من العادات والاعتقادات الجاهلية – الطيرة والتشـاؤم ينافي تحقيق التوحيد
إن من تمام نعمة الله على العباد أن أكمل لهم هذا الدين، قال -تعالى-: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}، ولم يُقبض رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حتى تركنا على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد رب العالمين -عز وجل- توحيدا خالصا نقيا، وحذرهم من كل ما يشوبه من الشرك بالله -تعالى- وما أكثر أنواعه وضروبه.
وإن من الأمور المؤسفة في مجتمعنا الإسلامي انتشار الجهل في صفوف المسلمين؛ فجهلوا التوحيد وأهملوه، ووقعوا في الشرك بعض أنواع؛ كل ذلك بسبب الجهل بدين الله -تعالى- والبعد عن منهج السلف الصالح، وهو ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة، وقد انتشرت في أوساط المسلمين عادات جاهلية يقع المسلمون فيها دون علم وبصيرة، وقد تكون من الأمور الكفرية أو الشركية.
ومن هذه العادات والاعتقادات الجاهلية: الطيرة والتشاؤم، والطيرة والتشاؤم عادة جاهلية؛ إذ كان أهل الجاهلية يعتمدون على الطير في كثير من أمورهم؛ فمن أراد سفرًا أو أراد أن يتزوج أو غير ذلك ينظر إلى الطائر، فإذا طار جهة اليمين استبشر وأقدم على السفر أو الزواج، وإذا طار جهة الشمال تشاءم ولم يسافر أو يتزوج.
وقد جاء ذكر الطيرة في القرآن كما في قصة موسى قال -تعالى-: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إن طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون}، والمعنى: أن آل فرعون إذا أصابتهم الحسنة، أي الخصب والسعة والعافية، قالوا لنا هذه، أي: نحن الجديرون الحقيقيون به ونحن أهله، وإن تصبهم سيئة أي: بلاء وضيق وقحط يطيروا بموسى ومن معه؛ فيقولون هذا بسبب موسى وأصحابه أصابنا بشؤمهم؛ فأخبر -سبحانه- أن طائرهم عنده؛ فقال: {ألا إن طائرهم عند الله}. أي طائرهم ما قضى عليهم ربهم وقدر لهم.
أنواع الطيرة والتشاؤم
أيها الإخوة، للطيرة والتشاؤم أنواع كثيرة قديما وحديثا ومنها:
الهامة
وهي البومة : كان الناس قديما ومازالوا يتشاءمون بها إذا وقفت على بيت أحدهم، يظن أنه سوف يصيبه مكروه في نفسه أو أهله أو ماله.
شهر صفر
حيث كان أهل الجاهلية يتشاءمون من هذا الشهر، ويقولون: إنه شهر مشؤوم؛ ولذلك أبطل النبي صلى الله عليه وسلم هذين الأمرين فقال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، متفق عليه، أي لا شؤم في هؤلاء .
التشاؤم بالأيام
ومنها أن بعض الناس يتشاءم من بعض الأيام، فإذا صادف أن أصيب بمشكلة أو مصيبة في يوم السبت مثلا تشاءم منه وقال: إنه يوم نحس أو شؤم.
التشاؤم بالرجال
ومنها التشاؤم ببعض الرجال ولاسيما إذا كان قبيح المنظر؛ فقد يصادف إذا دخل المنزل أن تنطفئ الأنوار فيقول: هذا من قبح هذا الرجل فيتشاءم به.
التشاؤم بالعطاس
ومنها التشاؤم بالعطاس؛ فيتشاءم بعض الناس به ولاسيما إذا ارتفع الصوت به؛ ولهذا أبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وذكر أن الله يحب العطاس، وأن المسلم إذا عطس فحمد الله فينبغي لسامعه أن يدعو له بالرحمة، ثم يدعو هو له بالهداية وصلاح البال أو المغفرة، كما صح في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، فإذا قال، فليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله؛ فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم». وصح في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب».
والعطاس كما يقول أهل الاختصاص ريح مختنقة وأبخرة فاسدة تخرج من الدماغ أو من وسط البدن، وهو دليل جيد للمريض مؤذن بانفراج علته؛ ولذلك يحمد العاطس ربه على هذه النعمة ولا شأن لها بشؤم أو تطير.
الاستسقام بالأزلام
والأزلام القداح يوضع فيها افعل أو لا تفعل، وكان الرجل يضعها في وعاء، فإذا أراد سفرا أو زواجا أو أمرا مهما أدخل يده فأخرج منها زلما، أي قدحا فإذا خرج افعل أقدم على الأمر، وإذا خرج لا تفعل لم يقدم عليه.
وقد نهى الله عنه بقوله: {وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق}، وقال: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}، وقال صلى الله عليه وسلم: «لن يلج الدرجات العلا من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر تطيرا».أخرجه الطبراني بسند حسن، ومن الاستقسام في عصرنا الحديث: ضرب الرمل، والودع، وفتح الكتاب، وقراءة الفنجان، وغيرها من ضروب الشعوذة والدجل.
ومنها عند رفة العين اليمنى يقولون: خير، أما رفة اليسرى فشر.
ومنها عند حكة اليد خير، وعند حكة الرجل شر.
ومنها قولهم: رجل منحوس، أو منزل منحوس، أو امرأة منحوسة، أو سيارة منحوسة.
ومنها عند انكسار الكأس يقول: انكسر الشر.
ومنها التشاؤم ببعض الأرقام كرقم 13، وانظروا أيها الإخوة في المستشفيات جميعها لن تجدوا جناح رقم 13 وهذا من أعجب الأمور في هذا العصر.
حكم الطيرة والتشاؤم
هذه هي صور الطيرة والتشاؤم وغيرها كثير، أتعلمون ما حكمها؟ إنها نوع من أنواع الشرك بالله.
صح في السنن من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الطيرة شرك ثلاثا وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل»، وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من تطير ولا من تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له». أخرجه الطبراني بسند صحيح. قال ابن القيم: فالطيرة باب من الشرك وإلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، يكبر ويعظم شأنها على من اتبعها لنفسه، واشتغل بها، وأكثر العناية بها، وتذهب وتضمحل عمن لم يلتفت إليها، ولا ألقى إليها باله، ولا شغل بها نفسه وفكره. مفتاح دار السعادة (2/230).
الذي يتطير ويتشاءم لم يحقق توحيد رب العالمين؛ فقد صح في الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون».
قال معاوية بن الحكم السلمي: ومنا أناس يتطيرون؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يضركم»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، وقد ورد عن السلف ذم الطيرة والتشاؤم قال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير؛ فقال ابن عباس لا خير ولا شر، وخرج طاووس مع صاحب له في سفر فصاح غراب؛ فقال الرجل: خير. فقال طاووس: وأي خير عنده والله لا تصحبني.
كفارة من تطير أو تشاءم
أما كفارة من تطير أو تشاءم فقد بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من ردته الطيرة؛ فقد قارف الشرك» قالوا: ما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: «يقول اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك»، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل؛ فكان يتفاءل ولا يتطير، ويعجبه الاسم الحسن، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الطيبة».
وهناك شبهة أخي الكريم؛ حيث يستدل بعضهم بجواز الطيرة بحديث: «إن يكن من الشؤم شيء حق ففي الفرس والمرأة والدار» وهذا لا يعني جواز التشاؤم؛ إذ المعنى لا شؤم في شيء؛ فلو كان ثابتا في شيء ما، لكان في هذه الثلاثة لكنه ليس ثابتا في شيء، أو أن المقصود في هذه الثلاثة سوء الطباع وقلة الموافقة، كما في حديث: «ثلاث من السعادة وثلاث من الشقاوة؛ فمن السعادة: المرأة تراها تعجبك، وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون وطيئة فتلحقك بأصحابك، والدار واسعة كثيرة المرافق، ومن الشقاوة: المرأة تراها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفا، فإن ضربتها أتعبتك وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق» صححه الألباني.
علاج التطير والتشاؤم
- أولاً: التوكل على الله {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}، {فاعبده وتوكل عليه}، {وتوكل على الحي الذي لا يموت}، {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} أي كافيه، ومن كان الله كافيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لابد منه كالحر، والبرد، والجوع، والعطش؛ فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السموات والأرض وما فيهن لجعل الله له مخرجا ولكفاه ونصره.
العلم
- ثانياً : العلم بأن كل شيء يسير بقدرة الله {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، وقال -تعالى-: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير}، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس»، أي التقصير والنشاط وكمال العقل، وقال صلى الله عليه وسلم: «والطير تجري بقدر الله وكان يعجبه الفأل الحسن».
الاستخارة
- ثالثاً: الاستخارة فعن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كالسورة من القرآن يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كان هذا الأمر (ويسمي حاجته) خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كان هذا الأمر شراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به».
الفأل
- رابعاً: الفأل وهو الكلمة الصالحة والاستبشار بالخير، وحسن الظن بالله؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لاطيرة وخيرها الفأل الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم».
- وأخيرًا: علينا جميعا التوكل على الله في أمورنا جميعها، وأن نعلم أن التطير والتشاؤم من الشرك بالله؛ فلتطمئن قلوبنا بربنا -عز وجل-، ولتسكن نفوسنا إلى وحدانيته -سبحانه وتعالى-؛ فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله وقطع هاجس الطيرة والتشاؤم من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمساكها فقد أفلح وسعد في الدارين.
لاتوجد تعليقات