الأربعون الفلسطينية (الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُون ) تَكَفَّلَ اللَّـهُ بِالشَّامِ وَأَهْلِهَا
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها ، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث السابع والعشرون:
عن واثلة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عَليكم بالشَّام فإنَّها صفوةُ بـلادِ الله، يُـسكِنُـهـا خـيـرتَـهُ من خلقِهِ، «وفي رواية: يجتبي إليها خيرته من عباده»، فمن أَبى فليلحق بيَمنِهِ، «وفي رواية: إن أبيتم فعليكم بيمنكم»، وَلْيُسقَ مِن غُدُرِه، «وفي رواية: واسقوا من غُدركِم»؛ فإن الله -عز وجل- تَكفَّلَ، «وفي رواية: تَوكّلَ، لي بالشام وأهلِه».
شرح الحديث:
يذكر هذا الحديث وبوضوح فضل الشام وأهلها، وكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث التفت إلى ابن عامر، فقال: ومن تكفل الله به، فلا ضيعة عليه.
فهاهي ذي أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - تأتينا تترى مرة بعد المرة بالوصية بالهجرة إلى الشام، لا الهجرة منها كما هو الحال هذه الأيام.
قوله: عَليكم بالشَّام: فقد استقر في الضمير من غير مرية ولا جدال عظيم شأنها، كما مر معنا في كثير من أبواب هذ الكتاب، أي عليكم بالهجرة إليها والالتحاق بأهلها، وليعلم أن الهجرة إلى الشام هجرتان:
- الأولى: الهجرة إليها رغبة بما جاء في فضلها وفضل الهجرة إليها.
- الثانية: هو الهجرة إليها دفعًا آخر الزمان.
لذا لما سئل الإمام أحمد، أين ترى الرجل إذا كره المكان الذي هو فيه أن ينتقل؟ قال: إلى المدينة. قيل: فغير المدينة؟ قال: مكة. قيل: فغير هذا؟ قال: الشام، والشام أرض المحشر.
قوله: فإنَّها صفوةُ بـلادِ الله: فإنها: أي إن بلاد الشام مما اصطفاه الله واختاره من عموم البلاد.
قوله: يُـسكِنُـهـا خـيـرتَـهُ من خلقِهِ: وفي رواية «يجتبي إليها خيرته من عباده» أي مصطفاه من سائر بلاده يجمع الله -تعالى- إليها من اختارهم من خاصة عباده.
وقد قيل إن عامة أنبياء بني إسرائيل كانوا من الشام، وبها جمع الله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - سائر الأنبياء ليصلي بهم إمامًا.
قوله: فمن أَبى فليلحق بيَمنِهِ: وفي رواية: «إن أبيتم فعليكم بيمنكم- فمن أبى- كلام معترض رخص لهم في النزول بأرض اليمن؛ أي من امتنع منكم أو منع عن قصد الشام والهجرة إليها. «فليلحق بيمنه» أضاف اليمن إليهم ونسبهم إليها؛ لأنه خاطب به العرب؛ ولأن اليمن من أرضهم وكأنها منهم وهم منها، وهي كذلك حرسها الله.
وهي إشارة من النبي - صلى الله عليه وسلم - واضحة لإزالة الفوارق القبلية بينهم وأنه لا فرق بين مكي أو مدني ويمني، وأنه - صلى الله عليه وسلم - رخص لهم نزول اليمن كمفضول على فاضل اضطرارًا، فالفضل الأول للشام واليمن دونها في الفضل وتأتي بعد الشام.
ومع أن اليمن دون الشام في الفضل إلا أن لها فضلًا أظهره قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «فعليكم بيمنكم»: أي الزموا يمنكم، وفيه تأكيد على فضلها و لزوم الهجرة إليها إن تعذرت الهجرة إلى الشام.
قوله: «وَلْيُسقَ مِن غُدُرِه» غُدُرِه: بضم المعجمة وفتح المهملة مفردها غدير، القطعة من الماء يغادرها السيل. وهو الحوض أو الحياض، ومعنى ذلك يسقى كل من غديره الخاص به، والمقصود ملازمة الرعي والسقي ، ويبدو أن أهل الشام كان من عادتهم أن كل رفقة منهم ومجموعة يتخذون غديرًا ومرعى يخصُّهم؛ فأوصاهم النبي- صلى الله عليه وسلم - بأن يلزم كل منهم حقه وما يخصه، ولا يزاحم غيره في حقه؛لئِلا يكون ذلك سببًا للاختلاف ووقوع الفتن.
قوله: فإن الله -عز وجل- تَكفَّلَ لي بالشام وأهلِهِ: تَكفَّلَ: (الكفيل) الضامن، و (الكافل) الذي يكفل إنسانًا يَعُوله ومنه قوله تعالى: {وكفلها زكريا}، أي أن الشام وأهلها بضمان الله وكفالته ورعايته سبحانه وتعالى.
وفي رواية: «تَوكّل» فلا تعارض بينها وبين تكفل فكلاهما يأتي بمعنى واحد، فإن من توكل في شيء تكفل القيام به. أي إن الله تكفل وضمن لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يحفظ الشام وأهلها وكانت كفالة الله تعالى:
«بالشام»: ويكون ذلك بحفظ الشام، وألا تخرب بالفتنة.
«وأهلِهِ»: وتكفل للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأمان أهلها من شر الجنود، وضمن حفظهم، وفوَّض أمرهم إلى نفسه، لا تصيبهم الفتنة ولا يهلك الله بالفتنة من أقام بها.
وهو ضمان من الرب لأتباع النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يضمن الله قومًا لنبي قبله، ولا أمة أو أرضًا غير الشام وأهلها، وكان الحوالي يقول: من تكفل الله به فلا ضيعة عليه.
لقد كانت الشام عظيمة القدر عبر السنين في قلوب علماء المسلمين فضلًا عن عامتهم يتشوفون لها ويتشرفون بالنسبة إليها، وترنو قلوبهم وأبصارهم نحوها، حتى وصفها الأتراك في ظل الدولة العثمانية بـ(شام شريف) لقد أدرك الغرب مدى أهمية هذا الإقليم وقدسيته في قلوب المسلمين عربهم وعجمهم؛ فتسلط على رقاب أهل بلاد الشام أكثر الشعوب كرها وحقدًا يحملون عقيدة الصليب في قلوبهم؛ فكانت الشام وما احتضنت من بلاد سنية عربية أصيلة حظها التقسيم والتفتيت والتفريق بين أهلها وروابطهم العقدية والتاريخية والحضارية؛ فأصبحت دولًا لها أعلام خاصة بوطنية ضيقة الأفق، تحدها حدود سياسية مصطنعة، بجهود بريطانية وفرنسية تمخض عنها ما يسمى باتفاقية: (سايكس- بيكو) سنة 1916م، كل ذلك كان ثمرة مكر الليل والنهار من أتباع الصليب ومن عاونهم.
وقام الغرب الكافر وبخبث ودهاء وبمعاونة أتباعهم وأزلامهم من أبناء جلدتنا ومن يتكلمون بألسنتنا، ويتصنعون الحرص الكاذب بحب الأوطان والشفقة على البلاد والعباد في هذه الدول بترسيخ الوطنية المزعومة ليدقوا بذلك إسفين صنم الوطنية إلى ما شاء الله، حتى نمت وترعرعت في (شام شريف) أشد الفرق حقدًا على عقيدة الإسلام والمنتسبة إلى الإسلام وهو منها براء، ليس هذا فحسب بل أصبحت تتحكم في رقاب البلاد والعباد، وتعيث في الأرض الفساد، فأصبحت وأضحت وأمست بلاد الشام بعامة على ما نراه اليوم من أسوأ حال لها عبر تاريخها الطويل بعد أن استحر فيها القتل بطريقة مفجعة، يشيب لها الولدان، وغدا مأوى جملة كبيرة من الفرق الضالة فيها، ومقرًّا لدولة اليهود وناحية من نواحي أتباع الصليب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من فوائد الحديث:
1- بلاد الشام مختارة الله من بلاد الدنيا للسكنى فيها.
2- بلاد الشام خيار الله عند وقوع الفتن.
3- اليمن تأتي في المرتبة الثانية بعد بلاد الشام في خيار الهجرة إليها حال الفتن.
4- كفالة الله -تعالى- للشام خصوصا دون غيرها من البلاد.
5- الله -جل جلاله- يصطفي خير البشر لسكنى الشام.
لاتوجد تعليقات