رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. وليد العلي - رحمه الله - 1 ديسمبر، 2017 0 تعليق

حسن الاختيار هو نعم القرار

إنَّ الرَّبَّ -تبارك وتعالى- إنَّما بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بما يُحبُّه ويرضاه؛ فمن تتبع المحبوب المرضيَّ وتجنَّب المبغوض المسخوط نال رضا الله؛ فعن حُسين بن عليٍّ -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الله يُحبُّ معاليَ الأُمور وأشرافها، ويكره سَفَاسِفَها» أخرجه الطَّبرانيُّ.

      فأشراف الأخلاق ومعالي الأُمور في بهجتها وحُسنها ذواتُ أفنانٍ، لكنَّها قد تتبدَّل أو تتغيَّر بحسب ما يُقابلها من إنسانٍ أو زمانٍ أو مكانٍ؛ فقد تستدعي أشرافُ الأخلاق في مقامٍ الإحجام، وقد تتطلَّب معالي الأُمور في موطنٍ آخر الإقدام، وقد تكون الشِّدَّة في منزلٍ نعتاً ممدوحاً، وقد يكون اللِّين في موقفٍ وصفاً مقدوحاً، فما من خُلُقٍ من الأخلاق إلا له مقامٌ معلومٌ، وهو المقام الذي تستلطفه النُّفوس وتُدركه الفُهُوم.

      فمحاسن الأخلاق الوظيفيَّة، وأشراف السَّجايا المهنيَّة، وصالح الشِّيم العمليَّة، ومعالي الطِّباع الحرفيَّة لا يُتصوَّر وُجودها إلا فيمن كانت بعزائمهم صلابةٌ ومتانةٌ، وهُم الموصوفون بصفات: الحفظ، والعلم، والقُوَّة، والأمانة.

أربع خصال

      ويُقابل هذه الأوصافَ الأربعةَ أربعُ خصالٍ تُورث أصحابها الملامة والمهانة، وهي ما يقوم في نُفوس أصحابها من: التَّضييع، والجهل، والعجز، والخيانة، ومِلاكُ ذلك كُلِّه أصلان: اعتدال النَّفس بالقُوَّة، واختلال النَّفس بالعجز.

      فيتولَّد من اعتدال النَّفس بالقُوَّة -الذي هُو ثمرةٌ من ثمار قُوَّة إيمانها-: معالي الأُمور ومحاسنُ الأخلاق، من الحفظ والعلم والأمانة، ويتولَّد من اختلال النَّفس بالعجز -الذي هُو أثرٌ من آثار ضعف إيمانها-: سَفْسَافُ الأُمور ومساوئُ الأخلاق، من التَّضييع والجهل والخيانة.

       ويدلُّ على هذيْن الأصليْن: ما أخرجه مُسلمٌ عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المُؤمن القويُّ: خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المُؤمن الضَّعيف، وفي كُلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أنِّي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قُل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشَّيطان».

اختبار وابتلاء

     وكُلُّ من كُلِّف عملاٍ فقد تعرَّض إلى الاختبار والبلاء؛ لأنَّه سيُوزن بميزان المُراقبة والمُحاسبة على حُسن الأداء؛ إذ واجبٌ عليْه أن يستكمل معالي الأخلاق والدِّيانة، وأن يجتهد في الاتِّصاف بالحفظ والعلم والقُوَّة والأمانة، فمدح العامل الحفيظ العليم جاء في آيِ الذِّكر الحكيم: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}.

      وإطراء المُوظَّف القويِّ الأمين جاء في مُحكم الكتاب المُبين: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}؛ فتأمَّلوا في شفقة مَلِك مصر على بلاده التي أوشكت على الهلاك، فلو أنَّ له ما في الأرض جميعاً ومثله معه لسعى جاهداً لها بالفكاك، فلمَّا اطمأنَّ المَلِكُ لأهليَّة يُوسفَ الصِّدِّيق: عزم على أن يُخرجه من السِّجن والضِّيق، {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}.

       فما ازداد المَلِكُ بيُوسفَ بعد أن حصحص الحقُّ إلا إعجاباً، كيف أبت قُوَّة نفسه وأمانتُها أن يخرج أو أن يُجيب له خطابا؟ {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ}.

الملك والصدّيق

       وإن تعجب من حال هذا المَلِك الشَّفيق! فعجبٌ والله من حال يُوسفَ الصدّيق، كيف يُفتح له باب السِّجن الضَّيِّق للخُروج، وتُفتَّح له أبواب القصر ويُؤذن له في الوُلوج: ويُوسفُ يمتنع من مُوافقة الرَّسول ويأبى أن يُجيب الدَّاعي؛ حتَّى يعرف المَلِكُ أسباب سَجْنِه ويتعرَّف على الدَّواعي، {فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}.

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ» أخرجه البُخاريُّ ومُسلمٌ من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه ، وفي رواية أحمد: «لو كُنتُ أنا: لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر».

      فقَارِنْ بين حال مَلِك مصر الذي اختار لمصالحها من لا يتوافق معه بوجهٍ من الوُجوه، وبين حال من هُو ضيِّقُ العَطَن لا يرى الخيريَّة إلا فيمن يُؤمِّله لمصالح نفسه ويرجوه.

