رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.عادل المطيرات 11 يوليو، 2017 0 تعليق

من آفات الإسراف: عدم المبالاة والبعد عن الجد والاجتهاد، والشحناء بين الفقراء والأغنياء

 

 


قدم الإسلامُ للبشرية منهجاً متكاملاً وتصوراً واضحاً عن طبيعة التصرف في شؤون الحياة جميعها، وبيّن بوضوح حدودَ الحلال والحرام فيها , ومن ذلك أنه نهى عن الإسراف في شتى صوره، وإن من طبيعةِ البشر التوسع في النفقات، والمبالغة في الاستهلاك، وهدر الأموال عند أول شعور بالثراء واليسار، ولا يعرفون أيَ معنىً لوفرة المال إذا لم يصاحبْها استهلاكٌ أكثر، ورفاهيةٌ، وتمتعٌ بالكماليات أوسع .

       ولقد جاءت النصوص الشرعية ببيان أن من طبيعة الإنسان السرفَ عند الجدة، وتجاوزَ القصد والاعتدال، يقول -سبحانه-: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}(العلق:6-7)، وقال سبحانه : ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}(الشورى: 27)، ولذلك نهى اللهُ -سبحانه- عن الإسراف والتبذير مطلقا في جميع أمور الحياة ، وبيّن ذلك في آيات كثيرة .

فنهى -سبحانه- عن الإسراف في شراء الأطعمة ثم رميها ، فقال -سبحانه-: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأنعام : 141).

ونهى عن الإسراف في الملابس والمراكب والأثاث فقال -سبحانه-: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأعراف : 31).

ونهى عن التبذير وبين أن المسرفَ المبذرَ من إخوان الشياطين: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}(الإسراء : 26- 27 ) .

بل بيّن -سبحانه وتعالى- في آيات كثيرة بأن الإسرافَ من صفات الكفار أهلِ النار، فقال -سبحانه- في قصة مؤمن آل فرعون: {لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ}(غافر : 43 ).

وقال عن فرعون وطغيانه وإسرافه: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ}(يونس : 83).

بل بيّن -سبحانه- أنه يهلكُ المسرفين فقال -عز وجل-: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ}(الأنبياء : 9).

فعل يبغضه الربُ سبحانه

     والإسراف فعل يبغضه الربُ -سبحانه- وهو تصرفٌ يذمه المولى -عز وجل- قال -تعالى-: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأعراف: 31)، ويقول -سبحانه- في وصف عباده المتقين: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}(الفرقان:67)، ثبت في سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا و تصدقوا والبسوا، في غير إسراف و لا مخيلة».

أنواع الإسراف

     من أبرز أنواع الإسراف، الإسرافُ في الطعام والشراب؛ فيأكلُ الإنسان أكثرَ من حاجته؛ فيصابُ بالتخمة والسمنة، وقد قعّد نبيُناصلى الله عليه وسلم قاعدةً طبيةً نبويةً في الاقتصاد في الطعام والشراب وعدم الإسراف فيه ، ثبت في سنن الترمذي عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول : «ما ملأ آدميٌ وعاءً شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبَه، فإن كان لا محالةَ فثلثُ لطعامه وثلثُ لشرابه وثلثُ لنفَسه»، وسبق النبي صلى الله عليه وسلم الأطباء في بيان ضرر إدخال الطعام على الطعام، وهو أن يأكل الإنسان وهو شبعان ، فنهى عن إدخال الطعام على الطعام .

وقد أجمع الأطباء على أن رأس الداء إدخالُ الطعام على الطعام، وقالوا: أكثرُ العلل إنما يتولدُ من فضول الطعام وزوائده.

ثلاثُ هنُ مهلكةُ الأنام                                        وداعيةُ الصحيح إلى السقام

دوام مُدامةٍ ودوامُ وطئ                                      وإدخالُ الطعام على الطعام

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم، فكان يأكل أكلا قليلا، فذكر ذلك لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: «إن المؤمنَ يأكل في معي واحد، وإن الكافرَ يأكل في سبعة أمعاء».

وتأمل معي -حفظك الله- في طعام النبي صلى الله عليه وسلم ، في الصحيحين عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تقول : و«الله إن كنا لننظرُ إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثةُ أهلة في شهرين، وما أُوقدَ في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم  نار»، قلت: يا خالة فما كان يُعيشكم؟ قالت: «الأسودان، التمر والماء.

وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ما شبع آلُ محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قُبض رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية لمسلم قالت: لقد مات رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين .

وإن من أخطر الأمور وأعظمها شأنا ما نراه في واقع الناس وهم يصنعون الطعام الكثير من أصناف المأكولات ، ثم يلقون المأكولات في القمامات الممتهنة، وهذا كفر بالنعمة ، وسبب لتحولها وزوالها ، وربنا عز وجل يقول: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}( إبراهيم:7) .

     أما يخشى مَنْ يُلقي نعمة الله في القمامات حرمانها؟ أما يتقي الله من يُسرف في الطعام والشراب، أما يخافُ مَنْ هذا فعلُه من عذاب عظيم في يوم عظيم، حين يقفُ أمامَ ربه -سبحانه- ليس بينه وبينه ترجمان فيقول له: عبدي لم ترمي الطعامَ في القمامة؟ عبدي لم تُلقي النعمة في الأماكن الممتهنة؟ عبدي لم تنس نعمتي عليك وتسرف على نفسك غيرَ مبالٍ بخطورة ما تفعلُ وجرمِ ما تصنع؟ فماذا أنت قائلُ لربك في هذا الموقف المهيب، وماذا أنت مجيب؟ 

إنفاقُ الأموال فيما حرم اللهُ سبحانه

ومن الإسراف المحرم إنفاقُ الأموال فيما حرم اللهُ -سبحانه- فينفق بعضُ الناس -هداه الله تعالى- أموالَه في الربا والرشوة ، وشراءِ ما حرم اللهُ من المسكراتِ والمخدراتِ والدخان ، والأشرطةِ الماجنةِ المسموعةِ والمرئيةِ ، ولم يعلم أنه مسؤولٌ عن سمعِه وبصرِه وفؤادِه، {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}(الإسراء:36).

وثبت في سنن الترمذي عن ابن مسعود] عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال : «لا تزول قدما ابنِ آدم يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وما عمل فيما علم؟».

الإسرافُ في الماء والكهرباء

     ومن الإسراف المحرم الإسرافُ في الماء والكهرباء، فالماءُ نعمةٌ عظمى، وهبةٌ ومنحةٌ كبرى، والواجبُ على المسلم أن يعلمَ بأن الماءَ نعمةٌ واجبٌ حفظُها، محرمٌ الإسرافُ فيها، ولقد وجه النبيُ  صلى الله عليه وسلم  أمتَه إلى هذا المغزى، وضرب لهم أروعَ الأمثلةِ في المحافظة على النعمة العظمى ، في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال : «كان  صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد».

ولقد حرص الإسلامُ على مصادر المياه ، ووجه إلى ترشيدِ استعمال الماء، وعدمِ إهداره أو تلويثِه بأي سبب كان فى صحيح مسلم عن حديث جابر رضي الله عنه عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يُبال في الماء الراكد. وفي رواية قال  صلى الله عليه وسلم : «لا يبولن أحدُكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه».

     هذا هو الإسرافُ، وهذه هي النصوصُ الشرعيةُ في تحريمه والتحذيرِ منه، وخصوصا الإسرافُ في الأموال وتبذيرها، وإن من أعظمِ آفات الإسراف أنه يطبع المجتمعَ على الانحلال ، وعدمِ المبالاة، والبعدِ عن الجد والاجتهاد، كما أنه يُضيقُ على الفقراء من حال الأغنياء، ويزرعُ العداوةَ والبغضاءَ حين يرون تبديدَهم للثروةِ والعبثِ بها، بينما هو في الضنكِ والعوز والفاقةِ والحاجةِ إلى الضروريات .

وربما سعى أصحابُ الدخل الضعيف أو حتى المتوسطِ لمجاراة الأغنياء في إنفاقهم وإسرافهم؛ فانقلبت كثيرٌ من موازين الاقتصاد على مستوى المجتمع، وربما على مستوى الدولة، كما هو الواقعُ في المجتمع اليوم؛ فمن لك بالقنوع الراضي ؟

     إن الناظرَ في حال كثير من الناس اليوم يرى أن نفقتَهم تضيقُ بهم مع وفرة المال ، وترى غالبَ الصرفِ في مجال الكماليات والمجاملات على حساب الضروريات والحاجيات، بل ترى بعضَ الناس يستدينون ويقترضون لا لسد الحاجة وإنما للكماليات ولمجاراة الأغنياء، والمترفين؛ فيقلدُ بعضُهم بعضا، ويسرفون كما يسرفون، ويركضون خلف التقليد ويلهثون، حتى يسقطوا في حمأة الديون، والله -سبحانه- يقول: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ}(الشعراء:151).

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك