التغريب والعلمنة وأثرهما على المجتمعات المسلمة (12) وسائل مقاومة التغريب
البحث الفائز بالمركز الأول في المسابقة البحثية الأولى للمركز
ما ابتليت الأمة في العصر الحديث بشيء بعد ضعفها الديني وتأخرها العلمي بأسوأ من تيارات التغريب المختلفة، تلك التيارات التي تآزر كل من الاستعمار والاستشراق والماسونية ودعاة وحدة الأديان في دعمها لهذه التيارات التي أعاقت نهضة الأمة الحقيقية؛ لذلك تُعد مقاومة التغريب في الوقت المعاصر شرط وجود وجوهر بقاء للمجتمعات المسلمة.
المطلب الأول: مسوغات مقاومة التغريب, وأسسه
أولاً: مسوّغات مقاومة التغريب: ويمكن إجمالها في النقاط الآتية:
(1) هدف التغريب: ويتمثل في هدم الدين الإسلامي, هذا الدين الذي لا صلاح لنا إلا بنهجه، ولا بقاء لنا إلا بهديه؛ لذلك يستهدف الغرب استئصاله من حياتنا.
(2) شراسة التغريب: هذا التغريب يقوم عليه الاستعمار والاستشراق والتنصير؛ فهؤلاء يجتمعون على عداء الإسلام والمسلمين وضرورة تغريب العالم الإسلامي بشتى المؤامرات والتهديدات التي تدير دفتها أجهزة معقدة, وتُنْفَقُ عليها الملايين, وتُحْشَدُ لها أرقى الخبرات, وأعلى الكفاءات.
(3) تنوع جوانب التغريب: فالتغريب لم يقتصر على جانب من جوانب حياتنا وإنما شمل معظم - إن لم يكن كل - جوانب الحياة, من اقتصاد وسياسة وقانون وتعليم وإعلام وفن ولغة وعادات وتقاليد وأزياء.
(4) تعدد أنواع التغريب: فتارة يأتي من الخارج, وتارة من الداخل, وتارة بأساليب مباشرة, وتارة بأساليب خفية, وتارة بالتسرب إلى منظمات, وتارة بالتقرب إلى أقليات, وتارة باستقبال الطلاب, وتارة بإنشاء مدارس وجامعات, في عشرات الأنواع تتحرك على جهات مختلفة وبمستويات متنوعة تستهدف تغريب شتى مناحي المجتمعات المسلمة؛ لذلك لابد أن تكون المقاومة بالدرجة والعمق نفسهما.
(5) استمرار دفعات التغريب: فالتغريب منذ أن بدأ لم يتوقف تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً؛ ومن ثم فالمقاومة ينبغي أن تستمر ولا تهدأ أو تفتر.
وفي ضوء ذلك نتناول (وسائل مقاومة التغريب) من خلال بيان أسس مقاومة التغريب, ثم مستويات مقاومة التغريب وذلك من خلال الأفراد والأسر والمجتمعات والحكومات والمؤسسات, وأخيراً التطرق لبعض التشريعات الإسلامية الداعمة لمقاومة التغريب مع اقتراح بعض الأمور في تطبيقها.
ثانياً: أسس فاعلية مقاومة التغريب
يمكن بيان أسس فاعلية مقاومة التغريب من خلال النقاط العشر التالية:
(1) الشمول للقطاعات والفئات كافة
فكما أن التغريب يستهدف جوانب حياتنا ونُظُمُها؛ لذا فلابد أن يكون الدفاع كذلك عن جميعها؛ بحيث لا تترك جبهة يمكن للتغريب أن يتسلل منها أو يتغلل فيها.
(2) التنسيق بين الدول والهيئات
إذا كان للتغريب دول تقوم عليه وتنفق من أجل تحقيقه, سواء بإنشاء المدارس والجامعات أم بالمنح للمبتعثين أم بالإنفاق على المراكز البحثية والقنوات الموجهة, إلى غير ذلك؛ فينبغي أن تكون المقاومة كذلك بل أشد, وبتضافر بين الهيئات والدول على مستوى الدولة نفسها وعلى مستوى العالم الإسلامي كله.
(3) الاستمرار في المراحل جميعها
بمعنى أن تشمل المقاومة المراحل العمرية للأفراد من الطفولة وحتى الكهولة, وذلك انطلاقا من أن التغريب يُعَدُّ جهداً متواصلاً, متواكب الحلقات, متكامل الفصول, ومقاومته أيضاً ينبغي ألا تقل عن ذلك بل تتجاوزه وتتحداه.
