الغدر من الأخلاق الذميمة التي حذر منها الإسلام (2) – وفاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
الإسلام دين الطهر، والطيبة والسمو والنزاهة والعدل والرحمة؛ لأنه صدر من الله الرحمن الرحيم الحكيم العليم، الذي اتصف بصفات الكمال والجلال، وتنزه عن كل عيب ونقيصة، قال -تعالى-: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران:19)؛ فالإسلام دين الله الخالد الذي ارتضاه لعباده، وأكمله لهم، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة:3).
واليوم نتكلم عن وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتزامه بالعهود والمواثيق،
لقد التزم النبي - صلى الله عليه وسلم - بكل عهوده ومواثيقه مع الناس، ولم يثبت عنه أنه نقضها أو غدر بأهلها. ففي يوم الحديبية عندما عاهد قريشا، وكان من ضمن بنود الصلح أن من أتى محمدا سلما من قريش دون إذن أوليائه رده عليهم، وقد جاءه بعد هذا العهد أبوجندل فارا من سجون مكة وتعذيبهم.
فلما رأى سهيل -وهو ممثل قريش في صلح الحديبية- أبا جندل قادما إليه فضرب وجهه، ثم قال يا محمد: قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت؛ فقام إليه فأخذ بتلابيبه قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته يا معاشر المسلمين: أتردونني إلى أهل الشرك؛ فيفتنوني في ديني؟ قال: فزاد الناس شرا إلى ما بهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا جندل: اصبر واحتسب، فإن الله -عز وجل- جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا؛ فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدا، وإنا لن نغدر بهم» قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع أبي جندل؛ فجعل يمشي إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل؛ فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب.
موقف صعب
موقف صعب جدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه -رضي الله عنهم-؛ حيث يرون أخاهم أبا جندل يضرب ويهان بهذه الطريقة، ويمتنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نصرته وهو القائل: انصر أخاك ظالما أو مظلوما» وذلك حرصا منه - صلى الله عليه وسلم - بالالتزام بالعهود والمواثيق التي أبرمها مع الناس، وحتى لا يكون غدارا؛ فالإسلام دين قيم ومبادئ يجب مراعاتها واحترامها، وصدق أحمد شوقي حين قال:
وإذا أخذت العهد وأعطيته
فجميع عهدك ذمة ووفاء
التزام الصحابة
التزم الصحابة بأخلاق نبيهم، وترجموها إلى واقع حي عملي في حياتهم؛ فالتزموا بعهودهم ومواثيقهم مع الناس جميعا.
عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه» أخرجه مسلم والبخاري.
معاوية والروم
وعن سليم بن عامر «رجل من حمير» قال: كان بين معاوية، وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم؛ فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر؛ فنظروا فإذا عمرو بن عبسة؛ فأرسل إليه معاوية فسأله؛ فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة، ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية. أخرجه أبو داود.
والشاهد من هذا، أن معاوية - رضي الله عنه - عندما بلغه النهي، رجع ووقف عند حدود الله -تعالى- ولم يغدر.
قصة خبيب
خبيب صحابي جليل - رضي الله عنه -، أرسله النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في مجموعة من الصحابة كي يتجسسوا على قريش؛ فأسره بنو لحيان وهم حي من هذيل، وباعوه في مكة على بني الحارث بن عامر بن نوفل؛ حيث قتل أحد رجالهم، وحبسه بنو الحارث حتى تخرج الأشهر الحرم فيقتلوه، وجعلوه عند امرأة تحرسه قيل: هي زينب بنت الحارث أخت عقبة بن الحارث الذي قتل خبيبا؛ فلما بلغهم أنهم أجمعوا على قتله، استعار موسى من زينب ليستحد (أي يحلق عانته)»؛ فغفلت زينب عن صبيها؛ فذهب إلى خبيب فوضعه على فخذه؛ فلما رأته فزعت فزعة عرف ذلك منها وفي يده الموسى؛ فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله -تعالى- «وما مت لأغدر».
الإسلام دين المبادئ
فالإسلام دين المبادئ السامية، دين الرحمة، حدث نافع عن عبدالله بن عمر أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقتولة فأنكر ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان. أخرجه مسلم.
كان بإمكان خبيب أن يمسك هذا الطفل رهينة عنده، ويساوم عليه لإنقاذ حياته من القتل، ولكن الإيمان الراسخ في قلبه، والتخلق بخلق الإسلام القويم منعه من ذلك؛ فمبادئ الإسلام يجب ألا تترك أمام حظوظ الدنيا الفانية، والشهوات العاجلة، والاجتهادات السقيمة للوصول إلى الغايات؛ فالغاية لا تبرر الوسيلة المحرمة في الإسلام؛ فيجب أن يبقى الإسلام على نقائه وطهره وسموه.
وفي عهد معاوية - رضي الله عنه - نقض الروم عهدهم وفي يد المسلمين رهائنهم؛ فامتنع المسلمون عن قتل الرهائن، بل أطلقوا سراحهم، وقالوا: إن وفاء بعهد من غير غدر خير من غدر بغدر، فاتقوا الله أيها المسلمون: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} (الإسراء:34).
لواء الغدر
الغادر يحمل لواء غدره يوم القيامة خزيا وعارا بين الخلائق
والغدر صفة ذميمة لا يتخلق بها إلا فاقد الإيمان، ويكفي الغادر سخطا وغضبا أن الله خصمه يوم القيامة.
الغادر ممقوت من الله والملائكة والناس أجمعين، يحذره الناس فلا يطمئنون إلى مخالطته ومتاجرته ولا معاملته.
الغدر دليل على خسة النفس وحقارتها.
يعامله الله بعكس مقصوده فلا يتم له أمرا.
معاناة البشرية
وكم عانت البشرية وتعاني الغدر القديم والحديث، وكم تسبب الغدر في إشعال نار الحرب والعداوة بين الأفراد وبين الدول، والتاريخ يشهد ويسجل أحداث الغدر التي امتلأت بها صفحاته، ومن غدر الإنسان بالإنسان ما أصاب المسلمين في بئر معونة؛ حيث استشهد منهم سبعون، قتلوا غدرا وغيلة بأيدي قبائل رعل وذكوان والقارة، ومكث الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو على هؤلاء المعتدين.
ومن غدر الإنسان بالإنسان، ما يفعله اليهود بالمسلمين من قتل للأبرياء والنساء والأطفال، متجاوزين كل القيم والأعراف الدولية ولا عجب؛ فاليهود هم الذين حاولوا الغدر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما كان في محلة من محلات بني النضير، وكان مسندا ظهره إلى جدار في محلتهم؛ فأرسلوا أحدهم لإلقاء صخرة كبيرة عليه، ولكن الله -تعالى- كفاه غدرهم، وكتب عليهم الجلاء.
استشرى الغدر
وقد استشرى الغدر في هذه السنين الأخيرة من الدول القوية بالدول الضعيفة، ومن الإنسان بالإنسان حتى صار الإنسان في كثير من الأحيان مصدر ترويع لأخيه الإنسان، بل ومصدرا لأسباب هلاكه وعاد إلى الأذهان قول الشاعر:
ودعوى القوي كدعوى السباع
من الناب والظهر عنوانها
والغدر يكون شديدا وصعبا على النفس عندما يكون ممن يربطك به أخوة الدين، وأواصر القربى وحقوق الجوار.
وصدق «الشاعر الجاهلي: طرفة بن العبد» حين قال:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
علـى النفس من وقع الحسام المهند.
لاتوجد تعليقات