الأربعون الفلسطينية (الْحَديثُ السَّابِعُ وَالثَّلاثُون)(1)عِيسَى عليه السلام يَقْتُلُ الدَجَّـالَ فِـي فِلَسْطِـين
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها ، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: «الأحاديث الأربعون الفلسطينية» قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث السابع والثلاثون:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقـال لي: ما يبكيك؟» قلت: يا رسول الله! ذكرت الدجالَ فبكيتُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنْ يَخرجْ الدَّجالُ وأنا حيٌّ كَفيتُكُموهُ، وإِنْ يَخرجْ الدجالُ بعدي؛ فإنَّ ربكُم ليس بأَعَورَ، إنه يخرُجُ في يَهودِيَّة أَصبهانَ«وفي رواية عن أنس بن مالك: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة»، «وفي رواية: إنه خارجٌ خلَّةً بين الشام والعراق»، حتَّى يأتِيَ المدينةَ، فينزلَ ناحيتها، ولها يومئذٍ سبعةُ أبوابٍ، على كُل نقبٍ منها مَلَكان فيخرُجَ إليه أشرار أهلها، حتى يأتي فلسطين باب لد، «وفي رواية: بفناء»، وفي رواية: «بَابِ لُدٍّ الشَّرْقِيِّ فَيَقْتُلُهُ»، وفي رواية: «فَيُهلِكَهُ اللهُ عِندَ عَقَبَةِ أَفِيقٍ» فينزل عيسى، وفي رواية: «عند صلاة الفجر»، «وفي رواية أوس بن أوس الثقفي: عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مَهرُودَتَينِ»، وفي رواية أوس بن أوس الثقفي: عليه ممصَّرتان»، وفي رواية: «من السماء فيؤم الناس»، «وفي رواية عن أبي هريرة: فأمَّكم منكم»، «وفي رواية: فيقول أميرهم، «وفي رواية بزيادةالمهدي»، وفي رواية: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة، «وفي رواية: «فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام»، فيقتله ثُم يَمكثَ عيسى في الأرض أَربعينَ سنةً إماماً عدلاً، وحَكَماً مُقسِطاً، وفي رواية عن أبي هريرة: «ثم يُتوفى فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه»، وفي رواية عن أبي أمامة: «وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى، فيضع يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصلِّ، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم».
مناسبة الحديث
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دخل عليَّ رسول الله وأنا أبكي، فقال لي: ما يبكيك؟ قلت، يا رسول الله ! ذكرت الدجال فَبكيتُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحديث.
شرح الحديث
الدجال مُدَّعِي الربوبية، صاحب أعظم فتنة تمر بالبشر عبر التاريخ، وخروجه من أشراط الساعة الكبرى، لا يخفى حاله عن المؤمن، يعرفه بكلمة «كافر» على جبين الدجال، يقرؤها كل مؤمن قارئ أو غير قارئ.
ومع هذا غير أنك لا تجد التصريح بذكر الدجال في القرآن الكريم، إلا تلميحا، في قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} (الأنعام: 158)، وقد علل بعضهم من عدم ذكره صراحة في القرآن احتقارًا له. والله أعلم.
قوله: إنْ يَخرجْ الدَّجالُ وأنا حيٌّ كَفيتُكُموهُ: سبق معنا في الحديث السابق شرح معنى كلمة الدجال، وقوله: «وأنا حيٌّ كَفيتُكُموهُ» أي أن النبي صلى الله عليه وسلم سيتولى أمر الدجال والرد على أكاذيبه إن خرج في زمانه صلى الله عليه وسلم .
قوله: وإِنْ يَخرجْ الدجالُ بعدي: وهي دليل على أن النبي لا يعلم الغيب.
قوله: فإنَّ ربكم ليس بأَعَورَ: فيه وصف عين الدجال بالعور، غير أنه وقع خلاف بين بعض الروايات في عور عين الدجال؛ فمنها ما جاء بأن عور العين في اليمنى، وروايات جاءت عور العين اليسرى، وقد جمع القاضي عياض بين هذه الروايات فقال: بأن كل واحد من عينه عوراء من وجه ما؛ إذ العور في كل شيء العيب، والكلمة العوراء: هي المعيبة، فالواحدة العوراء بالحقيقة وهي التي وصفت بالحديث بأنها ليست ناتئة وممسوحة ومطموسة وطافئة على رواية الهمز، والأخرى عوراء؛ لعيبها اللازم لها لكونها جاحظة، أو كأنها كوكب دري، أو كونها عنبة طافية بغير همز، فكل واحدة منهما يصح فيها الوصف بالعور بحقيقة العرف والاستعمال بمعنى، أو بمعنى العور الأصلي.
وحاصله كما قال القرطبي: إن كل واحدة من عيني الدجال عوراء إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والثانية عوراء بأصل خلقها معيبة.
