رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ناظم المسباح 7 مايو، 2018 0 تعليق

محبة النبي صلى الله عليه وسلم كمال للإيمان وشرف في الدنيا والآخرة

 

محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من واجبات الإيمان، وهي من القرب التي يتقرب بها العبد لله -تعالى-، كما أنها من مقتضيات محبة الله -تعالى-؛ لذلك بوّب البخاري  لها في صحيحه (باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان)، وساق قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

وقال القاضي عياض وغيره: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام، كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة، كمحبة الولد، ومحبة مشاركة واستحسان، كمحبة سائر الناس؛ فجمع صلى الله عليه وسلم أصناف المحبة في محبته»ا.هـ

وقال مسلم في صحيحه: باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل، ثم ساق الحديث الذي ساقه البخاري -رحمه الله.

وللشيخ سليمان بن عبدالله، كلام طيب في شرح الحديث الذي ساقه الشيخان، أنقله بالنص، قال -رحمه الله-:

     قوله: «لا يؤمن أحدكم» أي: لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته، ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب حتى يكون الرسول أحب إليه من أهله وولده ووالده والناس أجمعين، بل لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول أحب إليه من نفسه أيضاً، كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي؛ فقال: «والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك»؛ فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إليَّ من نفسي؛ فقال: الآن يا عمر» رواه البخاري؛ فمن لم يكن كذلك، فهو من أصحاب الكبائر، إذا لم يكن كافرا؛ فإنه لا يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله، إلا إذا ترك بعض واجباته؛ فأما إذا كان الفعل مستحبا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، ولو صح هذا لنفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان، والصلاة، والزكاة، والحج، وحب الله ورسوله؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثلما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ولا أبو بكر ولا عمر؛ فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل، وعلى هذا فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة؛ فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب؛ فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قاله شيخ الإسلام.اهـ.

     والمؤمنون يتفاوتون بمحبته -عليه السلام- قال القرطبي: كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة غير أنهم متفاوتون؛ فمنهم من أخذ من تلك المحبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقا في الشهوات، محجوبا في الغفلات في أكثر الأوقات.

فضل محبة الله -تعالى- ورسوله

     منهم من أخذ من تلك المحبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقا في الشهوات، محجوبا في الغفلات في أكثر الأوقات، قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار»، وأذكر إليك بعضا من كلام ابن القيم -رحمه الله- يصف فيه محبة الله -تعالى- قال:

منزلة عالية

     هي المنزلة التي ينافس فيها المتنافسون، وإلى عملها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون؛ فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده ففي بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال التي من خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا أبدا بدونها واصليها، وتبوئهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولا هي داخليها.

شرف الدنيا والآخرة

     تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، وقد قضى الله -تعالى- يوم قدر مقادير الخلائق، بمشيئته وحكمته البالغة، أن المرء مع من أحب؛ فيالها من نعمة على المحبين سابغة!  تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون، ولقد تقدموا الركب بمراحل وهم في مسيرهم واقفون، وأجابوا مؤذن الشوق؛ إذ نادى بهم: حي على الفلاح، وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم، وكان بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح، تالله لقد حمدوا عن الوصول مسراهم، وشكروا مولاهم على ما أعطاهم، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح.

     ومن أحب الله -تعالى- أحبه الله وأحبه أهل السماء، ووضع له القبول في الأرض، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء؛ فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبدا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه؛ فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض».

شرط محبة الله ورسوله

      من شروط محبة الله ورسوله الموافقة؛ فتحب ما يحب الله ورسوله، وتبغض ما يبغض الله ورسوله، قال -تعالى-: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}، قال ابن كثير عند هذه الآية: هذه الآية الكريمة حاكمة على من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنه كاذب في دعواه في الأمر نفسه حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في أقواله وأفعاله وأحواله جميعها، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»؛ ولهذا قال: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله»، أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِب، إنما الشأن أن تُحَب، وقال الحسن البصري: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية.اهـ.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك