الأمانة قيمة إنسانية وخلق رفيع من أخلاق الإسلام
ويشار إلى الأمانة على أنّها قيمة عليا من القيم الإنسانيّة، وخلقٌ رفيع من الأخلاق الكريمة التي يتحلّى بها نفرٌ من النّاس في حياتنا، وغالبًا ما يشار إلى الإنسان الأمين بالبنان، ولاسيما في وقت الفتن، وكثرة الخيانة، وفقدان الثّقة بين النّاس، وقد أكّد النّبي صلى الله عليه وسلم على خلق الأمانة، مبيّنًا أنّ غيابها من العلامات التي تؤذن بقرب السّاعة؛ حيث يتحدّث النّاس في آخر الأيّام بقولهم: إنّ في بني فلان رجلًا أمينًا، وكأنّه يصبح مقصداً لهم، ومنشداً يشدّون الرّحال إليه، طلبًا لأمانته في وقتٍ ستندر فيه الأمانة، وتكثر الخيانة، ولاشكّ في أنّ الأمانة تشتمل على كثيرٍ من السّلوكيّات والفضائل في حياة الإنسان
أول الأوامر
فأول الأوامر أداء الأمانة وفيها يؤدي الإنسان الأمانة للناس، والمسلم مطالب بأن يكون أمينا في كل شيء في حياته، ولا يستقيم حال المؤمن إلا بأن يكون أمينا، كما صح في المسند من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له».
الأمانة هي كل ما أؤتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به، وقد أمر الله بأدائها كاملة غير منقوصة، ويدخل في ذلك أمانات الولايات، والأموال، والأسرار والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله -عز وجل-؛ ولذلك قال المفسرون في قوله -تعالى-: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان}، قالوا: هي الفرائض، وقيل: المال، وقيل: الصلاة، وقيل غسل الجنابة، وقيل: الصيام، وقيل: الودائع، وقيل غير ذلك مما يدل على شمولها لكل ما أؤتمن عليه الإنسان من عبادات ومعاملات، وهي باختصار ترجع إلى التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها كما قال ابن كثير في تفسيره.
صفة الأنبياء
الأمانة صفة الأنبياء، ومن أبرز أخلاق الرسل؛ ففي سورة الشعراء ذكر الله -تعالى- قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، كل واحد من هؤلاء يقول لقومه: {إني لكم رسول أمين}، ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم قد كان في قومه قبل الرسالة وبعدها، مشهورا بينهم بأنه الصادق الأمين، وجبريل أمين الوحي، وقد وصفه الله بذلك في قوله: {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين}.
صفة عباد الله
لقد وصف الله عباده برعاية الأمانة فقال: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}، ونهاهم عن خيانة الأمانة فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون}، وجاء في السنة أحاديث كثيرة متنوعة في الأمانة؛ فخيانة الأمانة نفاق، كما صح في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان».
النهي عن الخيانة
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأداء الأمانة، ونهى عن الخيانة، كما صح عند أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك».
نشر سر المرأة
وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن من الخيانة نشر سر المرأة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها».
الإمارة والمسؤولية
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإمارة والمسؤولية أمانة عظيمة، وأنها خزي وندامة لمن لا يقوم بحقها، وقد صح في مسلم أن أبا ذر رضي الله عنه طلب الإمارة من النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا أبا ذر إنك ضعيف ،وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».
من علامات الساعة
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة تضييع الأمانة، وتقديم الخائن على الأمين، وتوسيد الأمر لغير أهله، كما صح في المسند من حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبغض الفحش والتفحش، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يُخون الأمين ويؤتمن الخائن».
وصح في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال؛ فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: «أين السائل عن الساعة؟»، قال: ها أنا يا رسول الله. فقال: «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».
الذي ينظر إلى واقعنا المعاصر يخاف ويشتد قلبه خوفًا من هذا الحديث الذي يحكي واقعنا؛ فكم من المسؤوليات اليوم توسد إلى غير أهلها؛ فما علينا إلا أن ننتظر الساعة والله المستعان.
هذه هي الأمانة التي أمر بها ربنا -عز وجل- يقوم عليها أمر السموات والأرض، وهي محور الدين وامتحان رب العالمين، هي كمال الأديان، وحسن الإسلام، بالأمانة يحفظ الدين، والأعراض، والأموال، والأجسام، والأرواح، والمعارف، والعلوم، والولاية، والوصاية، والشهادة، والقضاء.
الحكم بالعدل
الأمر الثاني الذي أمر الله به في الآية السابقة الحكم بالعدل، والحكم بالعدل يشمل الحكم بين الناس في الدماء، والأموال، والأعراض؛القليل من ذلك والكثير، وعلى القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو، وإن تولي الولايات العامة تكليف كبير ومسؤولية عظمى؛ لما يترتب عليها من عظم التبعة ودقة المسؤولية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ...» متفق عليه.
فالمناصب العامة في الإسلام ليست وجاهة ولا بابا لكسب الأموال والثراء يحرص عليه المسلم ويستميت لأجلها، وإنما هي أمانة ومسؤولية؛ ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».
المناصب العامة في الإسلام هدفها خدمة الدين، وإعلاء الشريعة، وتحقيق مصالح المسلمين؛ فالمقصود منها إصلاح دين الخلق، الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا، وإصلاح مالا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم.
الولاية لها ركنان
ولهذا كان من الواجب تولية هذه المناصب العامة للقادر على القيام بها؛ إذ إن للولاية ركنان: القوة والأمانة كما قال -تعالى-: {إن خير من استأجرت القوي الأمين}، والقوة في كل ولاية بحسبها؛ فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب، والقوة في الحكم بين الناس، ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام، وإهمال هذا الأصل باستعمال العاجز عن القيام واستبعاد الأصلح، يعد من الخيانة لله وللرسول وللدين والأمة، وقد صح في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يسترعيه الله رعيته فيموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة»، وقال عمر رضي الله عنه : من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح منه، فقد خان الله ورسوله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن عدل عن الأحق الأصلح، لأجل قرابة أو ولاء أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس، أو لرشوة يأخذها من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغينة في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما؛ فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهى الله عنه في قوله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون}؛ ولذلك كان تولية غير الصالحين من علامات الساعة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».
لاتوجد تعليقات