رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 22 يناير، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بَيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ

  • حكم البيع هو ثبوتُ المِلْك للمُشْتري في المَبِيع وللبَائع في الثّمَن إذا كان تاما وعند الإجازة إذا كان مَوقُوفا
  • بُعِثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم والناسُ يتعاملُون بالبيع والشّراء فأقرّهم عليه وبيّن لهم كثيراً مِنْ أحْكامه
  • مذهبُ الجُمهور أنّ الحِنْطة والشّعير صِنفان يجوزُ التفاضلُ بينهما كالحِنْطة مع الأرُز
 

لمّا فرغ الإمام مسلم -رحمه الله- مِنْ أحاديث الحَجّ والعُمْرة، جاء بأحاديث النّكاح، نظراً إلى أنّ النّكاحَ مُشتملٌ على المَصَالح الدّينية والدُّنيويّة، وهو أفضلُ مِنَ التخلّي للنّوافل، ثمّ جاء بأحاديث البُيوع، وبعضُ أهل الحديث قدّم البُيُوع على النّكاح؛ نظراً إلى أنّ احْتياجَ الناس إلى البَيع، أكثر مِنْ احتياجهم إلى النّكاح؛ فكان أولى بالتّقديم.

         لفظ «الكتاب» مشتملٌ على الأبواب، وهي كثيرة في أنْواع البُيوع، وجَمَعَ البَيع لاختلاف أنواعه، والصّرْف إنْ كان بيع الثَّمن بالثمن، والمُرابحة إنْ كان بالثّمن مع زيادة، والتّوْلية إنْ لمْ يكنْ مع زِيادة، والوَضِيعة إنْ كان بالنُّقصان، واللازم إنْ كان تامّاً، وغير اللازم إنْ كان بالخيار، والصّحيح والباطل والفاسد والمكروه، وغيرها.

أركان البيع وشروطه

ثم للبيع تفسير لغة وشرعا، وركنٌ وشَرْطٌ ومَحلّ، وحُكمٌ وحِكْمة.
  • أمّا تفسيره لغة: فمُطْلق المُبادلة، وهو ضدُّ الشّرَاء، والبيع الشّراء أيْضاً، باعه الشيء، وباعه منه جميعاً فيهما، وابتاع الشيء: اشْتراه، وأباعه: عَرَضه للبيع، وبايعه مبايعةً وبياعاً، عارضه للبيع، والبيِّعان: هما البائع والمشتري، وجمعه باعة، والبَيْع: اسم المَبِيع، والجَمْع بُيُوع، والبياعات: الأشياء المتبايعة للتّجارة، ورجلٌ بَيُوع: جيّد البَيع، وبَيّاع: كثير البيع، ذكره سيبويه فيما قاله ابنُ سيده، وفي الجامع: أبَعْته أبيعه إباعةً: إذا عَرَضته للبيع، ويقال: بعتُه وأبعته بمعنى واحد، والشّيءُ مبيع ومبيوع، والبياعة السلعة، وقال ابن قتيبة: بعتُ الشّيء: بمعنى بعته، وبمعنى اشتريته، وشريتُ الشيء: اشْتريته وبمعنى بعته، ويقال: اسْتبعته أي: سألته البيع.
وقيل: سمي البيع بيعًا: لأنّ البائع يَمدُّ باعه إلى المُشْتري حال العَقد غَالباً، وردّ هذا بأنّه غلط؛ لأنّ الباع مِنْ ذَواتِ الواو، والبيع مِنْ ذوات الياء.
  • وأمّا تفسيرُه شَرعاً: فهو مبادلة المال بالمال، على سبيل التراضي.
وأمّا رُكْنُه: فالإيجابُ والقبول. وأمّا شَرْطُه: فأهليّة المتعاقدين. وأما محله: فهو المال، لأنه ينبئ عنه شَرْعاً. وأمّا حُكْمُه: فهو ثبوتُ المِلْك للمُشْتري في المَبِيع، وللبَائع في الثّمَن، إذا كان تاما، وعند الإجازة إذا كان مَوقُوفا. وأمّا حِكَمُ البَيع والشراء: فهي كثيرة، منْها: اتساعُ أمُور المَعَاش للناس والبَقاء. ومنْها: إطفاءُ نارِ المُنازعات، والنَّهْبِ والسّرِقة، والخِيانات والحِيل المَكروهة. ومنها: بقاء نظام المَعَاش، وبقاء العالم؛ لأنّ المُحْتاج يَميل إلى ما في يد غيره، فبغيرِ المُعاملة بالبيع والشّراء، يُفضي إلى التّقاتل والتّنازع، وفناء العالم، واختلال نظام الحياة، وغير ذلك مِنَ الحِكم. وأمّا ثبوته بالكتاب: فلقوله -تعالى-: {وأحلّ الله البيع وحرم الرّبا} (البقرة: 275). وفي السنة النّبوية: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ والناسُ يتعاملُون بالبيع والشّراء فأقرّهم عليه، وبيّن لهم كثيراً مِنْ أحْكامه، والإجماع منعقدٌ على شَرْعيّته. والآن إلى أحاديث كتاب البُيوع:

 باب: بَيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ

 عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عبداللَّهِ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ، فَقَالَ: بِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيراً، فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعاً وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَراً أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» قَال: وكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ، قَال: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ» الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1214) باب: بيع الطعام مثلاً بمثل.

صحابي الحديث

        صحابي الحديث هو معمر بن عبدالله بن نافع بن نضلة بن عوف، وهو معمر بن أبي معمر القرشي العدوي، أسلم قديماً وتأخرت هجرته إلى المدينة، لأنّه كان هاجر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، وعاش عُمراً طويلاً، وعداده في أهل المدينة.
  • قوله: إنّ مَعمر بن عبدالله - رضي الله عنه - أرسلَ غُلامَه بِصَاع قَمحٍ ليَبيعه ويَشتري بثَمَنه شَعيراً، فبَاعه بِصاعٍ وزِيادة، فقال له معمر: رُدّه ولا تأخذه إلا مثلاً بمثل. واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الطعامُ بالطعام، مِثْلاً بمثل» أي: بيعُ الطّعام بالطعام، «مثلًا بمثل» أي: يجبُ أنْ يَتماثلا، ويَحرُمُ أنْ يَتفاضلا.

وكانَ طعامنا يومئذ الشّعير

  • قوله: «وكانَ طعامنا يومئذ الشّعير» يفيد أنّ المراد بالطّعام هنا هو الشّعير، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: الشعير بالشعير، ولا نزاعَ عند أهلِ العِلْم في أنّ الشّعيرَ لا يُباعُ بالشّعير، إلا مِثلاً بمثل، غير أنّ معمر بن عبدالله - رضي الله عنه - كان يَخْشى أنّ هذا اللفظ النبوي، ربّما يشملُ بَيع البُرّ بالشّعير، وأنّه تَجبُ فيهما المُماثلة، وهو اجْتهادٌ منه - رضي الله عنه -.
ولمّا قيل له: فإنّه ليسَ بمثله، قال: إنّي أخَافُ أنْ يُضارع، والذي فهمه عامّةُ أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنّ المُراد مِنَ الطعامين، ما يكونُ مِنْ جِنسٍ واحدٍ، كالبُرّ بالبُرّ، والشّعير بالشّعير، أمّا الشّعيرُ مع البُرّ، فهما جنسان، لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذّهبُ بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير...»، فإنّه ينصّ على أنّ جنسَ البُر، غير جِنْس الشّعير، كما إنّ جنس الذهب غير جنس الفضة، وقد قال في آخره: «فإذا اختلفتْ هذه الأصناف، فبيعُوا كيفَ شِئْتم، إذا كان يداً بيد».

الحِنْطة والشّعير صِنْف واحد

       قال النووي: «واحتجّ مالكٌ بهذا الحديث، في كون الحِنْطة والشّعير صِنْفاً واحداً، لا يجوزُ بيعُ أحدهما بالآخر مُتفاضلاً، ومذهبُنا ومذهبُ الجُمهور: أنّهما صِنفان، يجوزُ التفاضلُ بينهما، كالحِنْطة مع الأرُز، ودليلنا ما سبق عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذَا اخْتلفتْ هذه الأجْنَاس، فبِيعُوا كيفَ شِئتم». مع ما رواه أبو داود والنسائي: في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا بأسَ ببيع البُرّ بالشّعِير، والشّعير أكَثَرهُما، يَداً بيدٍ»، وأمّا حديثُ معمر هذا، فلا حُجّةَ فيه؛ لأنّه لمْ يُصرّح بأنّهما جِنسٌ واحد، وإنّما خافَ مِنْ ذلك، فتورّعَ عنه احْتياطاً». انتهى.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك