الشباب المسلم 1292
شبابٌ على ثغرِ الإيمان
من تأمّل سيرَ الصحابة -رضي الله عنهم- رأى العجب العُجاب؛ فهذا أسامةُ بن زيدٍ يقود جيشًا جرّارًا وهو لم يبلغ العشرين؛ لأن الإيمان سبقه إلى قلبه قبل أن تسبقه السنون، وهذا عليُّ بن أبي طالبٍ يبيت في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم -، شابًّا يقدّم روحه فداءً للرسالة، وهذا عبدالله بن عباسٍ يلزم حلقَ العلم مبكّرًا، حتى صار حبرَ الأمة وترجمان القرآن. لم يكن الشبابُ عندهم مرحلةَ لهوٍ عابر› بل كان ميدانَ تكليفٍ وبذلٍ وبناء، وكان الإيمان هو المشروعَ الأوّل في حياتهم، تُبنى عليه بقية المشاريع. ومن هنا، فإن على الشباب اليوم أن يدركوا أن ذواتهم الحقيقية لا تُصاغ بما يملكون، ولا بما يُقال عنهم؛ بل بما يحملونه في قلوبهم من يقين، وبما يعقدونه من صلةٍ بالله؛ فيستحيي الشابُّ أن يراه ربُّه حيث نهاه، أو يفتقده حيث أمره، وأن يجعل رضا الله أعلى من رضا الرفاق، وثبات المبدأ أسمى من تصفيق الجماهير. إن الشباب على ثغر الإيمان هم الذين يُجدّدون إيمانهم بصلاةٍ خاشعة، لا تُؤدَّى عادةً بل تُقام عبادة، وبإقبالٍ صادقٍ على القرآن تلاوةً وتدبّرًا وعملاً، وبصحبةٍ صالحةٍ تشدّ الأزر، وتُذكّر إذا غفل القلب، وبعملٍ نافعٍ يُقدَّم للأمة، لا طلبًا للشهرة، بل وفاءً للأمانة.توبة الشباب لها بريق خاص
من رحمة الله -تعالى- أن باب التوبة مفتوح، لا يُغلق في وجه شاب أثقلته الذنوب، والخاسر حقًّا ليس من وقع في المعصية ثم تاب؛ بل من استمرَّ عليها بحجة أنه قد تأخر، أو أنه غارق لا يمكنه الخروج، ولقد كان السلف -رضوان الله عليهم- يفرحون بتوبة الشباب فرحًا عظيمًا، ويرونهم أقرب الناس إلى نصر الدين وحمل رايته، فمن أراد التوبة حقًّا فليبدأ بالاعتراف بالذنب بين يدي ربه، مع ندم صادق وعزم على عدم العودة، ثم يقطع الطرق الموصلة للمعصية، وليعلم أن كل خطوة يخطوها نحو الطاعة توازيها خُطى من رحمة الله تقبِل نحوه، وأن الله -تعالى- أكرم من أن يردَّ عبدًا طرق بابه صادقًا مُنيبًا.الصلاة عصمةٌ من كل شر
من أهم واجبات الشباب في هذا العصر أن يكونوا محافظين تمام المحافظة على فرائض الإسلام وواجبات الدين ولاسيما الصلاة؛ فإن الصلاة عصمةٌ لهم من الشر وأمَنَةٌ لهم من الباطل، كما أنَّ الصلاة معونة على الخير ومزدجر عن كل شر وباطل.فقه الاستقامة في أيام الدراسة
مرحلة الدراسة من أخطر المراحل في تكوين شخصية الشاب؛ ففيها تتكوَّن القناعات، وتتحدَّد العلاقات، وتُرسم معالم المستقبل، والموفَّق هو من يتعلم «فقه الاستقامة» في هذه السنوات؛ فإن استقامة الشاب في مقاعد الدراسة اليوم هي بذرة صلاح طبيب الغد، ومهندس الغد، ومعلّم الغد، وداعية الغد؛ ومن فقه الاستقامة في هذه المرحلة:- أن تعلم أن طلب العلم - دُنيويا كان أو شرعيا - عبادة إذا صلُح القصد، فتنوي برمِّتك أن تكون نافعًا لدينك وأمّتك، لا مجرد باحث عن شهادة أو وظيفة.
- وأن تحافظ على الفرائض في وقتها، ولو في زحمة الجداول والاختبارات؛ فالصلاة عمود الاستقامة، ومن فرَّط فيها لم يُفلح في غيرها وإن ظن.
- وأن تحذر من رفقة السوء التي تستهين بالمعصية، أو تجرُّك خطوةً خطوةً إلى ما يغضب الله؛ فالشاب وحده ضعيف، ومع الصحبة الصالحة قوي ثابت.

