رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 31 أكتوبر، 2016 0 تعليق

عدل الإسلام مع غير المسلمين

من تسامح الإسلام مع غير المسلمين أنه لم يلزمهم دفع الزكاة ولم يفرض عليهم الجهاد مع المسلمين

 

كلمات ومواقف وشهادات ونصوص نقدمها لمن لم يقرأ كتاب ربنا ولا سنة نبينا، ولم ينظر في تاريخنا ليقف عندها كل منصف أراد الحقيقة، وقد سجلت صفحات التاريخ بأحرف من نور صور العدل الذي قام به المسلمون مع غير المسلمين، فالإسلام يحفظ للإنسان الحقوق الأساسية في الحياة التي لا غنى له عنها،ولم يحظ الإنسان - أيا كان جنسه أو مكانه أو مكانته أو زمان عيشه - بمنزلة أرفع من تلك التي ينالها في ظلال الدين الحنيف؛ وما ذلك إلا لأن الإسلام دين عالمي، ورسوله صلى الله عليه وسلم  أرسل للعالمين كافة.

     ودراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم  تنبئ عن صفحات مشرقه في حسن تعامله صلى الله عليه وسلم  مع غير المسلمين، فقد كان له جيرانٌ منهم، وكان يدوام على برهم، ويعود مرضاهم، ويُهدي لهم، ويقبل هداياهم، حتى إن امرأة يهودية وضعت له السم في ذراع شاة أهدته إياها.

روى البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلفكم، فمرت به يوماً جنازة، فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفساً؟».

تعامل الخلفاء

     وقد راعى الخلفاء المسلمون كرامة غير المسلمين، وشواهد التاريخ ملأى بتلك الحوادث التي يشهد لها المنصفون، وُثِّقت بمعاهدات نذكر صورة منها وهي العهدة العمرية التي أعطاها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لسكان القدس من النصارى عند فتحها وقد جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عبد الله؛ عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم: أماناً لأنفسهم، وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها، وبريئها، وسائر ملتها. أن لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صلبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود...».

صور من تسامح الإسلام

     وتحرير بيت المقدس على يد المجاهد الناصر صلاح الدين الأيوبي كانت صورة للفارق بين سماحة الإسلام حين يحكم وتكون كلمته هي العليا، وبين الحقد الصليبي وغدرهم حين احتلوا بيت المقدس، وعاثوا فيه الفساد من ذبح وقتل أكثر من سبعين ألفا من المسلمين في عام492 هـ، وكثير من القتلى كانوا أئمةً وعلماء وعباداً ممن فارق الأوطان، وجاوروا بذلك المسجد الأقصى.

ومن تسامح الإسلام مع غير المسلمين أنه لم يلزمهم دفع الزكاة ولم يفرض عليهم الجهاد مع المسلمين، كما سمح الإسلام لغير المسلمين بإقامة حياتهم الاجتماعية -الأحوال الشخصية- على تشريعاتهم الخاصة كالزواج والطلاق ونحو ذلك.

     ولم تشهد أرض بيت المقدس زمناً عاش فيه الجميع في تسامح وعدالة مثل العهد الإسلامي الذي حكموا فيها بيت المقدس أما عندما احتله الصليبيون فعلوا فيه ما فعلوا، وكذلك عند فتحهم لها على يد صلاح الدين الأيوبي، لم يعاملوهم بالمثل، وبعد تسامح المسلمين (باستيطان اليهود) في ظل الخلافة العثمانية بدأت أطماعهم تتوسع إلى أن أخذوا فلسطين والمسجد الأقصى المبارك سلمه الله من أيدي اليهود الخبثاء؛ فقد فعلوا فيه ما فعلوا وما زال مسلسل جرائمهم مستمراً إلى يومنا هذا.

روائع الوقف الإسلامي

     ومن روائع الوقف الإسلامي أن قد خُصصت أوقاف لغير المسلمين في ظل الخلافة الإسلامية، فكانت أوقاف وثقها التاريخ خُصصت لنفع أهل الذمة ليحفظ كرامتهم وإنسانيتهم، ويطعمهم ويسقيهم ويكسوهم، فالعناية كانت كذلك لغير المسلمين. وقد خصصت أوقاف لنشر الإسلام بين أهل الذمة وكذلك في الدول والأمصار التي فتحها المسلمون، فأوجدوا مشاريع وقفية ليعش الناس حياة كريمة في ظل الخلافة الإسلامية، يسكنون ويأكلون، يتعلمون ويعالجون.

     يقول (غوستاف لوبون) في كتابه -حضارة العرب-: «كان يمكن أن تُعمي فتوح العرب الأولى أبصارهم، وأن يقترفوا من المظالم ما يقترفه الفاتحون عادةً، ويسيئوا معاملة المغلوبين، ويكرهوهم على اعتناق دينهم الذي كانوا يرغبون في نشره في العالم، ولكن العرب اجتنبوا ذلك؛ فقد أدرك الخلفاء السابقون الذين كان عندهم من العبقرية السياسية ما ندر وجوده في دعاة الديانات الجديدة أن النظم والأديان ليست مما يفرضُ قسراً، فعاملوا كما رأينا أهل سوريا ومصر وإسبانيا وكل قطر فتحوه بلطف عظيم، تاركين لهم قوانينهم ومعتقداتهم، غير فارضين عليهم سوى جزية زهيدة في الغالب إذا ما قيست بما كانوا يدفعونه سابقاً، في مقابل حفظ الأمن بينهم، فالحقّ أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا ديناً مثل دينهم».

     وقال ابن حزم -رحمه الله- في مراتب الإجماع-: «إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمة الله -تعالى- وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة».

صور مشرقة

     ومن الصور المشرقة لحماية غير المسلمين موقف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حينما تغلب التتار على الشام، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبي أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة، فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: لا نرضى إلا بإطلاق سراح جميع الأسارى من اليهود والنصارى فهم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً لا من أهل الذمة ولا من أهل الملة، فلما رأى إصراره وتشدده أطلقهم له.

     لاشك أن حقوق غير المسلمين في الإسلام إنما هي وحي إلهي ورد في كتاب الله تعالى، أو سنة نبيه محمدصلى الله عليه وسلم  الذي لا ينطق عن الهوى، فهي حقوق ثابتة لا تتغير إلى قيام الساعة ؛ لأنها أوامر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، والله - عز وجل - يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}(الأحزاب: 36).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك