عشر وقفات تربوية مع فقه التمكين
قال -تعالى-: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}، ومع هذه الآية لنا وقفات علمية تربوية عدة.
1- أسباب ظاهرة وباطنة
- الوقفة الأولى: وهي أن التمكين لا يكون إلا بأسباب ظاهرة وباطنة، بها يكون الإنسان ممكنا؛ إذ التمكين في حقيقته هو القدرة التامة على التصرف بالشيء، والتمكين يقبل التبعض؛ فقد يكون الإنسان ممكنا في شيء وغير ممكن في شيء آخر.
2- لا يطلب التمكين لذاته
- الوقفة الثانية: لا يطلب التمكين لذاته، ولا يطلب في الابتداء، وإنما تطلب أسبابه وتقصد مقدماته؛ لأن أوله فضل، وأوسطه عهد، وآخره اختبار، وفِي زماننا قد نرى من الناس من يطلب (الممكنات) من غير التفات إلى المقاصد والأهداف، ومنهم من يشتغل (بالمقاصد والأهداف) من غير التفات إلى السعي في طلب الممكنات؛ فضاعت المشاريع الدعوية والتراتيب الإدارية بين نقص الأهداف وضعف الأسباب.
3- كل عبدٍ له حظ من التمكين
- الوقفة الثالثة: كل عبد أو داعية أو صاحب ولاية له حظ من التمكين في ميدان دعوته أو في حدود ولايته؛ فكل من يقدر على أن يفعل واجباً أو طاعةً من غير موانع فهو ممكن فيها، وهو مكلف بالقيام بلوازم هذا التمكين من الصلاح والعدل والطاعة بحسب الإمكان، والموفق لا يدع ما بين يديه من الممكنات ليشتغل بغيرها؛ إذ حصول التمكين التام أو الكلي يكون على التدرّج لا على التعجّل وعلى الاشتغال بالمقدمات لا على التطلع إلى مجرد النتائج والآمال حتى تتحول مشاريع الدعوة إلى تنظير وأوهام، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، ومن عطل الأسباب مع الاقتدار فقد فوّت على نفسه فرصة الوصول إلى نتائج الاختبار، والأمر مبنيٌّ على التوسط والاعتدال.
4- مقاصد التمكين
- الوقفة الرابعة: والآية ذكرت مقاصد التمكين وأهدافه: وهي «إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والدعوة إلى الله بمعناها العام الشامل»؛ لهذا فالتمكين وضع لحفظ مقاصد ولتحقيق أهداف لا للمنفعة والمتعة والتسلية أو للمنافسة والمغالبة والمزاحمة.
5- التمكين الشرعي
- الوقفة الخامسة: وفيها إشارة عظيمة أن التمكين الشرعي القدري الذي يريده الله لعباده الصادقين هو التمكين المقترن بمنزلة الإحسان؛ فهو تمكين للمحسنين على القيام بالإحسان بأنواعه جميعا قولا وعملا ظاهرا وباطلا؛ فقد مكنهم بسبب إحسانهم لأجل أن يستقيموا على الإحسان والإتقان.
6- صفات الممكنين
- الوقفة السادسة: والآية ذكرت صفات الممكنين في الأرض على الحقيقة؛ فالتمكين الحقيقي هو الاشتغال بالعبادة والخير والدعوة؛ فكل من انتهى تمكينه إلى إقامة الصلاة والإحسان إلى الغير والدعوة إلى الله فهو الممكن على الحقيقة؛ وعليه ينبغي التفريق بين التمكين الديني الشرعي والتمكين السياسي البدعي؛ فالثاني يقوم - في نظر أهله - على مجرد الوصول إلى السلطة أو معارضة القوى؛ بخلاف التمكين الشرعي الذي يكون هدف أهله هو القيام بالطاعات القاصرة والمتعدية وبالأعمال البرية والخيرية وبالإحساس القولي والعملي، فشتان بين تمكين يحفظ الدين به وبين تكتيل يضيع الدين والدنيا.
7- الشرائح المنتفعة
- الوقفة السابعة: ولو تأملنا الآية لرأينا أن الشرائح أو الطوائف المنتفعة من (التمكين) هي ثلاث: (كل عبد، وكل فقير مستحق، وكل مدعو من جاهل أو غافل أو معاند جاحد)، فالتمكين إذاً بالنتيجة هو: وسائل وإجراءات وأعمال وخدمات تقدم لهذه الشرائح أو الطوائف؛ فإذا لم تنتفع هذه الشرائح والطوائف من التمكين فنكون أمام تمكين صوري أو استضعاف حقيقي في صورة تمكين، فالتمكين حجة أو محنة؛ فهو إما لك وإما عليك؛ لهذا ختمت الآية {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.
8- التمكين الصحيح
- الوقفة الثامنة: والآية بينت أن علامة التمكين الصحيح الاشتغال بالضروريات، والعلم بترتيب الأولويات، والنظر إلى العواقب والمآلات.
9- التمكين والمساجد
- الوقفة التاسعة: بينت الآية العلاقة الوثيقة بين التمكين والمساجد؛ فأول علامات الممكنين في الأرض على الحقيقة إقامتهم للصلاة واعتناؤهم بلوازم إقامتها من بناء المساجد وإعمارها؛ لهذا أول صفات التمكين النبوي بعد الهجرة إلى المدينة: بناء المسجد النبوي، ثم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
10- بشارة عظيمة
- الوقفة العاشرة: وفِي الآية بشارة عظيمة لمن كانت له ولاية أو وظيفة على حفظ المساجد وبذل الأعمال الخيرية والقيام بالمشاريع الدعوية؛ فهو من الممكنين في الأرض بنصر الله وتأييده لاسيما مع صدق النية وتحري الصواب وعلو الهمة؛ فالاشتغال بهذه الواجبات نعمة عظيمة توجب الشكر، وهاهنا حقيقتان تكميلا للمقصود وإتماما للمطلوب، وهي:
- الحقيقة الأولى: قد تبتلى بعض المشاريع الدعوية بظواهر تحتاج إلى التشخيص والمعالجة، وهي:
- ظاهرة الكسل والتسويف، وظاهرة التنازع والتشغيب، وظاهرة الجدل والتنظير.
ولا تتجاوز ميادين الدعوة هذه الظواهر السلبية إلا بالقلوب الصادقة والأدعية الصالحة والهمم العالية والمناصحات الصادقة والقيادات الواعية.
- الحقيقة الثانية: العادة أن العبد لا ينتقل من الاستضعاف إلى التمكين إلا بالسنين الطويلة والجهود العظيمة، لكن الناظر في سنن الله وحوادث الزمان وتقلب الأيام يلحظ أن الخروج من التمكين قد يكون بأيام قليلة أو مع النومة العميقة أو بالفُرقة المقيتة أو بتمكن الغفلة من أهل الدنيا الزائلة.
لاتوجد تعليقات