رؤية منهجية لتحقيق العبودية المنشودة – مقومات إيجاد الفرد المسلم (البناء الإيماني التعبدي)
يُعد إيجاد الفرد المسلم حجر الأساس في إيجاد الكيانات الإصلاحية، كما يُعد بناء أفراد هذه الكيانات بناءً متكاملا على المستوى التعبدي والسلوكي والفكري العقدي وعلى مستوى الأداء الجماعي المتناغم فيما بينهم أصل في استمرار وجود هذه الكيانات في واقع مليء بالشهوات والانحرافات السلوكية، والشبهات الفكرية، والمزايدات العاطفية الجماهيرية، والتوجهات الشخصية النفعية.
لذلك فسنبحر معا -بعون الله تعالى- في رحاب تلك الآية الكريمة - التي تبين محاور ذلك المسار - بسوابقها ولواحقها لنستقي منها تلك الإشارات الموضحة لتلك المقومات اللازمة لتكامل البناء، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) }.
المقوم الأول: البناء الإيماني التعبدي
افتتح الله -عزوجل- هذا المقطع من الآيات الكريمات ببيان اللبنة الأولى اللازمة لأى بناء؛ وذلك في قوله -تعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، قال السعدى -رحمه الله-: «وتقوى الله حق تقواه كما قال ابن مسعود: وهو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وهذه الآية بيان لما يستحقه -تعالى- من التقوى».
فأصل إيجاد الفرد المسلم القادر على تحمل تبعات ذلك التغيير الشاق المطلوب هو علاقة ذلك الفرد بربه -سبحانه وتعالى- وتحقيقه لتقواه في خاصة نفسه أولا؛ لذلك نجد أن أول خطاب خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الوحى هو قول الله -عزوجل- له :{يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}.
فأمره هنا بالعبادات المتعلقة به -سبحانه وتعالى-، وخص هنا أشرف العبادات وهي الصلاة في آكد الأوقات وأفضلها وهو قيام الليل، مع ترتيل القرآن الذي يحصل به التدبر والتفكر وثبات القلب كما قال -تعالى-: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}، وكل هذا تهيئة له صلى الله عليه وسلم وتَثْبِيتِ لهِ «بتحمل إبلاغ الوحي»، وإن كان هذا أمرا للنبي – وهو من هو صلى الله عليه وسلم ! فهو لحملة الرسالة من بعده أولى وأشد تأكيدًا.
أعظم مقومات الوجود
لذلك فإن من أعظم مقومات الوجود اللازمة للأفراد في تلك الكيانات الإصلاحية هو تحقيق الإيمان بمواظبة النفوس على عبادتها الذاتية وأورادها اليومية التي تقوي العلاقة بالله -عز وجل-، وتصل بالمسلم إلى درجة الولاية للرب -سبحانه وتعالى- كما جاء في الحديث القدسي: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبْ، وَمَا تقرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذَا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِيْ يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِيْ يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِيْ يَبْطِشُ بِهَا وَرجْلَهُ الَّتِيْ يَمْشِي بِهَا وإنْ سَأَلَنِيْ لَأُعْطِيَنَّهُ وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيْذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرْهُ مَسَاءَتَهُ»، فيفوز العبد بحماية الرب -سبحانه وتعالى- وحفظه له مهما مكر به الماكرون أو دبر له المتربصون، ويُحصل العبد محبة الرب -سبحانه وتعالى- الجالبة للتوفيق والسداد والبصيرة في الأقوال والأفعال والآراء والأحوال، بل يصير الإنسان بإيمانه محبوبا بين الناس، له من الود والمحبة ما يجعله قدوة لهم، قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}.
وقفة صدق
ولعلنا نقف هنا وقفة صدق مع أنفسنا، فننظر بعين الاعتبار لأحوالنا وعبادتنا وأورادنا في اليوم والليلة، ولنأخذ على ذلك مثالا واحدا فقط نحقق به أنفسنا، أين القرآن الذي هو نور الصدور وربيع القلوب من أولوياتنا في اليوم والليلة؟، هل نعطيه حقه أم ننساه في خضم الانشغالات والملهيات اليومية؟، هل جهلنا فضائله وبركاته علينا، أم استحوذ علينا الشيطان فأنسانا ذكر ربنا؟
ألا نعلم أن القرآن هو ذلك النور الذي يستبين به الطريق القويم: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} سورة المائدة: الآيات 15- 16، فيه العظة والرحمة والشفاء {يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} سورة يونس: الآية 57، وهو حبل الله الممدود مِن السماء إلى الأرض، طرفه بيد الله، وطرفه بأيدينا كما قال صلى الله عليه وسلم : «كِتَابُ الله هُوَ حَبْلُ الله المَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ». رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني، وقال صلى الله عليه وسلم : «أبْشِرُوا، فَإِنَّ هَذَا الَقُرْآنَ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وطَرَفُهُ بِأيْدِيكُمْ؛ فَتَمَسَّكُوا بِهِ فإِنَّكُمْ لَنْ تَهْلَكُوا، ولَنْ تَضِلَّوا بَعْدَهُ أبَدًا». رواه الطبراني، وصححه الألباني.
ألم نفهم بعد أن الهداية والتوفيق والبصيرة في التفريق بيْن الحق والباطل، مرتبط بحسن التعامل اليومي مع القرآن؛ فهو أصل الهداية للمتقين{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} بل هو الهادي إلى خير الطرق وأقومها، وأعدلها وأصوبها { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } سورة البقرة: الآية 2.
أولى أولوياتنا
أفلا يستحق منا القرآن بعد هذا أن نجعله في أولى أولوياتنا في أعمال اليوم والليلة؟ فنجعل له وقتًا خاصًّا، وقتًا لختمة قراءة (نجمع فيها الحسنات)؛ فبكل حرف عشر حسنات والله يمن بأفضل مِن هذا على مَن يشاء، ووقتا لختمةٍ أخرى وهي (ختمة التدبر)؛ لنفهم القرآن ونعمل بمقتضى ما فيه؛ فذلك هو الأصل الذي نزل القرآن مِن أجله {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} سورة ص: آية 29، ألا نستحي من أنفسنا حينما يتحجج أحدنا بضيق الوقت لمثل ذلك، وهو في الوقت ذاته يستقطع من حياته أوقاتا وأوقاتا لوسائل التواصل الاجتماعي في كل يوم وليلة؟
- والخلاصة: أنه بغض النظر عن ذلك المثال الذي اخترناه، فإننا بحاجة قوية لترتيب أولويات أوقاتنا في اليوم والليلة بما يحافظ لنا على ذلك البناء الإيماني التعبدي (من صلاة وقيام، ودعاء وقرآن، وأوراد وأذكار ... إلخ)؛ لأن ذلك هو الزاد اللازم لبقائنا، وهو أصل وجودنا الذي إن فقدناه ضعفت قوتنا، وتشتتت مجهوداتنا، وفقدنا بوصلتنا، واضطربت بصيرتنا، ثم فقدنا ما بعده لزاما.
لذلك وجب علينا الانتباه لأحوالنا التعبدية؛ فدوام العبادات والأوراد لا سيما في أوقات الخلوات وتتابع الأحوال من شدة ورخاء هي الساحة الفَيحاء التي تتجلى فيها مفاهيم التصور الصحيح لأصل التغيير، وهي تلك الأعمال المَبرورة المنبثقة من صدق الإيمان بالله -جل جلاله- والتوكل عليه والتعلق به وحده -سبحانه وتعالى-؛ فهي شواهِد صادقة، وبراهين ساطِعة، على تحصيل التقوى وجدية الطلب وصدق الهمة.
لاتوجد تعليقات