رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.عادل المطيرات 17 يناير، 2018 0 تعليق

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1)

 المعروف هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله ورسوله، والإحسان إلى عباده؛ فيدخل في ذلك: كل ما أمر الله -سبحانه- به ورسوله[ من: توحيد الله وإخلاص الدين له، والمحافظة على الصلوات الخمس جماعة، وإيتاء الزكاة، والصوم والحج ، والالتزام بمكارم الأخلاق، وبر الوالدين وصلة الأرحام والعشرة الزوجية، والإحسان إلى الجيران، وسد حاجة الفقراء والمحتاجين، وغير ذلك من واجبات الدين ومكملاته التي يجمعها مسمى الإيمان والعمل الصالح، وعلى هذا فالمعروف اسم يحيط بالدين كله أصوله وفروعه، عقائده وأحكامه، سننه وآداب.

     أما المنكر فهو كل اعتقاد أو قول أو عمل أنكره الله -سبحانه- ورسوله صلى الله عليه وسلم ، كالشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والتهاون بالواجبات، والسحر والشعوذة، وظلم الناس، وانتهاك الحرمات: القتل والسرقة والزنى، وشرب الخمور وتعاطي المخدرات، وإيذاء المسلمين، وجميع آفات اللسان من الكذب، والغيبة، والنميمة، والاستهزاء، والسخرية.

الميزان في كون الشيء معروفا أو منكرًا

     الميزان في ذلك هو القرآن والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وليس ما يتعارف عليه الناس أو يصطلحون عليه مما يخالف الشرع الحنيف؛ فكل ما أمر به الشرع وحث عليه ورغب فيه فهو معروف، وكل ما نهى عنه الشرع وحذر منه وبين ضرره فهو منكر.

ضرورة بشرية

     الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة بشرية؛ لأنه من الفطرة؛ فمن طبيعة البشر الائتلاف والاجتماع، وإذا علمنا أن النفس البشرية آمرة ناهية بذاتها، فلابد من توجيهها للحق ليكون الأمر بما دل عليه الشرع، والنهي عما نهى عنه الشرع.

      وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعدا فلابد أن يكون بينهما ائتمار بأمر أو تناه عن أمر، فإذا لم يُؤمر الإنسان وينهى فلابد من أن يأمر وينهى، وهذا من لوازم طبيعة البشر.

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

     الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب من واجبات الدين أمر به الله -سبحانه-ورسوله صلى الله عليه وسلم في نصوص كثيرة منها: قال -سبحانه-: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، قال -سبحانه-: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}.

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

     وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «إياكم والجلوس في الطرقات»، قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: «فإذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

صح في سنن الترمذي عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعنه ولا يستجاب لكم».

      صح في سنن أبي داود عن أبي بكر قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه»، وفي رواية: «ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك الله أن يعمهم بعقاب».

وأجمع العلماء على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم:

قال ابن حزم في كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/171): «اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بلا خلاف من أحد منهم».

قال النووي في شرح صحيح مسلم (2/22): «وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين».

      وقال الجصاص في أحكام القرآن (2/592): أكد الله -تعالى- فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه، وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم  في أخبار متواترة عنه فيه، وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه.

وقال الشوكاني في السيل الجرار (4/ 586): «وهو مجمع على وجوبهما إجماعا، من سابق الأمة ولاحقها، لا يعلم في ذلك خلاف».

      ولم يختلف العلماء في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما اختلفوا هل وجوبه عيني على كل أحد، أم كفائي يجب على بعض المكلفين دون الكل.والجميع متفق على أنه إن لم يقم أحد به فالجميع آثمون.

      وذكر النووي في شرح صحيح مسلم ( 2/23) أن الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه فرض كفاية، ويتعين بأمرين، قال: «قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو ، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف».

شروط الآمر الناهي

ذكر العلماء -رحمهم لله تعالى- شروطا يجب على الآمر الناهي الالتزام بها ومنها:

الإخلاص

     أن يخلص لله في أمره ونهيه، كما قال -سبحانه-: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما}؛ فعلى الآمر الناهي أن يخلص قصده لله -تعالى- بأن يريد بأمره ونهيه وجه الله -سبحانه- وأن يتجرد من حظوظ النفس الأمارة بالسوء من طلب الشهرة، وطلب المنزلة في قلوب الناس، أو شيء من حطام الدنيا الفانية.

العلم

      أن يكون عالما بما يأمر عالما بما ينهى، عالما بحال من يأمره وينهاه؛ فلابد من التفقه في الدين وطلب العلم الشرعي، ليكون الآمر والناهي على علم وبصيرة فيما يدعو إليه، قال -سبحانه-: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}، والبصيرة تشمل ثلاثة أمور:

البصيرة فيما يدعو إليه الداعي، بأن يكون عالما بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه.

البصيرة من حالة المدعو؛ ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوما أهل كتاب». الحديث في الصحيحين.

البصيرة في كيفية الدعوة، كما بينها -سبحانه- بقوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}.

     قال الشيخ ابن باز في كتاب الدعوة إلى الله (35) ناصحا الدعاة إلى الله: أن تكون على بينة في دعوتك، أي على علم، لا تكن جاهلا بما تدعو إليه: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة}، فلابد من العلم؛ فالعلم فريضة؛ فإياك أن تدعو على جهالة! وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم!؛ فالجاهل يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، وإياك أن تقول على الله بغير علم! لا تدع إلى شيء إلا بعد العلم به ، والبصيرة بما قاله الله ورسوله، والبصيرة في العلم؛ فعلى طالب العلم وعلى الداعية أن يتبصر فيما يدعو إليه، وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله، فإن ظهر له الحق وعرفه دعا إلى ذلك، سواء كان ذلك فعلا أم تركا، يدعو إلى الفعل إذا كان طاعة لله ورسوله، ويدعو إلى ترك ما نهى عنه الله ورسوله على بينة».

الرفق

     أن يتصف بالرفق عند الأمر والنهي، فلا يكون فظا غليظ القلب فينفر الناس منه، قال -سبحانه- لنبيه صلى الله عليه وسلم : {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}، وجاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»، وفي رواية: «ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»، وفي رواية: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه».

     وفي الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا»، وجاء في صحيح البخاري في قصة الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد فهمَّ به الصحابة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «دعوه، وأريقوا على بوله سجلا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».

وبشر النبي صلى الله عليه وسلم  الداعية الرفيق اللين، كما صح عند الترمذي أن النبي[ قال: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار ، تحرم على كل قريب هين لين سهل».

الصبر

أن يتحلى بالصبر على أذى الناس : قال -سبحانه-: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}، وقال -عز وجل-: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}.

وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر».

     قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: (1/156-157): قال الشيخ تقي الدين: الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين: إما تعطيل الأمر والنهي، وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي، أو مثلها أو قريب منها، وكلاهما معصية وفساد، قال -تعالى-: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور فمن أمر ولم يصبر، أو صبر ولم يأمر، أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة ، وإنما الصلاح في أن يأمر ويصبر}.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك