نصائح تربوية لمعلم القرآن الكريم
إليكَ أخِي يا خيرَ مُعلِّمٍ، يا مبلغَ الوحيِ، يا حاملَ الأمانةِ، نكمل معًا تلك النصائح التربوية، وأبشِرْ! ثُم أبشِرْ! وَلمَ لَا؟ استمِعْ إلى حَبيبَكَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ ذُكِرَ لهُ رجُلانِ أحدُهُمَا عَابِدٌ والآخَرُ عَالمٌ؛ فَقالَ صلى الله عليه وسلم : «فَضْلُ العَالمِ عَلىَ العَابِدِ كَفَضْليِ عَلى أَدْنَاكُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ وَملائِكَتَهُ وَأهْلِ السَّماواتِ والأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحوتَ ليُصَلُّونَ عَلىَ مُعلِّمِ النَّاسَ الخَيرَ»، يَا مَنْ قَالَ لَكَ حبيبُكَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ»، وَفِي رِوايةٍ:(أَفضَلُكُمْ).
النصيحة الرابعة: المعلم والفروق الفردية
عن عَبدُ اللهِ بن عَمرو رضي الله عنه قالَ: أتى رَجلٌ رسُولَ الله؛ فقَالَ: أقرئني يا رسولَ اللهِ، قالَ لهُ: «اقرأ ثلَاثًا مِن ذَاتِ الر»؛ فقال الرجلُ: كَبرتْ سِني، واشتدَّ قلبيِ، وغلُظَ لِساني، قالَ: «فاقْرأ مِنْ ذَاتِ حم»؛ فقالَ الرجُلُ مثلَ مقالتهِ الأُولى؛ فقالَ: «اقرأْ ثَلاثًا مِنَ المسبِّحاتِ»؛ فقالَ الرجُلُ مثلَ مَقالتهِ، ثُمَّ قال َالرجُلُ: ولكن أقرئني- يا رسولَ اللهِ- سُورة ًجَامعةً! فأقرأهُ (الزَلزلةَ)، حتَّى إذا فَرغَ مِنهاَ، قالَ الرجُلُ: الذي بعثكَ بالحقِ! لاَ أزيدَ عليهَا أبدا، ثُمَّ أدبرَ الرجُلُ؛ فقالَ رسولُ اللهِ: «أَفلحَ الرُويجِلُ! أَفلَحَ الرُويجِلُ!». فهذا الحَديثُ يدلُ على الترفُقِ بمن يتَعلمِ القُرآنَ عَامةً، وبطلابِ حَلقاتِ تحفيظِ القُرآنِ خَاصَّةً، وَمراعاةِ قُدراتهم في الحِفظِ كَثرةً وقِلةً.
الفُروقُ الفَرديةُ واختلاَفُ البشرِ
هذا الاختلافُ يتطلب من المعلم أن يتعرف على قدرات كل طالب، ويعامل كلا منهم على حسب قدراته، ولا ينبغي للمعلم أن يقول: «أنا تعلمت هكذا»، أو «هذا هو برنامج الحفظ»، ولا يصح أن يعامل المعلم الطلاب كلهم على درجة واحدة؛ فيقوم بتوبيخ هذا، ومقارنة طالب متفوق بآخر ضعيف؛ فيغرس الكراهية والحقد بينهم دون أن يدري! وعليه أن يتذكر قول الله -جل جلاله-: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}(البقرة: 286).
فعليك أخي المعلم الاهتمام بالأفراد كل على حدة، وعمل برنامج فردي لهم في الحفظ والمراجعة، إلا من تأكدت أنهم قريبون من بعضهم في الصفات قياسا على أوسطهم، فيرفع (الضعيف) ، ويثبت (المتوسط)، وينمو الجميع مع التدريب إن شاء الله -تعالى-، أما ( الماهر) فيكون له رعاية خاصة، و(الضعيف جدا) يحفظ ما تيسر له من القرآن.
وَاعلم -رَحمكَ اللهُ- أن القرآن منذ أن نزل على النبي وإلى يومنا هذا، وهو محفوظ في الصدور من جيل إلى جيل في أنحاء الدنيا جميعها، مع اختلاف اللغات والثقافات؛ فلا يدعي أحدٌ أن طريقته هي الطريقة الوحيدة المناسبة لحفظ القرآن الكريم؛ فلكل شخص وجهة نظر في الطريقة التي يحفظ بها، بشرط أن يكون الحفظ متقنا، ولا يستغرق كثيرا من الوقت، ومن غير عناء وتكلف زائد.
النصيحة الخامسة: المعلم والثواب والعقاب
- أيهما أولى: التربية بالثواب، أم التربية بالعقاب؟ استمع -أخي المعلم- إلى قول الصحابي أنس رضي الله عنه : «خدمت النبي عشر سنين، فما قال لي (أف) قط! وما قال لشيء صنعته (لم صنعته؟)، ولا لشيء تركته لم تركته؟».
وقد ندد ابن خلدون في استعمال الشدة في التربية؛ فقال: «من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمله على الكذب والخبث- وهو التظاهر بغير ما في ضميره- خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة».
فالعقاب ليس الوسيلة المجدية؛ فإنه قد يؤدي إلى كف الطفل أو الطالب عن العمل المعيب، لكن لن يؤدي إلى حبه للخير المطلوب، ومن ثم سيعود إلى إتيان الشيء الذي عوقب من أجله، فضلا عن أن العقاب يعوده البلادة والوقاحة؛ فالترغيب عموما أفضل من الترهيب، والاعتدال هو الميزان.
وعادة يكون عجز الطالب عن الحفظ راجعا إلى قصور في القدرة على الانتباه؛ فالجزء من القرآن الذي لا يستطيع الابن أن يحضر انتباهه فيه سيصعب عليه استرجاعه عند اللزوم، وبالتالي من يضغط على الطلاب أو يجعلهم يحفظون القرآن الكريم بأساليب وظروف مؤلمة؛ فإنه يحدث بذلك فجوة نفسية خطيرة في علاقته بهم تؤثر في شخصيتهم تأثيرا سلبيا.
وإن أكثر ما يحدث للأبناء والطلاب من مشكلات نفسية وسلوكية فيما بعد، يكون من أهم أسبابها: معلم غير كفء، يعكس في نفوسهم الخوف والجبن، وكراهية (القرآن الكريم)، بدلا من غرس محبته فيهم! أما من يجعل الحفظ مرتبطا بظروف سعيدة ومفرحة؛ فإن ذلك يساعد الطلاب على قوة الحفظ وسرعة التذكر لديهم، ويجعلهم يتعاملون مع القرآن الكريم بحب وانتماء.
فتجنب أخي المعلم العقاب النفسي والبدني في تعليم القرآن داخل الحلقة؛ إذ لا دليل من القرآن والسنة على استعمال الضرب من أجل تعليم القرآن، علما بأن للضرب الشرعي أو الجائز ضوابط كثيرة لو روعيت فلن نضرب طالبا، وهذا لا ينفي مطلق العقاب بالضرب، بل النصوص الشرعية تثبت ذلك، ولكن في الحلقات نكتفي في العقاب بمنع الثواب أو تأجيله، أو الحرمان من التشجيع، أو الهجر من غير تعليق، أو العتاب سرا- ولا نكثر منه- أو حدة النظر فقط، أو نغير نبرة الصوت مع المعاقب من غير عصبية.
كيف نحقق الأهداف التربوية للحلقات القرآنية
لكي نصل إلى الثمرة المرجوة، ونستطيع أن نحقق أهدافنا التربوية في الحلقات، لا بد أن تتكاتف وتتضافر أربعة أطراف يسند بعضها بعضاً، ويأخذ بعضها برقاب بعض: «إدارة الحلقة، والمعلم، والطالب، ووالده», أربعة أطراف لها بصماتها المؤثرة في إنجاح الدور التربوي للحلقة القرآنية، فلا بد أن تسعى إدارة الحلقة –أولاً- إلى اختيار المعلم الناجح الذي يجمع بين الكم العلمي والحس التربوي، وأن يكون الإشراف على الحلقة متكاملاً في كل النواحي، من الناحية الفنية والشكلية، وأيضاً من الناحية التربوية والعلمية التي كثيراً ما تتجاهلها إدارة الحلقة.
وفي علاقة الإدارة مع المعلم ينبغي أن يراعى جانب التربية والكيف, فضلا عن الكم، وأيضاً يكون الذي يتابع المعلم أعلى رتبة علمية وتربوية من المعلم؛ فيكون صاحب تجربة معروفة وطويلة قدر الإمكان.
ويأتي بعد ذلك دور المعلم التربوي المباشر في علاقته مع الطالب -الطرف الثالث- بأن يسعى إلى غرس القيم القرآنية في الطالب، يشعره فيها بالأخوة الصادقة والسعي من أجل مصلحته. ويأتي في الأخير دور الطرف الرابع في إتمام المسيرة التربوية، وهو «أبو الطالب»؛ حيث يسعى الأب لإتمام علاقته مع جميع من سبق بدءاً من ابنه الذي استودعه في هذه الحلقة، وأيضاً مع معلمه وإدارته؛ حيث يراقب تطور ابنه التربوي، ويسعى إلى تعزيز القيم والأخلاق الفاضلة التي تلقاها في الحلقة، حتى تتكامل الثمرة وتنضج. وينبغي أن تسعى الإدارة والمعلم إلى التواصل المستمر مع ولي أمر الطالب، لمناقشة حال الطالب واطلاع الأب على المستوى الذي وصل إليه. حين تتكامل هذه الأطراف، ويؤدي كل طرف دوره المناط به؛ فإنه أدعى لإنضاج الثمرة.
لاتوجد تعليقات