(4) الاعتماد على الذات
أي الاعتماد في المقاومة على الإسلام عقيدة وشريعة, وعدم استخدام نظريات مستعارة في المقاومة؛ فلا يقاوم التغريب بتغريب آخر؛ لذلك لابد أن يُنشئ المسلمون مراكز أبحاث خاصة بهم, تبحث المشكلات والتحديات والعوائق، وتضع الحلول من منطلق إسلامي, أي تكون وسائل المقاومة إسلامية المنهج.
(5) التجسيم المعتدل لعوامل التغريب
فلا مبالغة ولا تهوين, فكلاهما تفسير خطأ ومضر؛ فالمبالغة والتجسيم تؤدي إلى الإحباط وفقدان الأمل والانكماش والتراجع، وتجعل العمل الإسلامي مكبلاً أو فاقداً للثقة؛ مما يتيح لأعدائنا مزيداً من السيطرة ومزيداً من التحكم, والتهوين والاستخفاف أشد ضرراً من المبالغة والتجسيم.
(6) الموضوعية ووضوح الهدف
بمعنى أن وسائل مقاومة التغريب لابد أن تكون واضحة الهوية, بينة المقصد.
(7) تعدد وسائل المقاومة
فلا يُكتفى بالخطبة والدرس والتوجيه, بل ينبغي أن يتجاوز الأمر ذلك؛ إذ يحتاج لتضافر الكثير من الوسائل, ابتداء بأفلام الكرتون للأطفال إلى الأبحاث المعمقة الموجهة لرجال الفكر, مروراً بالسينما والإذاعة والتليفزيون والمسرح ووسائل التواصل الاجتماعي وشبكة المعلومات الدولية والجرائد والمجلات والكتب والمدارس بمناهجها ونظمها, إلى غير ذلك من الوسائل.
(8) الاعتماد على الدراسات المعمَّقة
وذلك في تحديد وسائل المقاومة المطلوبة لكل مجتمع على حدة؛ فيكون العمل بطريقة علمية ومنظمة ومبنية على دراسة وتحليل وتفسير وفهم عميق للإمكانات والتحديات.
(9) التطور والمناسبة
بمعني أن وسائل مقاومة التغريب لابد أن تكون مطورة وملائمة للعصر ومناسبة للمجتمعات والفئات الموجهة إليها هذه الوسائل؛ فتكون الوسيلة بالمستوى والمحتوى واللغة والطريقة والمثال والنموذج المتلائم معهم والمناسب لظروفهم؛ فلابد عند إعداد وسائل المقاومة أن يراعى فنية الأسلوب مع إسلامية المنهج.
(10) الدفاع والمقاومة
بمعنى ألا تكتفي وسائل المقاومة برد الفعل فقط, بل فعل أيضاً, ليست مجرد صد, بل هجوم أيضاً؛ فمن الأسس التي يجب اعتمادها في مقاومة التغريب هي استخدام الوسائل التي تحول دون وقوعه؛ فعلى سبيل المثال لا ننتظر المؤتمر الدولي يُعقد ويتخذ قرارات تستجيب لها الحكومات الإسلامية ثم نتحرك نحو مقاومة التغريب, بل لابد من متابعةٍ ذكيةٍ, ورصدٍ نشطٍ, واكتشافٍ مبكرٍ لهذه المؤتمرات حتى نتعامل معها من قبل انعقادها, فالقوة ليست في انتظار ما سيحل بنا من هجوم, أو يطرأ علينا من غزو, بل في تداركه قبل وقوعه واكتشافه قبل بدايته ثم ابتكار سبل مقاومته.
مستويات مقاومة التغريب
يمكن تقسيم وسائل مقاومة التغريب على مستويات عدة:
- المستوى الأول: وسائل الأفراد لمقاومة التغريب:
تتعدد وسائل حماية الفرد نفسه من التغريب, ومن هذه الوسائل ما يلي:
(1) التمسك بالإسلام والاستقامة عليه, ظاهراً وباطناً, ظاهراً بالعبادات القولية والبدنية, وباطناً بحسن الخلق والعبادات القلبية, وبذلك يساعد نفسه في الوقاية من الشهوات.
(2) تَعَلُّم العلوم الشرعية الواجبة عليه, حتى يكون على دراية بالشبهات التي تثار حول الدين.
(3) أن يكون له ورد قراءة واطلاع ممنهج في كتب علمية وفكرية وثقافية وتاريخية؛ بحيث يكون عالما بقيمة دينه وحضارته, وعلى دراية بما يحاك نحو دينه وأمته.
(4) أن يكون داعية لدينه بخلقه وعلمه ومظهره وعبادته.
لاتوجد تعليقات