قوله: إنه يخرُجُ في يَهودِيَّة أَصبهانَ: وفي رواية عن أنس بن مالك: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة» ويقال: أَصبَهَـانُ و إصْبَهان: منهم من يفتح الهمزة وهم الأكثر، وكسرها آخرون. وتقال أيضًا بالفاء في موضع الباء وأصلها بالفارسية سباهان، وسباه معناه عسكر وهان الجمع، وكانت مجتمع العساكر، و«الطيالسة» جَمْعُ طَيْلَسَانٍ وَهُوَ نَوْعٌ من الأردية، وهو من لباس اليهود قديمًا وكان يلبسها يهود خيبر، ولا يعني ذلك كراهة لبسها لكنه مما عرف به اليهود، ولم تكن تعرفه العرب مقور أي مدور الشكل ينسج نسجًا.
وفي رواية عن أبي بكر الصديق صلى الله عليه وسلم : «أن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها: خرسان» وفي أخرى: «إنه خارجٌ خلَّةً بين الشام والعراق» والخلة: أي في الطريق.
وهذا الاختلاف في موضع خروجه يحمل على أنه يخرج مرة بعد أخرى وأما مرو وأصبهان وشبهها فشيء واحد؛ لأنه تارةً عبر بالإقليم ومرة بالبلد وتارة بالمكان، فلا اختلاف. وأن اليهود هم من يتبع الدجال ويطيعه، وهذا مما يلبسونه اليوم من طيالسة يعرفون به حينها.
حتما إنه يخرج من جهة المشرق لكن التصريح بالخروج في خرسان وليس مثله من أصبهان سوى لفظة «يخرج في يهودية أصبهان» ورواية أخرى أخرجها مسلم من رواية أنس بن مالك «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ» وكلاهما يشير إلى أنهم يخرجون معه و يلحقون به ويطيعونه.
نشأة الوجود اليهودي في إيران
ويعود الوجود اليهودي في إيران إلى المدينة التي تعرف اليوم أصبهان وكان بها سابقا موضع أو مكان يعرف بـ (جي) وذلك لما غزا (بخت نصر) بيت المقدس، وسبى أهلها حمل معه يهودها وأنزلهم أصبهان فبنى لهم في طرف مدينة (جي) محلة ونزلوها، وسميت اليهودية نسبة لهم لما سكنوها ، ومضت الأيام والأعوام فخربت (جي) وما بقي منها إلا القليل، وعمرت اليهودية في مدينة (أصبهان) ، وفي عهد الملك قورش الفارسي الذي سمح لليهود بالعودة إلى القدس عام 538هـ ق.م، بعد سبيهم على يد (نبوخذنصر) بعد تدميره لبيت المقدس ومسجدها، فرجع بعضهم، وبقي بعضهم في بلاد فارس، وهي من أهم المدن التي يتمركز بها يهود اليوم ، وكذا شيراز، وهمدان، وكرمنشاه، وأما طهران فقد وصل عددهم فيها إلى ثلاثة آلاف مهاجر عام 1970م، وكان يقدر إجمالي يهود إيران الأصليين عام 1970م، نحو خمسين ألف نسمة. ويقدر عددهم في أصفهان بثلاثة آلاف وخمسمائة نسمة في عبدان.
وجدير بالذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد فتحها عام (19) للهجرة المباركة بعد فتح نهاوند.
قوله: حتَّى يأتِيَ المدينةَ: قوله: فينزلَ ناحيتها ولها يومئذٍ سبعةُ أبوابٍ، على كُل نقبٍ منها مَلَكان فيخرُجَ إليه أشرار أهَلها: وجاء أن الدجال يطوف البلاد ومن ذلك مروره بالمدينة المنورة وبيت المقدس، كما جاء عن أبي هريرة: أن رسول الله قال: يأتي المسيحُ من قِبَلِ المشرِقِ، وهمَّتُهُ المدينةُ حتى ينزل دُبُرَ أُحدٍ، ثم تَصرفُ الملائكة وجههُ قِبَلَ الشام وهُنالك يَهلكُ، ثم يسوق من معه من يهودية أصبهان إلى بيت المقدس؛ حيث المعركة الكبرى إلى أن يصل إلى (لد)؛ حيث مصرعه على يد عيسى عليه السلام.
نقب: وهو جَمْعُ قلّة للنّقب ومعنى ذلك أن ملائكة الله تقف عند كل مدخل من مداخل المدينة المنورة لتمنع دخول الدجال إليها واستعدادا لمدافعته عنها.
حتى يأتي فلسطين باب لُدٍّ: «وفي رواية: بفناء»، «وفي رواية: بَابِ لُدٍّ الشَّرْقِيِّ فَيَقْتُلُهُ»، «وفي رواية: فَيُهلِكَهُ اللهُ عِندَ عَقَبَةِ أَفِيقٍ».
لاتوجد تعليقات