نصائح وضوابط إصلاحية.. تحقيق الأخوة الإيمانية في العمل الدعوي
- تحقيق مفهوم الأخوة الإيمانية بين الأفراد يعد رباطًا وثيقًا وحصنًا حصينًا يمنعُ انفراط العقد فيَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ يحميها ويحفظها ويرعاها
- اجتهاد المسلم في قضاء حاجات إخوانه سبب لجلب معونة الله له فاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ
تحقيق مفهوم الأخوة الإيمانية بين الأفراد يعد رباطًا وثيقًا، وحصنًا حصينًا يمنعُ انفراط العقد فـ(يَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ)، يحميها ويحفظها ويرعاها؛ لذلك فالواجب على جميع الأفراد داخل المؤسسات الدعوية الاهتمام بحقوق الأخوة الإيمانية ومراعاتها فيما بينهم، ولا سيما مع تتابع الأعمال وضغطها والتبسط في المعاملات بين الأفراد؛ نظرًا لكثرة الاحتكاك بين الأفراد داخل المؤسسة الدعوية؛ ما قد يؤدي إلى الغفلة عن تلك الحقوق الأخوية الإيمانية اللازمة لهدم أي فجوة نفسية أو نزغة شيطانية قد تظهر مع طول الأمد، وتتابع العمل واختلاف وجهات النظر؛ فالشيطان أيس أن يُعبد في جزيرة العرب، لكنه لم ييأس من التحريش بين المؤمنين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ».
لذا فإن تفعيل تلك الحقوق بين جميع الأفراد في المؤسسات الدعوية هو مؤشر لفهم الأفراد لقواعد المنهج، ولصحة البناء الإيماني والسلوكي عندهم، وهو أمر مهم جدًّا لحفظ التماسك الداخلي للمؤسسات الدعوية والمؤدي للوجود المجتمعي بالتبعية، وقد أوفى العلماء قديمًا وحديثًا في ذكر هذه الحقوق الأخوية الإيمانية؛ وهي كثيرة جدًّا ولكني سأقتصر هنا على ذكر (بعض الحقوق) التي أرى أنه من المهم الاهتمام بها؛ وذلك نظرًا لأنها من وجهة نظري متعلقة بتماسك المؤسسة الدعوية وتأثيره المجتمعي، كما أنها مما يُغفل عنها غالبًا من بعض الأفراد داخل الكيانات الإصلاحية نتيجة لضغط الأعمال وتتابع المهام، وتتمثل هذه الحقوق المهمة المختارة في:أولًا: الدعاء لأخيك بظهر الغيب
فتدعو لأخيك كما تدعو لنفسك؛ فإن هذا من الأعمال التي تعالج وغر الصدر، وتزيد من أواصر المحبة، بل ويأخذ العبد أجرها هو أولًا؛ فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلاَّ قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ»، بل يعد دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب -الذي يدل على حب الأخ الخير لإخوانه كما يحبه لنفسه- من دلائل صحة البناء الإيماني السلوكي عند الأفراد؛ وذلك مصداقًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم -: «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه»، فلو تميز كل فرد في المؤسسة الدعوية بهذا السلوك الإيماني تجاه إخوانه؛ لوجدنا بركات عجيبة وفتوحات عظيمة لهذا الكيان الإصلاحي؛ سِرُّها في الحقيقة إجابة الرب لهذه الدعوات الخفية في ظهر الغيب، وهي سلاح المؤمنين في مواجهة المصاعب والمكر المتتابع؛ فالدعاء سلاح المؤمن: «يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ»؛ كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.ثانيًا: التيسير عليهم، وترك التكلف معهم
فالأخ الصادق لا يعنِّف إخوانَه ولا يشقُّ عليهم، بل يروِّح عنهم ويأنس بهم، ويشاورهم في كل ما يقصد، ولا يتكلف معهم؛ فمثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى. قال القاسمي -رحمه الله-: «قال علي - رضي الله عنه -: «شر الأصدقاء من تكلفت له ومن تكلف لك، ومن أحوجك إلى مداراة وألجأك إلى اعتذار». وقال الفضل: «إنما تقاطع الناس بالتكلف، يزور أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه». وكان جعفر بن محمد الصادق -رضي الله عنهما- يقول: «أثقل إخواني عليَّ مَن يتكلف وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي». وكما قيل: تمام التخفيف يكون بطي بساط التكليف؛ فهذا لا يتحقق إلا بأن يرى أحدنا الفضل لإخوانه عليه؛ لا لنفسه عليهم، فيُنزل نفسه معهم منزلة الحريص على خدمتهم وتيسير أمورهم، وتأدية حقوقهم قبل أن ينظر لحقه هو منهم؛ قال بعضهم: «من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه منه فقد ظلمهم، ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتبعهم، ومن لم يقتضِ فهو المتفضل عليهم»، ومن تتمة ذلك أيضًا:- أن يشاور إخوانه في كل ما يقصده ويقبل إشارتهم ويأنس برأيهم؛ فقد قال الله -تعالى-: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى:38).
- أن يقبِل عليهم بوجهه حين يكلِّمهم بنظرة مودة، وبسمة محبة يعرفونها منه، ولا يصرف بصره عنهم في وقت إقبالهم عليه وكلامهم معه.
- أن يحرص على أن يهاديهم ولا يتكلف في ذلك؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تَهَادَوْا تَحابُّوا».
- أن يحرص كذلك على زيارتهم في الله والتودد إلى أبنائهم؛ فقد قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ والْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ».
- أن يخبرهم بمحبته لهم؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ»؛ فبذلك تزداد المحبة، وتتآلف النفوس، وتصفو القلوب، وتسهل الأمور على الجميع في التعاملات والنقاشات، والمهام الإصلاحية المشتركة.
ثالثًا: المواساة بالمال والنفس
- أما المواساة بالمال: فبأن تبذله لأخيك بحسب الاستطاعة، مع المبادرة بتقديم يد العون دون انتظار السؤال أو طلب المعونة؛ لأن البذل والعطاء ابتداءً من مقتضيات الأخوة الإيمانية، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»؛ ولا سيما وأن الاكتفاء المالي المتمثل في الحد الأدنى اللازم لتوفير الاحتياجات الشخصية والأسرية للأفراد داخل تلك الكيانات الإصلاحية، صار حاجة ملحة لاستمرار العطاء الدعوي لهم؛ فإن النفس إذا حازت رزقها اطمأنت وأبدعت.
المواساة بالنفس
وأما المواساة بالنفس: بأن تقوم بنفسك بقضاء حوائج إخوانك وأنت فرح مستبشر؛ لأن حاجة أخيك إليك هي فضل من الله عليك، فـ»وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»؛ كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل هي من أحب الأعمال إلى الله؛ فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أحبُّ الناسِ إلى الله أنْفَعُهم لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعْمالِ إلى الله عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدْخِلُه على مسلمٍ، تَكْشِفُ عنه كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عنه دَيْناً، أوْ تَطْرُدُ عنه جُوعاً، ولأَنْ أَمْشي مَعَ أخٍ في حاجَة؛ أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ أعْتَكِفَ في هذا المسجِدِ -يعني مسجدَ المدينَةِ- شَهْراً، ومَنْ كَظَم غيْظَهُ- ولو شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أمْضاهُ-؛ ملأَ الله قلْبَهُ يومَ القيامَةِ رِضاً، ومَنْ مَشى مَع أخيه في حاجَةٍ حتى يَقْضِيَها له؛ ثَبَّتَ الله قدَميْه يومَ تزولُ الأقْدامُ، وإِنَّ سُوءَ الخُلُقِ لَيُفْسِدُ العَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ».- فاجتهاد المسلم في قضاء حاجات إخوانه سبب لجلب معونة الله له، فـ»اللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» ، وهو دليلٌ لصدق الأخوة؛ فقد رُوى «أن ابن شبرمة قضى حاجة لبعض إخوانه كبيرة، فجاء بهدية، فقال: ما هذا؟ قال: لِمَا أسديته إليَّ، فقال: خذ مالك عافاك الله، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها، فتوضأ للصلاة وكبِّر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى».
لاتوجد تعليقات