شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: بيانُ المَسْجدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى
- كان عبداللهِ بن عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما يَزورُ مَسْجدَ قُباءٍ كلَّ سَبتٍ ماشياً أحياناً وراكباً أحياناً أُخرى لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَزورُه كلَّ سَبْتٍ ماشياً أحياناً وراكباً أحياناً أُخرَى
- عُرِفَ عن الصّحابي الجليل عبداللهِ بن عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما مُتابعتِه لِلنبيِّ صلى الله عليه وسلم وتَحرِّيه لهَدْيهِ في أدَقِّ أفْعالِه
عن أَبي سَلَمَةَ بْنَ عبدالرَّحْمَنِ قَالَ: مَرَّ بِي عبدالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ سَمِعْتَ أَبَاكَ يَذْكُرُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَال: قَالَ أَبِي: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا» لِمَسْجِدِ المَدِينَةِ، قَالَ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/1015) باب: بيانُ المَسْجدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة.
في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ أبو سَلَمةَ بنُ عبدالرَّحمنِ وهو ابنِ عَوفٍ أنَّه مرَّ به عبدالرَّحمنِ بنُ أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، فسأَلَه: كيفَ سَمِعتَ أباكَ أبا سَعيدٍ الخُدْريَّ - رضي الله عنه -، يَقول في بَيانِ المرادِ بالمَسجدِ الَّذي أُسِّسَ على التَّقْوى، الَّذي وَصَفَه اللهُ -تعالى- في قَولِه -سبحانه-: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} (التوبة: 108؟)أسّسَ على التّقْوى
- ويعني بقوله: (أسّسَ على التّقْوى) أي: ابتدُئ أساسُه وأصْله؛ على تقوى الله وطاعته (من أوّل يوم)، أي: مِنْ أوّلِ يومٍ ابتدئ في بنائه (أحقُّ أنْ تقوم فيه)، يقول -سبحانه-: أوْلى أنْ تقومَ فيه مُصَلِّيًا، قال الطبري: القول في تأويل قوله: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} (التوبة: 108) قال أبو جعفر: يقول -تعالى ذكره- لنبيّه مُحمّد - صلى الله عليه وسلم -: لا تَقُمْ يا مُحمّد، في المَسْجدِ الذي بَنَاه هؤُلاء المُنَافقون، ضِرَاراً وتَفريقاً بين المُؤْمنين، وإرْصاداً لمن حارب الله ورسوله. ثُمّ أقسم -جل ثناؤه- فقال: «لمَسْجدٌ أسِّس على التّقْوى مِنْ أوّلِ يَومٍ أحَقّ أنْ تَقومَ»، أنتَ «فيه». انتهى.
فأخَذَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَفًّا مِنْ حصباء
- قوله: «فأخَذَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَفًّا مِنْ حصباء» والحصباء بالمد: الحصى الصغار. «فضرَبَ به الأرْضَ»، ثُمَّ قالَ مُجيباً عن سُؤالِ أبي سَعيدٍ - رضي الله عنه -: «هوَ مَسجِدُكم هَذا» أي: مَسجِدُ النّبي - صلى الله عليه وسلم - بالمَدينةِ.
فوائد الحديث
- بَيانُ فَضلِ المسجِدِ النَّبويِّ على بقية المساجد.
- وأنَّه أوّلُ مَسجدٍ أُسِّسَ على التَّقْوى في دِين الإسْلام.
باب: في مَسْجِد قُبَاءٍ وفَضْله
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِباً ومَاشِياً؛ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ»، وعن ابْن عُمَرَ -رضي الله عنهما-: «كَانَ يَأْتِي قُبَاءً كُلَّ سَبْتٍ، وكَانَ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ»، الحديثان رواهما مسلم في خاتمة كتاب الحَج (2/1016) باب: فضلُ مسْجد قُباء، وفضل الصّلاة فيه وزيارته، ورواهما البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1193، 1194).
كانَ - صلى الله عليه وسلم - يَزُور قباءَ مَاشياً ورَاكباً
- قوله: «كانَ رسُول الله يأتي مَسْجد قُباء راكباً وماشياً فيُصلّي فيه ركعتين»، وفي رواية: «أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَزُور قباءَ مَاشياً ورَاكباً»؛ و»قباء» فالصحيحُ المشهور فيه المدّ والتذكير والصّرْف، وفي لغة مقصُور، وفي لغة مؤنث، وفي لغة مُذكّر غير مصرُوف، وهو قريبٌ في المدينة منْ عواليها.
فضْلِ الصَّلاةِ في مَسجدِ قُباءٍ
وروَى التِّرمذيُّ: في فضْلِ الصَّلاةِ في مَسجدِ قُباءٍ: مِن حَديثِ أُسيدِ بنِ ظُهَيرٍ الأنصاريِّ - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصَّلاةُ في مَسجِدِ قُباءٍ كعُمْرةٍ». قال النووي: وقوله: «كلَّ سَبْت» فيه: جوازُ تَخْصيص بعض الأيّام بالزّيارة، وهذا هو الصّواب وقول الجُمهور، وكَرِه ابنُ مسلمة المالكي ذلك، قالوا: لعلّه لمْ تَبلغه هذه الأحاديث، والله أعلم، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعِصمة. انتهى.فوائد الحديث
- فَضيلةُ مَسجدِ قُباءٍ والصلاة فيه، وفضيلة زيارته، وأنّه تجوز زِيارتُه رَاكباً ومَاشياً، وهكذا جميع المَواضع الفاضلة، تجوز زيارتها راكباً ومَاشياً.
- وفيه: أنّه يُستحبّ أنْ تكونَ صلاةُ النّفل بالنّهار ركعتين، كصَلاة الليل. قال النووي: وهو مَذهبُنا ومذهبُ الجُمهور، وفيه خلاف أبي حنيفة، وسبقت المسألة في كتاب الصلاة. (9/171).
- وفيه: الحَثُّ والحَضُّ على اتِّباعِ سُنةِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
- وفيه: ما عُرِفَ به الصّحابي الجليل عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- مِنْ مُتابعتِه لِلنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وتَحرِّيه لهَدْيهِ في أدَقِّ أفْعالِه، ففي هذا الحديثُ ما يدُلُّ على شِدَّةِ مُتابعتِه - رضي الله عنه - لِلنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنَّ عبداللهِ بنَ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- كان يَزورُ مَسْجدَ قُباءٍ كلَّ سَبتٍ ماشياً أحياناً، وراكباً أحياناً أُخرى؛ وذلك لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَزورُه كلَّ سَبْتٍ ماشياً أحياناً، وراكباً أحياناً أُخرَى.
لاتوجد تعليقات