الأسرة المسلمة 1286
قال الله -تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، الأسوة منهج تربوي يصنع أثرًا أعمق من ألف توجيه؛ فالأبناء يتعلمون بالقدوة أكثر مما يتعلمون بالكلمات؛ فحين يرى الطفل أمّه تقرأ، يقرأ، وحين يراها تضبط غضبها، يتعلم الهدوء.
قواعد قرآنية في حماية الحياة الزوجية
ذكر المولى -تبارك وتعالى- في القرآن الكريم مجموعة من القواعد القرآنية، يسهل على المسلم استحضارها، وتسهم في إنجاح العَلاقة الزوجية، ومن أهم هذه القواعد ما جاء في قول الله -تعالى-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21)، فهذه الآية أساس متين للحياة الزوجية؛ فالله ذكر فيها مجموعة من المعاني:
- المعنى الأول: {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا}؛ أي: جعل من جنسكم آدمياتٍ مثلكم، قال ابن كثير: ولو أنه -تعالى- جعل الإناث من جنس آخر، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل النُّفْرة، وذلك من تمام رحمته ببني آدم.
- المعنى الثاني: {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}، فهذه أهم مقاصد الزواج، يقول ابن عباس - رضي الله عنه -: المودة: حب الرجل امرأته، والرحمة: شفقته عليها أن يصيبها بسوء.
- المعنى الثالث: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، فهذه العَلاقة آية تستحق التفكر؛ فيها التواد والتراحم بعصمة الزواج، بعد أن لم تكن بينكم سَابِقَةُ معرفةٍ، ولا لقاءٌ، ولا سببٌ يوجب التعاطف من قرابة أو رحم.
اجلس بنا نؤمن ساعة!
«اجلس بنا نؤمن ساعة» تلك الكلمة التي قالها عبدالله بن رواحة لأبي الدرداء -رضي الله عنهما-، وقالها معاذ بن جبل - رضي الله عنه - لصاحبه وهو يذكره: «اجلس بنا نؤمن ساعة»، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جوفِ أحدِكُم كمَا يَخْلَقُ الثوبُ، فاسألُوا اللهَ -تعالى- أنَّ يجددَ الإيمانَ في قلوبكُم»؛ لذلك من الأنشطة العملية التي يمكن للأم تنفيذها مع أفراد البيت من باب: أن تجتمع الأسرة دوريا في جلسة إيمانية تربوية، لتعليم فضائل القرآن، وشرح معاني الأحاديث قولاً وعملاً، ومشاركتهم القصص والمواقف الحياتية بما يغرس قيم الصدق، والصبر، والرحمة ثم تطرح قضية للمناقشة، يشارك فيها الجميع مع تحفيز بالمكافآت والثناء، ويكون الختام دائمًا بالدعاء للأبناء ولأهل البيت بالصلاح والهداية.سكينة الروح في زحام الحياة
البيوت الآمنة ليست خالية من المشكلات، بل مفعمة بالسكينة التي تتجاوز تلك المشكلات، ويمكنك تحقيق ذلك من خلال:- تخصيص زاوية للعبادة: خصصي ركناً في المنزل (ولو سجادة صلاة دائمة الطي) للعبادة؛ ليصبح هذا الركن مرتبطاً في ذهنك بالهدوء والاتصال بالله -عز وجل-.
- قاعدة العشر دقائق الإيمانية: التزمي بـ 10 دقائق من التفكر أو قراءة أذكار الصباح والمساء أو وردك من القرآن قبل الانخراط في أعمال اليوم؛ فهذا الشحن الإيماني هو حصنك ليومك.
- «ذكر الإنجاز»: اربطي الإنجازات المنزلية بالذكر، مثلاً: عند الانتهاء من التنظيف أو ترتيب الغرف، قولي «الحمد لله» لتستشعري أن التوفيق في تدبير شؤون البيت هو من فضل الله.
مفتاح مرحلة المراهقة: القبول لا المقاومة
المراهقة ليست أزمة عابرة، بل هي فترة فاصلة لتكوين هوية الإنسان، ويكمن مفتاح التعامل الناجح في الانتقال من فرض السيطرة إلى بناء الثقة، ويتم ذلك من خلال أمور عدة أهمها ما يلي: 1- القبول يفتح باب الحوار- المراهق يبحث عن التقدير والاعتراف بشخصيته المستقلة، وكل رفض قاطع لاختياراته يولد لديه شعورًا بالتمرد والدفاع عن الذات.
- لغة الجسد أولاً: عندما يتحدث، أوقفي ما بيديكِ، وانظري إليه، هذا يدل على أنكِ تقدرين كلامه قبل محتواه.
- القاعدة الذهبية: قابلي اختياراته (غير المؤذية) بالاستفهام لا بالرفض. «أرى أنك اخترت هذه الهواية/الصديق. ما الذي جذبك فيها؟ حدثني عنها أكثر». هذا يجعله يشعر أنه في حال حوار لا محاكمة.
- بدلاً من إملاء الواجبات، اجعليه مسؤولاً عن النتائج، والهدف هو أن يقود سفينة حياته تحت إشرافك.
- إدارة الميزانية المصغرة: امنحيه مبلغاً شهريا صغيراً لإدارة مصاريفه الشخصية (نقليات، ووجبة خفيفة، إلخ). وعندما يُنهي المبلغ مبكراً، دعي التجربة هي التي تعلمه أهمية التخطيط بدلاً من المحاضرات.
- جعل الاختيارات ذات عواقب: بدلاً من التهديد، وضحي العواقب المترتبة على اختياراته. «إذا قررت أن تسهر لوقت متأخر، فستكون مسؤولاً عن الاستيقاظ بمفردك صباحاً لأداء صلاة الفجر والذهاب للمدرسة دون مساعدتي في التنبيه المتكرر».
- لا يكفي أن تطلبي من ابنك أو ابنتك الصلاة، بل يجب أن يروا فيكِ وفي أبيهم القدوة في التعامل مع العبادة والمبادرة إليها.
- مشاركة لحظات الطاعة: ادعيه بهدوء لمشاركتك بعض الأعمال الصالحة البسيطة: «ما رأيك أن نختم اليوم بقراءة سورة الملك سويا؟ هذا يخلق ارتباطًا وجدانيا بين العبادة والهدوء الأسري.
- استغلال الأزمات الإيمانية: عندما يمر بأي ضيق أو إخفاق، وجهيه بهدوء نحو الدعاء والتوبة، «عليك بالدعاء؛ فليس هناك أقرب من الله -سبحانه- ليسمعك ويجبر خاطرك الآن».
تحديات الأسرة المسلمة في العصر الحديث
لم تعد الأسرة المسلمة بمعزل عن تغيرات العصر وضغوط الحياة اليومية؛ فظهور وسائل التواصل وتسيّد الصورة الإعلامية غيّرا كثيراً من أنماط التربية. إن من واجب كل أم وأب مواجهة تحدي ضعف الحوار والتواصل مع الأبناء، وفتح المجال لصوت الطفل أو الشابة داخل البيت، وهنا يحتاج الوالدان للتسلّح بالحكمة واقتفاء أثر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستماع والاحتواء؛ فإتاحة الفرصة يعزز احترام الذات عند الأبناء، ومع خروج المرأة للعمل، تبرز الحاجة للموازنة الذكية بين النجاح المهني والعطاء الأسري، بلا شعور بالتقصير أو الذنب، مسترشدة بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أيّ أبواب الجنة شئت»، وهنا نستطيع أن نلخص درسًا اجتماعيا لكل أسرة: التعاون ضرورة، والدعم العاطفي يغني عن كثير من الخلافات.مهارات لا غنى عنها للمرأة داخل البيت
المرأة المسلمة قائدة داخل بيتها، وتحتاج لمهارات عملية لتقوم بدورها بكفاءة:- مهارة الإسعافات الأولية الأساسية: لا غنى عنها في كل بيت، تعلمي كيفية التعامل مع الحروق البسيطة، أو الاختناق، أو خفض الحرارة المفاجئة للأطفال؛ هذا يعزز ثقتك، ويجعلك مستعدة للطوارئ.
- مهارة إدارة الميزانية (التفاوض المالي): تعلمي كيف تضعين ميزانية شهرية واقعية، وتفاوضي زوجك بلغة الأرقام وليس بلغة العواطف، وكيفية إعداد صندوق للطوارئ.
- مهارة الرد الهادئ في الخلاف: عندما يشتد الخلاف مع الزوج أو الأبناء، تعلمي تقنية «الانسحاب المؤقت»، اطلبي استراحة مدتها 10 دقائق قبل إكمال النقاش لتتمكني من الرد بعقلانية وليس بانفعال.

فن الاستماع مفتاح العلاقة الزوجية
تُظهر الدراسات الحديثة أن 70% من الخلافات الزوجية ليست بسبب اختلاف الرأي، بل بسبب غياب الاستماع، فالمرأة تحتاج إلى من يسمعها، والرجل يحتاج إلى من يفهمه، وفي المنتصف تقف الكلمة الطيبة لتصنع جسرًا من الطمأنينة، والإنصات، ليس ضعفًا بل هو ذكاء عاطفي يحفظ البيوت من التصدع.
لاتوجد تعليقات