في 15 قاعدة علمية
إن الله -تعالى- ما أرسل الرسل, ولا أنزل الكتب إلا لتغيير أحوال الناس بإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى, ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة؛ وجعل لهذا التغيير وسائل مشروعة؛ فأمر ببعضها, وسكت عن بعض, ونهى عن بعضها إما تنصيصا عليه, أو لمخالفته لأدلة التشريع العامة, ولقواعد الشرع الكلية.
ومن وسائل التغيير المحرمة التي راجت في أزمنتنا المتأخرة بين أبناء المسلمين مما أخذوه عن غيرهم (الإضراب عن الطعام) بدعوى تحقيق مصالح شرعية؛ وأدلة هذا التحريم في تأصيلات الشرع عديدة, ومنها:
ليس في شريعتنا
ليس في شريعتنا تجويز ترك المباحات تدينا؛ بل ترك ذلك من عمل الجاهلية.
الإضراب تهلكة
الإضراب عن الطعام ونحوه داخل في قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة}؛ لأن فعل {تلقوا} وقع في سياق النهي وهو يقتضي عموم كل إلقاء باليد؛ فهذا عام عموم أنواع وأشخاص وأمكنة وأزمنة وقلة وكثرة.
سد الرمق من الضرورات
إن تحصيل القوت وسد الرمق في شريعتنا من الضرورات لا من الحاجيات والتحسينات؛ والضرورة مصانة لا تترك إلا لحفظ ضرورة أشد.
لا يشرع الامتناع عن ضروري
إنه لا يشرع الامتناع عن ضروري لمطالب غاية ما يقال عنها: إنها واجبة أو ضرورية دون الضرورة الأولى.
حفظ أصل قوت الناس
إن الشريعة جعلت نصاب حد السرقة ربع دينار؛ والعلة أن هذا المبلغ أو قيمته هو الحد الذي يتحقق به قوت الناس؛ فمنعت الشريعة الحدود لأجل حفظ أصل قوت الناس؛ ولا تمنع الحدود إلا لحفظ ضروري يتعين الحفاظ عليه على الدوام.
دخوله في العجز
إذا غلب على ظن الإنسان أن مطالبه العامة أو الخاصة لا تتحصل إلا بترك ضروري؛ دخل في العجز؛ ولا واجب مع العجز؛ فسقط الوجوب، وطلبه بعد العجز تكلف وتنطع وخروج على المعهود من السنن.
محرم لذاته
إن الامتناع عن الطعام محرم لذاته؛ وعلة التحريم الحفاظ على النفس؛ فلا يترخص فيه بالصور الواقعة؛ وإنما صورة الرخصة فيما لو تعذر الوصول إلى الضرورة الأشد إلا بالامتناع عن الطعام وهذه حالة نادرة؛ والنادر لا حكم له.
تحصيل الغرض بعيد
إن الضروري لا يرخص لأجل المظنون به، والمقطوع به لا يرخص لأجل المشكوك فيه، والجزم بتحصيل الغرض من الامتناع عن الطعام بعيد؛ غايته هو حصول الظن الغالب الذي لا يقاوم الضروري القاطع.
الحفاظ على الموجود
إن التزاحم بين الحفاظ على النفس وبين حصول الغرض من الامتناع هو كالتزاحم بين الموجود والمفقود؛ والقاعدة: «الحفاظ على الموجود خير من طلب المفقود) و(المصلحة المقطوع بها مقدمة على المصلحة المظنون بها».
الإنكار المذموم
إن الامتناع عن الطعام ونحوه لأجل تحصيل المطلوب -فضلا عن كونه من وسائل الجاهلية- داخل في الإنكار المذموم, أو في الوسائل البدعية لتحصيل المقصود.
يتنافى مع قواعد رفع الحرج
إن هذه الطريقة من الإنكار تتنافى مع قواعد رفع الحرج ودفع المشقة.
تعريض النفس إلى الإذلال
إنها تؤدي إلى تعريض النفس إلى للتشويش أو الإذلال أو الافتتان عند اشتداد الجوع؛ بل هي داخلة في استدعاء البلاء من غير غرض معتبر.
يتنافى مع قواعد الاصطبار
تتنافى مع قواعد الاصطبار والاحتساب والدفع بالممكن من الأسباب.
تحريم صيام الدهر
إن الشريعة حرمت صيام الدهر، ومنعت القاضي من القضاء وهو جائع، ومنعت من الوصال في الصيام، وألزمت الشريعة المضطر لأكل الميتة؛ كل ذلك لدفع مشقة الجوع والتقليل من أضرارها، مع أن هذا المنع مفوت لمصلحة؛ فما بالك بمخمصة من غير مصلحة ولا حكمة.
تقديم حقوق العباد
والشريعة في هذا الباب راعت قاعدة تقديم حقوق العباد على حقوق الله تعالى، قدمت حفظ النفس بعدم تعريضها للهلاك بسبب تعمد الجوع ولو كان لغرض ديني؛ لأن حفظ النفس في هذا الموطن يقدم على تحصيل حق الله. فهذا ما تيسر بيانه بحسب الإمكان , وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
لاتوجد تعليقات