الرَّجُلُ التَّافِهُ يتكلمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ»، فليس أمر الناس -الذي يتعلق بمعاشهم ويحتاج لأمر الشرع فيه- لكل أحد، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، فمن علامات الساعة أن يقدم لتسيير أمور الناس، أو بيان حكم الله فيها من ليس لها بأهل.
أولاً: معنى النوازل ومفهومها
- النوازل لغة: جمع نازلة، وهي: المصيبة الشديدة من مصائب الدهر تنزل بالناس، يقال: نزلت بهم نازلة.
ومنه: القنوت في النوازل، يعني: الشدائد التي تحل بالمسلمين.
- واصطلاحًا: الحوادث المستجدة التي تتطلب اجتهادًا وبيانًا بالحكم الشرعي، ومن ذلك كلام الحافظ ابن عبدالبرّ -رحمه الله- في كتابه القيم: (جامع بيان العلم وفضله)، قال: (باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازل)، وقال النووي -رحمه الله- في (شرحه على مسلم): «وفيه اجتهاد الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول»، و يقول ابن القيم في (إعلام الموقعين): «فصل قد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يجتهدون في النوازل».
ثانيًا: حكم الاجتهاد في النوازل
الاجتهاد في النوازل فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن بقية العلماء، ويدل على ذلك قول الله -تعالى-: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (آل عمران: 187)، وإنما كان فرض كفاية؛ لأنه يتعلق بالعمل وليس بالعامل.
ثالثًا: أهمية العناية بفقه النوازل
إن فقه النوازل من العلوم المهمة التي ينبغي أن يعنى بها طالب العلم، ويلحظ أن مناهج الفقه التي يدرسها طلاب الكليات الشرعية، ومعظم الدروس في المساجد تقتصر على الكتب التي صنفت في قرون ماضية، وهي لم تكن قديمة حين وضعها واضعوها، وفيها فائدة عظيمة، بل لا يستغني عنها طالب العلم، لكنها لا تغني عن معرفة طالب العلم وعنايته بالنوازل، بمعرفة الحكم الشرعي في النوازل، أما اقتصاره على تلك الكتب، وعدم عنايته بفقه النوازل، فهذا كما ذكرت في مقدمة هذا الدرس فيه خلل؛ ولهذا تجد أن بعض طلاب العلم ليس له عناية بهذه المسائل، وبهذه النوازل، ومع أن الناس محتاجون إليها.

لذلك تبين كيف كان لهذا العلم مكانة عند السلف من خلال مايلي:
عناية السلف بفقه النوازل
كان السلف على جانب كبير من العناية بالنوازل، مع أنهم كانوا يكرهون التسرع في الفتيا، ويود كل واحد منهم أن يكفيه أخوه، قال ابن أبي ليلى -رحمه الله-: «أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه، ولا مُفتٍ إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا»، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «كل من أفتى الناس عن كل ما يسألونه إنه لمجنون»، وروي مثل ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وابن عيينة -رحمه الله- كان إذا سُئل عن مسائل الطلاق، قال: «من يُحِسن هذا»؟!، وقال عبدالله ابن الإمام أحمد:-رحمهما الله- «كنت أسمع أبي يسأل عن المسائل، فيقول: لا أدري، كنت أسمعه كثيرًا يسأل عن المسائل، فيقول: «لا أدري»، فإذا قلّ علم إنسان أفتى ما يسأل عنه بغير علم، ولاسيما إذا كان عنده جرأة وقلة ورع، قال: وإذا اتسع علم إنسان، واتسعت فتياه أيضًا كان عنده سعة في الفتيا؛ ولهذا كان ابن عباس -رضي الله عنهما -من أوسع الناس في الفتيا.
الاجتهاد في النوازل في عهد الصحابة
ومع كراهة السلف التسرع في الفتيا، ومحبة كل واحد منهم أن أخاه قد كفاه، إلا أنهم كانوا يجتهدون في النوازل؛ بل حصل الاجتهاد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم- من بعض الصحابة؛ كما في قصة بني قريظة في الصحيحين: لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن كانَ سامعًا مُطيعًا فلا يُصلِينَّ العصرَ إلَّا ببني قُرَيظَةَ»، فأدركتهم صلاة العصر، واختلفوا في فهم المقصود من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال بعضهم: لعلّ النبي -صلى الله عليه وسلم-إنما قصد الحثّ على المسير، ولم يقصد أن نؤخر صلاة العصر إلى أن نصل إلى بني قريظة ولو خرج الوقت، وقال آخرون: لا، بل نلتزم بظاهر كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يصلوا صلاة العصر إلا بعدما وصلوا بني قريظة بعد خروج وقتها قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: ولم يعنّف النبي -صلى الله عليه وسلم-أيًّا من الطائفتين.
لكن أي الطائفتين أفقه، الطائفة الأولى أو الثانية؟
الأولى لا شك أفقه؛ الذين صلّوا في الوقت فهموا مقصد النبي - صلى الله عليه وسلم-من قوله: «لا يُصلِينَّ العصرَ إلَّا ببني قُرَيظَةَ»؛ فلذلك الطائفة الأولى أفقه؛ لكن الطائفة الثانية التي أخذت بظاهر النص أقرها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يعنف عليهم، فهذا نوع اجتهاد حصل في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-.

قصة رجوع عمر - رضي الله عنه - من الشام
ومن أمثلة الاجتهاد في النوازل في عهد الصحابة- رضي الله عنهم-، قصة رجوع عمر - رضي الله عنه - من الشام حين وقع بها الطاعون، كما ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ إذ أُخبر عمر- رضي الله عنه - أثناء سفره بأن الطاعون قد ظهر بالشام، فاستشار المهاجرين والأنصار فاختلفوا، ثم استشار من كان من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فأجمعوا على العودة؛ فأخذ عمر - رضي الله عنه - برأيهم، بعدها أخبره عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أن هذا الحكم موافق لما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه»؛ توضح هذه القصة أن عمر - رضي الله عنه - لم يكتفِ باجتهاده الفردي، بل اعتمد الاجتهاد الجماعي للصحابة، وهو منهج يُحتذى في معالجة النوازل الكبيرة التي تمس مجموع الناس، لما فيه من قرب لصواب الحكم الشرعي.
الاجتهاد في فقه النوازل
في العصر الحاضر تتنزّل بالمسلمين نوازل، وتستجد مسائل لم تكن معروفة من قبل، حتى صحّ وصف عصرنا بأنه عصر النوازل؛ لما يشهده العالم من تقدّم تقني وثورة صناعية شاملة أفرزت وقائع ومستجدّات جديدة في مختلف مجالات الحياة، ومن هنا يجب على فقهاء الأمة بيان الحكم الشرعي فيها، غير إن من أبرز الإشكالات في هذا الباب صعوبة تصوّر بعض النوازل تصوّرًا دقيقًا؛ إذ قد يكون العالم واسع الاطلاع في العلوم الشرعية، لكنه يفتقر إلى الفهم الكامل لواقع النازلة، ومن هنا تبرز أهمية الاجتهاد الجماعي؛ لما يتيحه من الاستعانة بأهل الاختصاص في كل نازلة بحسب مجالها؛ كالأطباء في النوازل الطبية، والاقتصاديين في المسائل المالية، وغيرهم، وهو منهج أصيل عند السلف، كما كان يفعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين يجمع فقهاء الصحابة ويستشيرهم عند النازلة.
رابعًا: فقه النوازل عند العلاَّمة السعدي -رحمه الله-
يُعدّ البحث الموسوم بـ(فقه النوازل عند ابن سعدي- رحمه الله-) للشيخ: د. عبدالرحمن بن معلّى اللويحق من الأبحاث المهمّة في باب فقه النوازل؛ إذ عرض فيه منهج العلاَّمة عبدالرحمن بن ناصر السعدي- رحمه الله- في معالجته للقضايا المستجدّة، وكشف عن القواعد الأصولية والفقهية التي بنى عليها اجتهاده، بما يدل على عمق فقهه، ودقّة تنزيله للأحكام على واقعها؛ لذا كان من المهم استعراض هذا المبحث باختصار وتصرف.
تنوع الوسائل باختلاف الزمان والمكان
بيّن الشيخ اللويحق -وفّقه الله- في بداية بحثه أن الوسائل تختلف باختلاف الزمان والمكان، وقد تتغيّر صورة العمل بتغيّر وسيلته، وأن مثل هذه الوقائع لا يُستند فيها غالبًا إلى نصٍّ جزئي معيّن، وإنما يُرجع فيها إلى اجتهاد الفقيه المبني على نصوص الشريعة وقواعدها؛. كما أشار إلى أن بعض الوقائع يكون حكمها ظاهرًا في النصوص، غير إن جهل الناس بها يفضي إلى اضطرابهم وتشديدهم على أنفسهم بتحريم ما أحلّ الله.
ثم ذكر أن المستجدّات والنوازل هي المسائل التي استجدّت في حياة الناس مما ليس له نظير سابق، أو التي تغيّر موجب الحكم فيها، أو تغيّر اسمها، أو تركّبت من معاملات قديمة بصور جديدة، وقد أظهرت فتاوى الشيخ السعدي -رحمه الله- منهجه العلمي الرصين وقدرته المتميّزة في معالجتها، وهذه المعالم هي كما يلي:
المعلم الأول: الموازنة بين النصوص والمقاصد
الأصل في الاستدلال على الأحكام هو النص من كتاب أو سنّة أو إجماع أو قياس، كما قرّره الشافعي -رحمه الله-، غير أن ذلك لا ينفك عن مراعاة كليّات الشريعة ومقاصدها، وقد نبّه الشيخ إلى خطأ من أغرق في الجزئيات فأغفل المقاصد، كما خطّأ من غلّب المقاصد والكليّات على حساب النصوص، مبيّنًا أن المقاصد إنما تُستخرج من مجموع الأحكام ولا تُعارض بها النصوص الجزئية.
منهجه الرصين في التطبيق
يتجلّى ذلك في فتوى الشيخ السعدي -رحمه الله- بجواز الإخبار بدخول الشهر بكل وسيلة تُحقّق المقصود من الإعلام الصحيح، كالأذان أو النداء أو الأصوات المنتشرة، مبيّنًا أن المقصود هو إشاعة الخبر ووصوله إلى الناس، وقد جرى عمل الأمَّة على ذلك قديمًا وحديثًا، وأقرّه الشارع؛، بل دلّت عليه أصول من شرعه، وأن كل خبر صحيح دلّ على الحق قبله الشارع بأي طريق وصل، ولا سيما إذا احتفت به القرائن.
ثم قرّر أن هذا أصل عظيم تُطبّق عليه مسائل كثيرة واقعة ومتوقّعة، وأن من ظنّ أن ما لم يُنصّ عليه بعينه بدعة لا يُعمل بها فقد ضيّق ما وسّعه الشرع، وبناءً على ذلك؛ فإن ثبوت الأحكام الشرعية يوجب بثّها للناس بكل وسيلة متاحة؛ إذ ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب.
المعلم الثاني: الموازنة بين المصالح والمفاسد
بيّن الشيخ السعدي -رحمه الله- أن ذوي الرسوخ من أهل العلم يقدّرون الأعمال بميزان المصالح والمفاسد، وأن الفتوى تختلف عن مجرّد البحث والمناظرة؛ إذ يُراعى فيها حال الزمان، وعمل الناس، وما يترتّب على القول من آثار، وقد قرّر أن نشر القول الراجح قد يُترك إذا ترتّب عليه اضطراب أعظم أو مفسدة عامة، وهو مسلك معروف عند أهل العلم.
