زاد على طريق العمل التربوي (5) محاور الخطاب التربوي الشرعي
المتأمل في واقعنا المعاصر يجد أن الأمة تفتقد إلى جيل متميز يحمل قضاياها، وينهض بها من رقدتها ليرجع بها إلى سابق عزها ومجدها. جيل يتربى في محاضن تربوية بطريقة دقيقة ومتأنية ولاسيما في ظل هذا الواقع المرير؛ لذلك كانت هذه الكلمات التي أبعثها رسالة للمعلم والمربي الذي يعد أهم محاور العملية التربوية، واليوم مع الزاد الثاني.
من الأفضل حين نخاطب الجيل -جيل المستقبل أو الشباب- أن نراعي أمور عدة، منها:
- كيف يمكنني وأنا مربًّ أن يكون خطابي خطابا تربويا؟
- كيف أجري مع الشاب حوارا تربويا؟
- كيف أعطي نصيحة تربوية؟
- كيف أقدم موعظة تربوية؟
إذا أردت أن تعرف كيف يتم هذا فلابد من مراعاة محاور الخطاب التربوي عند الحوار أو النصيحة، ومحاور الخطاب التربوي هي:
1- الترغيب والترهيب (الكلام النظري).
2- حكاية الفعل (ضرب المثال).
3- كيفية تطبيق الفعل (وسائل التطبيق العملي).
4- رؤية الفعل (القدوة).
ونضرب مثالا لكل محور من هذه المحاور لتتضح الصورة:
- أنت تريد أن تخاطب شابا عن صلاة الفجر مثلا: قل له (ترغيبا): يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة».
أما (الترهيب): يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر».
ثم (حكاية الفعل): وهي تقدم نموذجاً، كأن نبين له صلاة الفجر في عيون السلف ومدى حرصهم عليها، فتحكي له -مثلا- موقف أنس بن مالك رضي الله عنه حينما كان يتذكر «تُسْتَر» فيقول: «فاشتغل الناس بالفتح، فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس، فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمر النعم».
ثم (كيفية التطبيق): كيف يصلي الفجر؟
وهذا الجانب مهم جدا للشباب؛ لأن الشباب فيهم خير كثير، وهمة عالية، ويريدون المحافظة على صلاة الفجر، لكن تجد بعضهم لا يعرف كيف يحافظ عليها؛ فتنصحه أن يتخذ لنفسه معينا، كأن يتفق مع صديق يوقظه لصلاة الفجر.
أو قل له: أعطني رقم هاتفك وسأتصل بك كل صلاة، أو أنصحه باستخدام منبه، وأن ينام على وضوء وطهارة، وأن يطلب إلى أهله أن يوقظوه، أو أن يغير مكان النوم، وهكذا، قدم له الحلول العملية.
ثم اعلم أن أبلغ شيء في التأثير على الطالب هو (رؤية الفعل)، أي أن المعلم يتكلم عن المحافظة على صلاة الفجر فيراه الطالب في الصف الأول.
فالنفس لديها استعداد للتأثر بما يُلقى إليها من الكلام، ولكن هذا الاستعداد مؤقت في الغالب؛ ولذلك يلزمه التكرار.
وحكاية الفعل وإن كانت تقرب المسافة أكثر إلا أن أثرها بمفردها يكفينا لتحقيق ما نطمح إليه من رفع المستوى التربوي.
وأما القدوة المنظورة الملموسة فهي التي تتعلق بها النفس، وسرعان ما تترجمها إلى عمل؛ فالنشء يتأثرون بما يشهدون أكثر مما يسمعون.
ولا تنس أن هذه المرحلة في حياة الشاب هي مرحلة تقليد ومحاكاة؛ فالنموذج المثالي والقدوة العملية تختصر عليه الطريق اختصارا، وتدفعه دفعا للاقتداء.
قال ابن شوذب -رحمه الله-: «إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك «أي تَعَبَّد» أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها».
ولكي تستحضرالمفهوم العملي للقدوة، انظر إلى موقف النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا» قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل علي أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك.
فقام فخرج، فلم يكن أحد منهم حتى فعل ذلك: نحر هديه، ودعا حالقه. فلما رأوا ذلك قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما».
نرى المثال أن المطلب النظري أحدث أثرا في نفوس السامعين إلا أنه لم يترجم إلى عمل، ولما اقترن الأمر بممارسة الفعل سهل عليهم الامتثال والتنفيذ، فلم يتخلف أحد عن تقليده، وفعلوا ما فعله عليه الصلاة والسلام.
أيها المربي!
المطلوب منك أن تقدم خطابا متوازنا، ولا تهمل جانبا على حساب جانب آخر، وخصوصا جانب التطبيق.
فالشباب يحتاج أن تخاطبه بطريقة (كيف؟) أكثر من طريقة (يجب... ويجب).
لاتوجد تعليقات