قلبُك أمانةٌ فاحمِه
هاتفٌ صغيرٌ في جيبِ الشابِّ اليوم قد يكون مفتاحًا لأبوابٍ من الخير لا تُحصى، كما قد يكون منزلقًا خفيًّا إلى دركاتٍ من الانحراف لا يعلم مداها إلا الله، فليس الخطرُ في الجهاز ذاته، وإنما في قلبٍ يضعف أمام الإغراء، ومن هنا كان على الشاب أن يسأل نفسه: كيف أحفظ قلبي من فتن الشاشات؟- أول ذلك مراقبةُ الله قبل مراقبة الخلق؛ وأن يستقرّ في القلب قوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} (آل عمران: 5).
- وثانيه حسنُ الانتقاء؛ فينتقي ما يتابعه كما ينتقي طعامه، فما كان غذاءً للإيمان، ورفعةً للعلم، وتهذيبًا للخلق فليلزمْه، وما كان غير ذلك فليُغلق بابه بلا تردّد.
- وثالثه تحويل الجهاز من أداة استهلاك إلى وسيلة بناء؛ بأن يجعل له وردًا ثابتًا من الخير: درسًا علميًّا يُصغي إليه، أو تلاوةً يتدبّرها، أو مشروعًا نافعًا يشارك فيه مع إخوانه، فيكون الهاتف جسرًا إلى الطاعة، لا بابًا إلى الغفلة.
مَنْ حَفِظَ حدود الله حفظه الله
قال الشيخ عبدالرزاق عبدالمحسن البدر: من حفظ حدود الله وراعى حقوقه حفظه الله؛ فإن الجزاء من جنس العمل، وحِفْظ الله للعبد نوعان:- أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله -عزوجل-: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (الرعد:11)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «هم الملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلَّوا عنه».
- والنوع الثاني من الحفظ وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه؛ فيحفظه في حياته من الشّبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان، ومن هذا القبيل ما ثبت أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو: «اللَّهُمَّ احْفَظْنِي بِالإِسْلاَمِ قَائِمًا، وَاحْفَظْنِي بِالإِسْلاَمِ قَاعِدًا، وَاحْفَظْنِي بِالإِسْلاَمِ رَاقِدًا، وَلاَ تُشْمِتْ بِي عَدُوًّا حَاسِدًا».
ثباتُ الخطوات
في طريق الحقّ لا يُطلَب منك أيها الشاب أن تُسرع، بل أن تثبت؛ فالعبرة ليست ببداياتٍ متحمّسة، وإنما بنهاياتٍ صادقة، كم من سالكٍ انطلق بحماس، ثم تعثّر حين طالت الطريق، وكم من ثابتٍ سار بهدوء، فبلغ المقصد؛ لأن قدمه لم تزلّ، وقلبه لم ينحرف، ثباتُ الخطوات هو أن تمضي على الحقّ وإن قلّ السالكون، وأن تستقيم وإن اضطرب من حولك، والثبات وهو ثمرةُ إيمانٍ راسخ، ومعرفةٍ بالغاية، واستعانةٍ دائمةٍ بالله، مصداقًا لقوله -تعالى-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}.قوة القلب بالإيمان
القلبُ صرحٌ عظيم، وهو أقوى من أي قوة جسدية، وأثقل أثرًا من أي ثروة مادية، فإذا قُوّي بالإيمان أصبح حصنًا متينًا ضد الفتن، وسلاحًا فعالًا في مواجهة الصعاب، ومصدرًا للسعادة والطمأنينة، فقلب الشاب المؤمن لا يركن إلى الأهواء، ولا يُخدع بالمظاهر، بل يزن كل شيء بميزان الحق، ويقيم كل أمر وفق شرع الله، قال -تعالى-: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28)، فطمأنينة القلب لا تأتي إلا بالرجوع إلى الله، وبالسكينة التي يزرعها ذكره وذكر رسوله - صلى الله عليه وسلم - في النفس. وللقلب المؤمن طريقان لا يفارقهما:- الطريق الأول: التعلق بالله وحده: فمن تعلق قلبه بالله وحده، صمد أمام كل وسوسة، واستوى في شدّته ورخائه.
- الطريق الثاني: العمل الصالح: فالعبادة، والصدقة، وحسن الخلق، والصبر على البلاء، كلها تقوي القلب بالإيمان، وتجعله منارات نورٍ في زمن الفتن.
الشباب و الصحة البدنية
من الأخطاء الشائعة بين الشباب إهمالُ صحتهم البدنية والنفسية، بالإفراط في السهر، وإهمال الرياضة والنوم، والانغماس في التوتر النفسي غير المسيطر عليه، وهم ينسون أن الصحة نعمة عظيمة، ورأس مال الإنسان في شبابه، لا يُعوَّض إذا ضاع، والإهمال هنا ليس مجرد قلة حركة أو نوم، بل هو ضياع التوازن بين الجسد والعقل والنفس، ما يُضعف القدرة على التحمل، ويؤثر في الأداء الدراسي والعملي والاجتماعي والدعوي، ويحد من قدرة الشاب على الاستفادة الكاملة من حياته، وعلى بذل الخير لنفسه ولمن حوله.
لاتوجد تعليقات