ومن تطبيقاته-رحمه الله- ذلك، إجازته شقّ بطن المرأة الميتة لإخراج الجنين الحيّ عند تحقّق المصلحة وانتفاء المفسدة، مبيّنًا أن العلة التي بنى عليها الفقهاء المنع - وهي المثلة - قد تغيّرت بتغيّر الوسائل الطبية، وأنه عند تعارض المصالح والمفاسد يُقدّم أعلاهما، ويُرتكب أخفّهما، ولا سيما مع تقدّم الطبّ وانتفاء الضرر.

المعلم الثالث: حسن تصوّر المسائل المستجدّة
أكّد الشيخ السعدي -رحمه الله- أن كل مسألة حادثة يجب تصوّرها تصورًا تامًا قبل تنزيل الحكم عليها، من حيث حقيقتها، ومقدّماتها، ونتائجها، ثم تُعرض على نصوص الشرع وأصوله الكلية. ومثّل لذلك بمسائل نقل الأعضاء والدم، فناقش الأقوال فيها، ووازن بين أدلتها، وراعى تغيّر الأحوال وتقدّم الطب، وقرّر أن كثيرًا من الأحكام تتغيّر بتغيّر عللها، مع بقاء أصول الشريعة حاكمة، وبيّن أن الأصل في احترام بدن الآدمي إنما شُرع لدفع الضرر والانتهاك، فإذا انتفى الضرر، ورضي الإنسان، وتحقّقت المصلحة الراجحة، تغيّر الحكم تبعًا لتغيّر علّته، وأن الشرع لا يمنع مصلحة خالصة أو راجحة.
المعلم الرابع: الجمع بين الغيرة على الحق والرحمة بالخلق
لم يكن الشيخ السعدي -رحمه الله- يغفل أحوال الناس وضعفهم، ولا يجعل ذلك ذريعة للتفلّت من أحكام الشرع؛ بل كان صريحًا في بيان الحق، رحيمًا بالخلق، ويتجلّى ذلك في فتواه بتحريم الدخان، حيث قرّر تحريمه بأدلته الشرعية، وبيّن أضراره الدينية والبدنية والمالية، مع دعوة المتعاطين إلى التوبة، والتلطّف في نصحهم، وفتح باب الأمل لهم، وختم الشيخ كلامه بالتأكيد على أن من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه، وأن التوبة الصادقة مع الاستعانة بالله سبيل إلى التوفيق والثبات.
أهمية النظر إلى مقاصد الشريعة
ينبغي عند دراسة النوازل، مراعاة مقاصد الشريعة؛ فمثلاً، في مسائل الرّبا شددت الشريعة تشديدًا بالغًا، فقد لعن النبي - صلى الله عليه وسلم-آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وتوعّد آكل الربا بالحرب، وقد ورد عنه تحريم بيع العينة وبيع الرطب بالتمر إذا كان ينقص عند اليباس، رغم أن الفارق يسير، حرصًا على سدّ الذرائع الموصلة للربا، وهو مقصد شرعي واضح، أما في المسائل التي تترتب عليها حرج ومشقة على الناس، مثل الرمي في الحج؛ فالسلوك يكون بالتيسير مراعاةً لمقاصد الشريعة، وقد أجاز العلماء المعاصرون الرمي بالليل بسبب كثرة الحجاج وازدياد الأعداد عن المليون، بما يخفف المشقة عن الحجاج، مع الحفاظ على مقصد الشرع في أداء المناسك.
من هو المجتهد في النوازل؟
قال ابن القيم -رحمه الله: «العالم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأقوال الصحابة هو المجتهد في النوازل، فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وفي الجملة فالبحث في هذه الدقائق -أي دقائق أحكام الجهاد- من وظيفة خواصّ أهل العلم»، وقال الشاطبي-رحمه الله- في الاعتصام:» إذا عرضت النوازل روجع بها أصولها فوجدت فيها، ولا يجدها من ليس بمجتهد، وإنما يجدها المجتهدون الموصوفون في علم أصول الفقه».
لاتوجد تعليقات