رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 13 يناير، 2026 0 تعليق

المرأة المسلمة 1292

البيت المسلم ليس جدرانًا تؤوي الأجساد، بل هو بيئة إيمانية تصوغ الأرواح، والمرأة حين تجعل من بيتها موطنًا للطاعة، ومناخًا للذكر، ومدرسةً للقيم؛ فإنها تمارس عبادة ممتدة الأثر، عظيمة الأجر.

 

حين تتسع بيوتنا بالإيمان

       البيتُ لا تُقاسُ قيمتُه باتّساع جدرانه، ولا بفخامة أثاثه، بل بما يتّسع له من طاعةِ الله ونورِ الإيمان؛ فقد يَضيقُ في مساحتِه، لكنه يتّسعُ أثرًا وبركة، تُتلى فيه آية، وتُرفع فيه أكفٌّ بالدعاء، فتُبنى فيه النفوس قبل الأجساد، وتُصلَح فيه القلوب قبل الأحوال. في هذا البيت يرى الأبناءُ الإيمانَ حيًّا: أبٌ يقدّم الصلاة على الشواغل، وأمٌّ تجعل الذِّكر زادَ يومها، وحديثٌ عابر لا يخلو من حكمة، وخلافٌ يُدار بأدب، وخطأٌ يُقوَّم برفق؛ فالتربية فيه ليست أوامرَ تُسمَع، ولا خُطبًا تُلقى، بل قُدوةً تُعاش، وحياةً تُرى. ولقد أرشد القرآنُ إلى مركزية البيت في صناعة الإيمان، فقال الله -تعالى-: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه: 132)؛ فليس المطلوب أمرًا عابرًا، ولا توجيهًا لحظيًّا، بل صبرٌ ومداومة، حتى تصير الصلاة روحَ البيت ونبضَه، ويغدو البيتُ نفسُه معينًا على الطاعة، لا صارفًا عنها. ولقد كان بيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - النموذجَ الأكمل للبيت المؤمن؛ بيتَ عبادةٍ وسكينة، تُقام فيه الصلاة، وتُدار فيه شؤونُ الدعوة، وتُحفظ فيه القيم، وتُربّى فيه النفوس. تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يذكرُ اللهَ على كلِّ أحيانه»، فكان الذكرُ حاضرًا في البيت، كما هو حاضرٌ في المسجد، لتبقى الصلةُ بالله موصولةً في كل حال. والبيتُ المؤمن لا يخلو من ابتلاء، لكنه يعرف كيف يُحوِّل الابتلاءَ إلى قربٍ من الله؛ فإذا ضاق الرزق، وُسِّع بالدعاء، امتثالًا لقوله -تعالى-: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (الطلاق). وإذا اشتدّ التعب، لُطِف بالذكر، وقد قال -صلى الله عليه وسلم -: «مثلُ الذي يذكرُ ربَّه والذي لا يذكرُ ربَّه مثلُ الحيِّ والميت»، وإذا طال الخلاف، حُسِم بالعدل والعفو، اقتداءً بقوله -تعالى-: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} (النور: 22). فلتكن بيوتُنا يملؤها الإيمان: يُتلى فيها القرآن، وتُحيا فيها السُّنة، وتُربَّى فيها القلوب على مراقبة الله، قبل مراقبة الناس، فمتى صلح البيت، صلح المجتمع، ومتى أشرق الإيمان في البيت البيت، امتدّ نوره إلى ما حوله.  

عبادة المرأة الخفيّة

         ليست عبادةُ المرأةِ دائمًا صلاةً تُرى، ولا صدقةً تُعلَن، ولا عملًا يتصدّر المشاهد؛ فكثيرٌ من طاعتها يسكن الظلَّ، ويُثمر في الخفاء، ويعلو عند الله وإن خفِيَ عن الناس، إنها عبادةُ النيّات الصادقة، والأعمال الصامتة، التي لا تُزاحم عليها الأضواء، هي عبادةُ قلبٍ يرضى، وصبرٍ يتجدّد، واحتسابٍ لا ينقطع، حين تُحسن التبعُّل، وتقوم على شأن بيتها، وتربّي أبناءها على الإيمان، فهي في عبادةٍ جليلة، وإن لم تُرفع لها منابر. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلّتِ المرأةُ خمسَها، وصامت شهرَها، وحفظت فرجَها، وأطاعت زوجَها، قيل لها: ادخلي الجنةَ من أيِّ أبوابِ الجنةِ شئتِ»، فعبادةُ المرأة الخفيّة تمتدّ إلى تفاصيلها اليومية: إعدادُ طعامٍ بنية الإعفاف، وترتيبُ بيتٍ بنية السكينة، وسهرٌ على مريضٍ بنية الرحمة، وتنازلٌ عن حقٍّ ابتغاءَ وجه الله. قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى».

فقه الحوار داخل الأسرة المسلمة

إن فقه الحوار داخل الأسرة المسلمة هو صمّام أمانها، وجسرُ التفاهم بين أفرادها، ومفتاحُ السكينة فيها، فمتى حُكم بالشرع، وضُبط بالأدب، وأُحيط بالإخلاص، صار الحوار عبادة، وصار البيت موطنَ رحمةٍ وطمأنينة.
  • من فقه الحوار داخل الأسرة حُسنُ القصد؛ فالأصل في الحوار أن يُراد به الوصول إلى الحق، قال -تعالى-: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 18)، فالكلمة مسؤولية، ولا سيما حين تُقال بين من جمعهم ميثاقُ الرحمة.
  • ومن أصوله كذلك: الرفقُ في الخطاب؛ فالغلظة تُغلق القلوب وإن أصابت الفكرة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم -: «ما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا نُزع من شيءٍ إلا شانَه»، وكان الله -سبحانه- قد أوصى موسى وهارون -عليهما السلام- باللين وهما يُخاطبان فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} (طه: 44)، فكيف بمن نُحاورهم في بيوتنا، وهم أقرب الناس إلينا؟
  • ومن فقه الحوار: الإنصاتُ قبل الكلام، فكم من نزاعٍ أُشعل لأن أحد الأطراف لم يُتح له أن يُسمَع، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم - يُقبِل على محدّثه بكليّته، حتى يظنّ أنه أحبُّ الناس إليه، والإنصات في الأسرة يُشعر الأبناء بالقيمة، ويمنح الزوجة الأمان، ويُطفئ كثيرًا من جذوة التوتر.
  • كما يقوم الحوار الأسري على العدل والإنصاف، فلا يُصادَر رأيٌ لصِغَر صاحبه، ولا يُحتقَر شعورٌ لكونه مخالفًا، قال -تعالى-: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام: 152)؛ فالعدل في الكلمة لا يقل شأنًا عن العدل في الحكم.

القوامة والتوازن الأسري

         القوامة في الإسلام ليست امتيازًا للرجل، ولا أداة قهر، بل هي مسؤولية شرعية قائمة على الرعاية والقيام بالواجب. قال -تعالى-: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: 34)، قال ابن كثير -رحمه الله-: أي الرجل قيّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجّت؛ فالقوامة تُفهم في سياقها الشرعي: قيام بالنفقة، وحسن عشرة، وعدل، ورحمة، وبفهمها الصحيح تُغلق أبواب الظلم، ويستقر ميزان الأسرة.

القدوة قولًا وفعلًا

        من أعظم أخطاء التربية الاكتفاء بالأوامر الظاهرة مع غياب القدوة الباطنة؛ فالطفل لا يتربى بما يُقال له فقط، بل بما يراه، ويعيشه، ويشعر به، قال -تعالى- في قصة الغلامين اليتيمين: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} (الكهف: 82)، فصلاح الوالدين كان سببًا في حفظ الأبناء، ولو بعد حين، والأم حين تُربّي نفسها على الصدق، والعبادة، وضبط اللسان، فإنها تزرع ذلك في قلوب أبنائها دون خطاب مباشر.  

الحوارُ الناجح لا يُلغِي الخلاف

        من أعظم ما يفسد الحوار داخل الأسرة ارتفاع الصوت، والسخرية، والتجريح؛ وهي آفاتٌ نهى عنها الشرع صراحة، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ} (الحجرات: 11)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس المؤمنُ بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء»، لذلك فإن الحوارُ الناجح لا يُلغِي الخلاف، لكنه يُديره بحكمة، فالاختلاف سنّة، لكن الشقاق آفة، وإذا احتدم النقاش، كان التوقف أولى من التمادي، قال -تعالى-: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} (الأعراف: 200).  

من الخطأ تحويل القِوامة إلى تسلّط

        القِوامة تكليفٌ ومسؤولية، لا استعلاءٌ وتحكّم، ومن الخطأ الشائع فهمها على أنها حقٌّ في القهر وإلغاء الرأي، بينما جعلها الله قائمةً على العدل والرعاية، قال -تعالى-: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: 34)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي».  

احذروا ترك الأبناء للشاشات دون توجيه!

         من الأخطاء التي يقع فيها الآباء: الانشغال عن الأبناء، وتسليمهم للأجهزة دون رقابة، ولا شك أنَّ ذلك خطأٌ تربويٌّ جسيم، يُنشئ أجيالًا بلا مرجعية، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6)، فالوقاية تبدأ بالمتابعة، وبناء الوعي، لا بالمنع المجرد.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك