الفرق بين العبادة والطاعة
العبادة والطاعة ليستا مترادفتين، بل بينهما جملة من الفروق التي تقتضي التمييز بينهما تجنبًا للمعاني الفاسدة، واللوازم الباطلة؛ فالطاعة هي الانقياد، كما قال ابن فارس: «طوع: الطاء والواو والعين أصل صحيح واحد يدل على الإصحاب والانقياد، يقال: طاعه يطوعه، إذا انقاد معه ومضى لأمره، وأطاعه، بمعنى: طاع له.
ويقال لمن وافق غيره: قد طاوعه، وقال الراغب الأصفهانيُّ: «الطَّوْع: الانقياد، ويضاده الكَره قال -عز وجل-: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} (فصلت: 11)، {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} (آل عمران: 83)، والطاعة مثله، لكن أكثر ما تقال في الائتمار لما أمر، والارتسام فيما رسم، قال -تعالى-: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} (النساء: 81)، {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} (محمد: 21)، أي: أطيعوا، وقد طاع له يطوع، وأطاعه يطيعه، إذاً الطاعة - في اللغة - هي الانقياد، والعبادة هي اللِّين والذلُّ والخضوع - كما سلف -، ثم لكلٍّ من اللفظين حقيقة شرعية؛ فالفروق بينهما لغوية وشرعية، وهي واقعية -أيضًا- بالنظر إلى ما يتحقَّق في الخارج.
أقدم من شرح ذلك
أقدم من رأيته شرح الفرق بين العبادة والطاعة فأجاد وأفاد، هو العلامةُ اللغويُّ أبو هلال العسكريُّ (ت: 395)؛ حيث قال -رحمه الله-: «الفرق بين العبادة والطاعة: أنَّ العبادة غاية الخضوع، ولا تستحق إلا بغاية الإنعام؛ ولهذا لا يجوز أن يُعبد غيرُ الله -تعالى-، ولا تكون العبادة إلا مع المعرفة بالمعبود. والطاعة: الفعلُ الواقعُ على حسب ما أراده المريدُ، متى كان المريد أعلى رتبةً ممن يفعل ذلك، وتكون للخالق والمخلوق، والعبادة لا تكون إلا للخالق. والطاعة - في مجاز اللغة - تكون اتِّباع المدعوِّ الداعي إلى ما دعاه إليه، وإن لم يقصد التَّبَعَ، كالإنسان يكون مطيعًا للشيطان، وإن لم يقصد أن يطيعه، ولكنه اتَّبع دعاءَه وإرادته.
اختصاص العبادة بالله -عزَّ وجلَّ
وقال أبو العباس ابن تيمية - في اختصاص العبادة بالله -عزَّ وجلَّ- بخلاف الطاعة ونحوها: «وقال -تعالى- في الخوف والخشية والتقوى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (النور: 52)؛ فأثبتَ الطاعةَ لله والرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح -عليه السلام-: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} (نوح: 3)؛ فجعل العبادة والتقوى لله وحدَه، وجعل الطاعةَ للرَّسول؛ فإنَّه من يطع الرسولَ؛ فقد أطاع الله»، وقال: «فجنس المحبة تكون لله ورسوله كالطاعة؛ فإن الطاعة لله ورسوله، والإرضاء لله ورسوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} (التوبة: 62)، والإيتاء لله ورسوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} (التوبة: 59)، وأما العبادة، وما يناسبها من التوكل، والخوف، ونحو ذلك؛ فلا يكون إلا لله وحده، وقال أبو البقاء الكفوي (ت: 1094): «الطاعة: هي الموافقة للأمر, أعمُّ من العبادة؛ لأن العبادة غلب استعمالها في تعظيم الله غاية التعظيم.
تفسير المودودي
وقال عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت: 1420) في رسالته إلى المودوديِّ - حول ما بلغه من تفسيره العبادة بالطاعة، وأن كل من أطاع أحدًا فقد عبده، كما تفسَّر بالرقِّ والتأله -: «الذي يظهر لأخيكم أنَّ الطاعة أوسع من العبادة؛ فكل عبادة لله موافقة لشريعته تسمَّى طاعة، وليس كل طاعة بالنسبة إلى غير الله تسمَّى عبادة، بل في ذلك تفصيل: أما بالنسبة إلى الله - سبحانه - فهي عبادة له لمن أراد بها وجهه، لكن قد تكون صحيحة، وقد تكون فاسدة، على حسب اشتمالها على الشروط المرعيَّة في العبادة، وتخلُّف بعض الشروط عنها، ومما يزيد الأمر وضوحًا أن من أطاع الله في بعض الأمور، وهو متلبس بالشرك يستحق أن تنفى عنه العبادة، كما قال الله -سبحانه- في حق المشركين: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}؛ فنفى عنهم العبادة من أجل شركهم، ومعلوم أنهم يعبدون الله في الشدة بالتوحيد، وبالحجِّ، والعمرة، وبالصَّدقات في بعض الأحيان، ونحو ذلك، ولكن لما كانت هذه العبادة مشُوبةً بالشرك في الرخاء، وعدم الإيمان بالآخرة، إلى غير ذلك من أنواع الكفر - جاز أن تُنفى عن أصحابها؛ ومما يزيد الأمر بيانًا - أيضًا - أن من أطاع الأمراء وغيرهم في معاصي الله، لا يُسمَّى عابدًا لهم، إذا لم يعتقد جواز طاعتهم فيما يخالف شرع الله، وإنما أطاعهم خوفًا من شرِّهم، أو اتباعًا للهوى، وهو يعلم أنه عاصٍ لله في ذلك؛ فإن مثل هذا يعد عاصيًا بهذه الطاعة، ولا يعد مشركًا، إذا كانت الطاعة في غير الأمور الشركية، كما لو أطاعهم في ضرب أحدٍ بغير حقٍّ، أو قتل أحدٍ بغير حقٍّ، أو أخذ مال بغير حقٍّ، ونحو ذلك، والأمثلة في هذا الباب كثيرة.
كلام بعض العلماء
فإن قيل: قد وقع في كلام بعض العلماء تعريف العبادة بالطاعة؟! قلنا: «الجواب: أن تفسير العبادة بالطاعة من التفسير باللَّازم؛ فإن لازم العبادة أن يكون العابدُ مطيعًا لمن عبده بها؛ فلذا فُسِّرت بالطاعة، أو يقال: هو من التفسير بالملزوم وإرادة اللَّازم، أي: لما كانت الطاعة ملزومًا للعبادة، والعبادة لازمة لها؛ فلا تحصل إلا بالطاعة، جاز تفسيرها بذلك، ورغم هذا فإن كثيرًا من العلماء قيَّدوا تفسيرها؛ فقالوا: «العبادة هي الطاعة التي معها التذلُّلُ والخضوع، وفي هذا إشارة إلى أنها ليست مطلق الطاعة، بل طاعة مخصوصة؛ لهذا قال ابن تيمية: «ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما قد يحبُّ ولده وصديقه؛ ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله -تعالى-، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التامَّ إلا الله.
العبادة بمعنى الطاعة
وجاءت العبادة في مواضع من كتاب الله، بمعنى الطاعة لتحقُّق مفهوم العبادة فيها، كما قال -تعالى-: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)} (يس)، قال مكحول الشامي -رحمه الله-: «إنما عبادته: طاعته»، وهكذا قال عامة المفسرين، وهو المناسب للسياق؛ لأن الغالب أن طاعة الشيطان طاعةٌ شركيةٌ، لكن من طاعة الشيطان ما هو معصية وليست كفرًا، كما يقع من المسلم ارتكاب كثيرٍ من المعاصي، يكون فيها مخالفًا لأمر الرحمن، مطيعًا للشيطان؛ لهذا قيَّد بعض المفسرين العبادة المذكورة في الآية بالطاعة في الشرك؛ فقال السُّدِّي في تفسير الآية: «يعني ألَّا تطيعوا الشيطانَ في الشِّرك»، نقله يحيى بن سلام (ت: 200) في «تفسيره»، وقال: «إنهم عبدوا الأوثان بما وسوس إليهم الشيطان؛ فأمرهم بعبادتهم؛ فإنما عبدوا الشيطان وقال ابن الجوزيِّ (ت: 597): «بمعنى تطيعوا، والشيطان هو إبليس، زيَّن لهم الشرك فأطاعوه.
وكذلك قوله -تعالى-: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)} (سبأ)، قال الفخر الرازي: «أي: كانوا ينقادون لأمر الجنِّ؛ فهم في الحقيقة كانوا يعبدون الجنَّ، ونحن كنَّا كالقبلة لهم؛ لأنَّ العبادة هي الطاعة، فهذا من الرازي تفسير بدلالة السياق؛ فقد صرَّح في موضع آخر بنفي الترادف بينهما؛ فقال: «العبادة هي التذلُّل، ومنه: طريق معبَّدٌ، أي: مذلَّل، ومن زعم أنَّها الطاعة فقد أخطأ؛ لأنَّ جماعةً عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام، وما أطاعوهم، ولكن في الشرع صارت اسمًا لكلِّ طاعةٍ لله أُدِّيت له على وجه التذلُّل والنهاية في التعظيم.
من دعاوى الخوارج
فهذا هو التفصيل في تفسير العبادة بالطاعة، أما جعلهما مترادفتين بإطلاق فمن دعاوى الخوارج كما ذكر عنهم القاضي أبو يعلى الحنبليِّ (ت: 458)؛ حيث احتجُّوا بأن المعاصي جميعها طاعة لإبليس؛ لأنه يدعو إلى جميعها، وطاعته عبادة له، ولا يكون ذلك إلا كفرًا؛ فقال القاضي أبو يعلى: «والجواب: أنه ليس إذا كان طاعةً له؛ كان عبادة؛ لأن العبادة هي الخضوع والتعظيم والإجلال، وهذا غير موجود ممن أطاع إبليس، يُبيِّنُ صحة هذا أنه ليس كل طاعة لله هي عبادة له، كالنظر في معرفة الله قبل لزومها؛ ولأن هذا يوجب أن تكون طاعة الولد لوالده عبادة له؛ لأنه قد أطاعه، ولا يقول بهذا أحد. نخْلُصُ مما تقدَّم إلى ما يلي:
(1) العبادة أخصُّ من الطاعة.
(2) العبادة ذلٌّ وخضوع؛ فتعلقها بالباطن أقوى، والطاعة انقياد؛ فتعلقها بالظاهر أقوى.
(3) كلُّ عبادة خالصة لله -عز وجلَّ- موافقةٍ لشرعه، طاعةٌ له، وكلُّ طاعة بهذا المفهوم الصحيح عبادةٌ لله.
(4) العبادة لا تجوز إلا لله وحده، والطاعة ثابتة لله -تعالى- ولغيره.
(5) طاعة غير الله -تعالى-: إما أن تكون طاعة لله - أيضًا -؛ فيترتب عليها الثواب، وإما أن تكون طاعة مباحة؛ فلا ثواب ولا عقاب، وإما أن تكون طاعة معصية.
- فالأول: كل طاعة يحبها الله ويرضاها، مثل: طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وطاعة الوالدين وطاعة الأمراء بالمعروف في غير معصية؛ فمن أتى بهذه الطاعة، يبتغي بها وجه الله أثابه الله -تعالى- عليها.
- والثاني: مثل: طاعة الناس بعضهم لبعض في مصالحهم الدنيوية، وأعمالهم العادية، فيما ليست فيها معصية لله، ولا يقصدون بها التديُّن لله أو لغيره، وإنما هي في المباحات، فهي طاعة مباحة.
- والثالث: طاعة معصية، وهي على مرتبتين:
- الأولى: (الطاعة الشركية) أو: (الكفرية) هي شرك أكبر، وكفر أكبر، مخرج من الملة، حتَّى لو أمكن تصورها من غير اعتقاد أو استحلال، مثل من يطيع - باختياره غير مكره - في عبادة غير الله، أو سب الله ورسوله، أو الطعن في الدين، وكذلك إن استحلَّ الطاعة في المعصية، مثل من يستحلُّ طاعة الحكام والعلماء في تحليل الحرام، أو تحريم الحلال؛ فهذه الطاعة من نواقض الإسلام.
- والثانية: طاعة المعصية، وهي كل طاعة ليست شركًا في ذاتها، أو ليس معها استحلال قلبيٌّ للمعصية التي لا تبلغ درجة الكفر.
لاتوجد تعليقات