فمتى سنُخرجُ الإنصاف من سجن الاعتساف؟ ونُدرك وقتها قبل فوات الأوان أنَّ مصالِحَ البلاد: تَسْبِقُ حُظوظَ النَّفسِ ومصالح الأهل وَالأولاد؟

حال يُوسف َ-عليه السَّلام

      ثُمَّ قارن بين حال يُوسف َ-عليه السَّلام- الذي أبى أن يخرج في ظُلمة ليل التُّهمة حتَّى تُشرق شمس البراءة، وبين الزَّاعم بأنَّه سيحفظ حُقوقَ الآخرين وما استطاع أن يحفظ دينه من التُّهمة أو خُلقه من الدَّناءة؟

       فيُستفادُ من قصَّة يُوسفَ -عليه السَّلام- وصف الحفظِ والعلمِ وهُما من أجلِّ الأوصاف، كما يُستفاد من قصَّة مُوسى -عليه السَّلام- وصف القُوَّةِ والأمانةِ وهُما واسعا الأكناف.

      فتأمَّلوا قول المرأة لأبيها: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}: كيف جاء بعد قول مُوسى: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ}؟

       فالقُوَّة إن لم تُلجمها الأمانةُ كانت صِرْعة لهذه النَّفس؛ لما يُخشى منها من انتهاك إحدى الضَّروريَّات الخمس؛ فالقويُّ الأمين: يحفظ الله -تعالى- به النَّفس والنَّسل والمال والعقل والدِّين، والضَّعيف الخائن: إن لم ينتهك بنفسه الحُرماتِ كان ظهيراً للمُجرمين؛ فتعاونوا جَهدكم مع القويِّ الأمين على البرِّ والتَّقوى، ولا تعاونوا مع الضَّعيف الخائن على الإثم والعُدوان، فأنتم شُركاء في أجر المعروف مع من أعنتموه بقُوَّةٍ؛ كما أنَّكم شُركاء بوزر مُنكرٍ يأمر به كُلُّ أثيمٍ خوَّانٍ.

فأمارةُ القويِّ الأمين: التماس رضا الله -تعالى- بسخط النَّاس ومُخالفةِ هواه، وعلامةُ الضَّعيف الخائن: التماس رضا النَّاس ومُوافقةِ هواه بسخط مولاه.

الاعتبار بسلف الأمة

      ثُمَّ اعتبروا بحال سلف الأُمَّة الأوَّل الذين على مُتابعة سبيلهم المُعوَّل: قال مُوسى بن عُقبة -رحمه الله تعالى-: «لَمَّا وَلِيَ عياضُ بن غَنْمٍ قدم عليه نفرٌ من أهل بيته يطلبون صِلَته ومعروفه، فلقيهم بالبشر؛ فأنزلهم وأكرمهم، فأقاموا أيَّاماً، ثُمَّ سألوه في الصِّلة، وأخبروه بما تكلَّفوا من السَّفر إليه؛ رجاء معروفه، فأعطى كُلَّ رجلٍ منهم عشرة دنانير -وكانوا خمسة-، فردُّوها واستخطوا ونالوا منه، فقال: أي بني عمِّ، والله ما أُنكر قرابتكم ولا حقَّكم، ولا بُعْدَ شُقَّتكم، ولكن والله، ما خلصت إلى ما وصلتكم به إلا ببيع خادمي، وببيع ما لا غنى لي عنه؛ فاعذروني. قالوا: والله ما عذرك الله، إنَّك والي نصف الشَّام، وتُعطي الرَّجل منَّا ما جُهده أن يُبلِّغه إلى أهله! قال: فتأمروني أن أسرق مال الله؟ فوالله؛ لأن أُشقَّ بالمنشار، أو أُبرى كما يُبرى السَّفْن: أحبَّ إليَّ من أن أخون فَلساً؛ أو أتعدَّى وأحمل على مُسلمٍ ظُلماً أو مُعاهدٍ.

      قالوا: قد عذرناك في ذات يدك ومقدرتك، فولِّنا أعمالاً من أعمالك نُؤدِّي ما يُؤدِّي النَّاس إليك، ونُصيب ما يُصيبون من المنفعة؛ فأنت تعرف حالنا، وأنَّا ليس نعدو ما جعلت لنا. قال: والله إنِّي لأعرفكم بالفضل والخير، ولكن يبلغ عُمر أنِّي قد ولَّيت نفراً من قومي؛ فيلُومني في ذلك، ولست أحمل أن يلُومني في قليلٍ ولا كثيرٍ. قالوا: فقد ولاك أبوعُبيدة بن الجرَّاح -وأنت منه في القرابة بحيث أنت- فأنفذ ذلك عُمر، ولو ولَّيتنا فبلغ ذلك عُمر: أنفذه. فقال عياضٌ: إنِّي لست عند عُمر بن الخطَّاب كأبي عُبيدة بن الجرَّاح، وإنَّما أنفذ عُمر عهدي على عملٍ لقول أبي عُبيدة فيَّ، وقد كُنتُ مستوراً عند أبي عُبيدة؛ فقال فيَّ، ولو علم منِّي ما أعلم من نفسي ما ذكر ذلك عنِّي. فانصرف القوم لائمين لعياض بن غَنْمٍ».

فرحم المولى -سُبحانه وتعالى- سلفَنا الصَّالحين، وأعاننا على حُسن مُتابعتهم إنَّه خير مُعينٍ.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك