رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: للعلامة محمد بن صالح العثيمين-رحمه الله 13 نوفمبر، 2017 0 تعليق

الدعوة إلى الله بين الإفراط والتفريط


الدعوة إلى الله -تعالى- هي الدعوة إلى شريعة الله الموصلة إلى كرامته، ودعوة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- تدور على ثلاثة أمور: أولاً: معرفة الله -تعالى- بأسمائه وصفاته. ثانياً: معرفة شريعته الموصلة إلى كرامته. ثالثاً: معرفة الثواب للطائعين والعقاب للعاصين.

      والدعوة إلى الله -تعالى- أحد أركان الأعمال الصالحة التي لا يتم الربح إلا بها كما قال الله -تعالى-: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }؛ فإن التواصي بالحق يلزم منه الدعوة إلى الحق، والتواصي بالصبر يلزم منه الدعوة إلى الصبر على دين الله - عز وجل - في أصوله وفروعه.

     إن الدعوة إلى الله - عز وجل - صارت الآن وما زالت بين طرفين ووسط، أما الطرفان فجانب الإفراط؛ بحيث يكون الداعية شديدًا في دين الله يريد من عباد الله - عز وجل - أن يطبقوا الدين بحذافيره، ولا يتسامح عن شيء يسمح به الدين، بل إنه إذا رأى من الناس تقصيرًا حتى في الأمور المستحبة تأثر تأثرًا عظيمًا، وذهب يدعو هؤلاء القوم المقصرين دعاء الغليظ الجافي وكأنهم تركوا شيئاً من الواجبات، ومن الأمثلة على ذلك:

جلسة الاستراحة

     المثال الأول: رجل رأى جماعة من الناس لا يجلسون عند القيام إلى الركعة الثانية أو عند القيام إلى الركعة الرابعة، وهي التي تسمى عند أهل العلم جلسة الاستراحة، هو يرى أنها سنة ومع ذلك إذا رأى من لا يفعلها اشتد عليه، وقال: لماذا لا تفعلها؟ ويتكلم معه تكلم من يظهر من كلامه أنه يقول بوجوبها، مع أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أن هذه الجلسة ليست بواجبة، وأن خلاف العلماء فيها دائر بين ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها مستحبة على الإطلاق، القول الثاني: ليست مستحبة على الإطلاق، القول الثالث: أنها مستحبة لمن كان يحتاج إليها حتى لا يشق على نفسه، كالكبير والمريض ومن في ركبه وجع وما أشبه ذلك؛ فيأتي بعض الناس ويشدد فيها ويجعلها كأنها من الواجبات.

أنت مبتدع

      المثال الثاني: بعض الناس يرى شخصًا إذا قام بعد الركوع ووضع يده اليمنى على اليسرى قال أنت مبتدع لابد أن تسدل يديك؛ فإن وضعتهما على الصدر؛ فإن ذلك من البدع والمنكرات، مع أن المسألة مسألة اجتهادية، وقد يكون الدليل مع من قال: إن اليدين توضعان بعد الركوع على الصدر كما توضعان قبله أيضاً على الصدر؛ لأن هذا هو مقتضى الحديث الذي رواه البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» .

حركة المصلي

     المثال الثالث: كذلك بعض الناس ينكر على من يصلي إذا تحرك أدنى حركة وإن كانت هذه الحركة مباحة، وقد ورد في السنة ما مثلها أو أكثر؛ فتجده ينكر عليه الإنكار العظيم، حتى إنه يجعل هذا الأمر هو محل الانتقاد في هؤلاء القوم، مع أنها حركة مباحة جائزة ورد نظيرها أو ما هو أكثر منها في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم . هذا تشديد! وكان أبو جحيفة رضي الله عنه ذات يوم يصلي وقد أمسك زمام فرسه بيده؛ فتقدمت الفرس فذهب رضي الله عنه وهو يصلي يسايرها شيئاً فشيئاً حتى انتهى من صلاته؛ فرآه رجل من طراز هذا المتشدد؛ فجعل يقول انظروا إلى هذا الرجل، انظروا إلى هذا الرجل، انظروا إلى هذا الرجل - وأبو جحيفة صحابي جليل رضي الله عنه ؛ فلما سلم أبو جحيفة بيَّن لهذا الرجل أن مثل هذا العمل جائز، وأنه لو ترك فرسه لذهبت ولم يحصل عليها إلى الليل، فانظر إلى الفقه في الشريعة والتسامح والتيسير فيها.

كان صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يحمل أُمامة

      وهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأصحابه وهو يحمل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -جد هذه الطفلة-؛ فكان يصلي بالناس يحمل هذه الطفلة إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها صلى الله عليه وسلم ، هذا فيه حركة، وفيه ملاطفة للطفلة، وفيه أنه يؤم الناس فقد يلتفت بعضهم لينظر ماذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الطفلة؛ ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أتقى الناس لله - عز وجل - وأعلمهم بما يتقي كان يفعل ذلك.

النقيض من ذلك

     وضد ذلك: من يتهاون في الدعوة إلى الله - عز وجل - فتجده يرى الفرص مواتية والمقام مناسباً للدعوة إلى الله ولكن يضيع ذلك، تارة يضيعه؛ لأن الشيطان يملي عليه أن هذا ليس وقتاً للدعوة، أو أن هؤلاء المدعوين لن يقبلوا منك، أو ما أشبه ذلك من المثبطات التي يلقيها الشيطان في قلبه؛ فيفوت الفرصة على نفسه.

      وبعض الناس إذا رأى مخالفاً له بمعصية بترك أمر أو فعل محظور كرهه واشمأز منه وابتعد عنه، وأيس من إصلاحه وهذه مشكلة، والله -سبحانه وتعالى- بين لنا أن نصبر وأن نحتسب قال الله -تعالى- لنبيه: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ}؛ فالإنسان يجب عليه أن يصبر ويحتسب، ولو رأى على نفسه شيئاً من الغضاضة فليجعل ذلك في ذات الله -عز وجل-، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما أدميت إصبعه في الجهاد، قال: «هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت».

خلط وخطل وخطر

     وهذا عكس الأول حتى إن هذا ليرى الأمر بعينه ويسمعه بأذنه يجد هذا الأمر المخالف لشريعة الله، ولا يدعو الناس إلى الاستقامة وعدم معصية الله - عز وجل - ومخالفته، بل نسمع أن بعض الناس يقول: يجب أن تجعل الأمة الإسلامية التي تنتسب إلى الإسلام وتتجه في صلاتها إلى القبلة، يجب أن تكون طائفة واحدة غير متميزة، لا يفرق بين مبتدع وصاحب سنة، وهذا لا شك خلط وخطل وخطر؛ لأن الحق يجب أن يميز عن الباطل، ويجب أن يميز أصحاب الحق عن أصحاب الباطل حتى يتبين، أما لو اندمج الناس جميعاً، وقالوا: نعيش كلنا في ظل الإسلام وبعضهم على بدعة قد تخرجه من الإسلام؛ فهذا لا يرضى به أحد ناصح لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.

الخوف من مسبة الناس

     ويوجد أناس يستطيعون الدعوة إلى الله؛ لما عندهم من العلم والبصيرة، ويشاهدون الناس يخالفون في أشياء، ولكن يمنعهم خوف مسبة الناس لهم أو الكلام فيهم أن يقولوا الحق؛ فتجدهم يقصرون ويفرطون في الدعوة إلى الله - عز وجل- وهؤلاء إذا نظروا إلى القوم الوسط الذين تمسكوا بدين الله على ما هو عليه إذا رأوهم قالوا: إن هؤلاء لضالون، إن هؤلاء لمتعمقون، إن هؤلاء لمتشددون متنطعون، مع أنهم على الحق، وإذا نظر إليهم المفرطون الغالون قالوا أنتم مقصرون لم تقوموا بالحق ولم تغاروا لله - عز وجل.

المقياس في الشدة واللين

     ولهذا يجب ألا نجعل المقياس في الشدة واللين هو ما تمليه علينا أهواؤنا وأذواقنا، بل يجب أن نجعل المقياس هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهدي أصحابه، والنبي صلى الله عليه وسلم رسم لنا هذا بقوله وبفعله وبحاله صلى الله عليه وسلم ، رسمه لنا رسماً بيناً؛ فإذا دار الأمر بين الشدة والتيسير بمعنى أنني كنت في موقف حرج لا أدري الفائدة في الشدة أم الفائدة في التيسير والتسهيل فأيهما أسلك؟ اسلك طريق التيسير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: «إن الدين يسر»؛ ولما بعث معاذ أو أبا موسى الأشعري إلى اليمن، قال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا»؛ ولما مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال السام عليكم يا محمد - يريد الموت عليك؛ لأن السام بمعنى الموت - وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم عائشة -رضي الله عنها-؛ فقالت: «عليك السام واللعنة»؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله رفيق يحب الرفق، وإن الله ليعطي بالرفق مالا يعطي على العنف».

الأولى استعمال السهولة

     فإذا أخذنا بهذا الحديث في الجملة الأخيرة منه: «إن الله ليعطي بالرفق مالا يعطي على العنف»، عرفنا أنه إذا دار الأمر بين أن أستعمل الشدة أو أستعمل السهولة كان الأولى أن أستعمل السهولة ثقة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «إن الله ليعطي بالرفق مالا يعطي على العنف»، ومن أراد أن يفهم هذا الأمر فليجرب؛ لأنك إذا قابلت المدعو بالشدة اشمأز ونفر وقابلك بشدة مثلها، إن كان عامياً قال عندي علماء أعلم منك، وإن كان طالب علم ذهب يجادلك حتى بالباطل الذي تراه مثل الشمس وهو يراه مثل الشمس ولكنه يأبى إلا أن ينتصر لنفسه؛ لأنه لم يجد منك رفقاً وليناً، ودعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك